نقاش:الإمام علي الهادي عليه السلام
التمهيد
عاش الإمام الهادي(ع) بعد استشهاد أبيه ظروفاً صعبة وقاسية وقد عاصر حكم المتوكل الذي عرف بحقده على الإمام(ع) وملاحقته لأصحابه وقواعده التي كانت تتسع يوماً بعد يوم، هذا التوسع الذي انعكس على واقع الجهاز الحاكم، حتى شعر المتوكل بخطورة الموقف وحرجه، فحاول تفادي المضاعفات، بطريقين متلازمتين في آن واحد معاً:
- شن حملة مطاردة واضطهاد، لقواعد الإمام(ع) وأصحابه، وتدمير كل اثر شيعي لهم زيادة في ارهابهم وامعاناً في إذلالهم، «حتى أنه كرب قبر الحسين وعفّى آثاره»[١].
- عزل الإمام(ع) عن قواعده تمهيداً لشرذمتها، وتمييع قضيتها وتيئيسها من الانتصار.
وقد رأى المتوكل أن تواجد الإمام الهادي بعيداً عن رقابته (في المدينة) يشكل خطراً على دولته، فأمر باستقدامه إلى سامراء لكي يضعه تحت رقابته، ويرصد حركاته بعيداً عن قواعده الشعبية.
فقد أرسل المتوكل رسالة للإمام(ع) يدعوه فيها للحضور إلى - سامراء - مع من يختار من أهله ومواليه[٢] بشكل لا يثير الأمة عليه، وهو نفس أسلوب من سبقه من الخلفاء، وكما فعل المأمون قبله مع الإمام الرضا و الإمام الجواد(ع) ومحاولة دمجهما في الجهاز الحاكم ليكونوا تحت رقابة القصر.
وأرسل المتوكل كتابه مع يحيى بن هرثمة أحد قادته العسكريين كما أرسل معه فرقة من الجند إلى المدينة وأمره باستقدام الإمام(ع) إلى سامراء، بعد تفتيش بيته، والبحث عن أي مستمسك يدين الإمام بالعمل والتآمر ضد الدولة، فلما سمع أهل المدينة بالحادث ضجوا استنكاراً على فعلة ابن هرثمة حتى أنه أخذ يسكتهم ويحلف لهم بأنه لم يؤمر فيه بمكروه»[٣] وهذا مما يدل على معرفة أهل المدينة بسوء نية السلطات تجاه الإمام(ع). ويقول ابن هرثمة «ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم»[٤].
وقد خرج الإمام الهادي مصاحباً ولده العسكري وهو صبي، مع ابن هرثمة يقودهما إلى سامراء، وبعد وصوله إليها بيوم استدعاه المتوكل، وتلقاه جملة من أصحاب المتوكل ودخل عليه فأعظمه وأكرمه ثم حوله إلى دار قد أعدت له(ع)!! وأراد المتوكل بأسلوبه الماكر هذا أن يغطي على منهجه السياسي وعدائه الدفين للإمام(ع)، وهو بهذا الاستدعاء يفرض عليه الإقامة الجبرية تحت عين ومراقبة القصر المحكمة والتي سوف تحصي عليه كل تحركاته وسكناته بدقة تامة.
الإمام تحت الرقابة
وقد سبق أن لاحظنا أن هدف استدعاء المتوكل للإمام الهادي إلى سامراء هو وصحبه وصهره في حاشية الخلافة بقدر الإمكان ليكون الإمام بين سمعهم وأبصارهم فلا تفوتهم منه شاردة ولا واردة.
«و كان الإمام(ع) يعطي من نفسه بإزاء ذلك وكأنه يوافق الدولة العباسية على سياستها تجاهه، فكان يحضر موائدهم، ويجلس مجالسهم ويخرج في مواكبهم»[٥].
ولم يكن هذا الموقف من الإمام (ع) تنازلاً أو تسامحاً مع الدولة، فإن هذا لا يمكن أن يكون مع شخصية كشخصية الإمام(ع) المبدئية.
وأي تنازل يبديه الإمام(ع) معناه التصرف ضد مصالح الإسلامية العليا.
ولو أن الدولة كانت تحس في الإمام تنازلاً في مواقفه، لنال عندها أقصى المنازل الرفيعة والجاه العظيم، ولألفت مراقبتها الشديدة عليه دون أن تكرهه على الإقامة الجبرية، مع العلم أن سياستهم الجائرة تجاه الإمام كانت تتزايد يوماً بعد يوم، حتى أن المتوكل في آخر أيام حكمه ألقى بالإمام في غياهب السجون لكثرة ما ترفع عنه للمتوكل من سعايات ووشايات بين آونة وأخرى، وكانت هذه الأخبار توقظ شكوك المتوكل على الإمام وتثير توجسه الكامن في نفسه، وكانت هذه الأخبار والوشايات تجعله يأمر بكبس دار الإمام للتأكد من صدق الوشاية أو كذبها.
الوشايات تبوء بالفشل
الملاحظ في كبس دار الإمام(ع) أمران:
- أن كل الأخبار والوشايات دائما كانت تبوء بالفشل دون أن تحقق هدفها في كشف معلومات عن حقيقة عمل الإمام ونشاطه وفي كل مرة يرجع جواسيس الخليفة مؤكدين لم يجدوا في دار الإمام ما يثير التوجس، مما يوجب عودة المتوكل إلى هدوئه واستمراره في إظهار احترام الإمام وتقديره في الظاهر. وكان الهادي(ع) يفلح في كل مرة - يراد تفتيش بيته - بإخفاء مكامن الشك عن الدولة، بالرغم مما كان يرده من الأموال والكتب وما كان يقوم به من اتصالات، وكان يستعمل أسلوباً رمزياً حينما يريد التعبير عن أمر محظور في نظر الدولة[٦].
- كان الإمام(ع) يظهر - عند الكبس على داره - بمظهر اللامبالاة والهدوء التام والشخص الواثق من براءته، وكان يعين الشرطة المتجسسين على مهمتهم، فيسرج لهم الضياء، ويدلهم على غرف الدار توخيا في الإيحاء للدولة بأنه لا يملك أي نشاط غريب، ولو كان الإمام(ع) يقف موقفا غير هذا الموقف لحاول بسلوكه وموقفه أن يثير شك الحكام بنشاطه، وهو في غنى عنه.
وقد كبس دار الإمام(ع) مرات عديدة: ومن ذلك كبسه لدار الإمام نتيجة لسعاية البطحاني به الى المتوكل وزعمه: إن عنده أموالاً وسلاحاً، فأمر المتوكل على الفور سعيداً الحاجب بالهجوم ليلاً على دار الإمام(ع) وأخذ ما عنده من الأموال والسلاح وحمله إليه.
فأخذ سعيد معه سلماً وذهب إلى دار الإمام(ع) وصعد عليها من الشارع إلى السطح ونزل خلال الظلام فلم يدر كيف يصل إلى الدار، فناداه الإمام(ع) بكل برود وهدوء: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، ويقول سعيد: فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت، فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت - يعني الغرف - فدخلتها وفتشتها، فلم أجد فيها شيئا.
ويحاول سعيد أن يظهر اعتذاره للإمام(ع) وكونه مأمورا ولكن الإمام(ع) أظهر سخطه بتلاوته لقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[٧].[٨]
وفي حادثة أخرى: يصل إلى المتوكل خبر مال يصل الإمام من قم وهي إحدى مراكز الولاء للإمام(ع) فيأمر وزيره الفتح بن خاقان أن يراقب الوضع ويأتي بالخبر، فيرسل الوزير بعض مأموريه ويدعى «أبا موسى» إلى الإمام ليرقب الوضع عن كثب»[٩].
دور الإمام(ع) وموقفه من الاحداث
حاول الإمام أن يمارس دوره وفقاً للظروف الصعبة التي عاشها وهو في سامراء تحت رقابة المتوكل وعيونه التي ترصده ليل نهار، كان نشاطه(ع) يتحدد في دائرة في هذا الجو المضطرب دون أن يصطدم قدر الإمكان بحدود الضغط والرقابة الموجهة إليه وإلى أصحابه، ومع ذلك فقد مارس دوره من خلال موقفين:
- توعيته للأمة، ومواقفه العلمية، متمثلة برده للشبهات وإجابته على الأسئلة التي كان يوجهها الخليفة متحدياً بها الإمام(ع) لإحراجه أمام الناس. فمن ذلك أن المتوكل طلب من ابن السكيت أن يسأل الإمام(ع) مسألة عوصاء بحضرته! فيسأله ابن السكيت عن بعض ما يراه صعباً ومشكلاً، فيخرج الإمام(ع) ظافراً من هذا التحدي. حتى أن يحيى بن أكثم قال للمتوكل «ما أحب أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه، وإنه لا يرد عليه بشيء بعدها إلا دونها وفي ظهور علمه تقوية للرافضة»[١٠]. وكان الإمام(ع) يجيب السائل عن سؤاله، ويرد الشبهات الملحدة الرائجة في مجتمعه[١١].
- العمل على حماية قواعده والإشراف عليها ومساعدتها على قضاء حوائجها - قدر الإمكان - والعمل على تثقيفهم وتركيز ثقتهم به، بصفته قائدهم الأعلى في كل شيء.
وقد انصرف الإمام(ع) يعمل بدأب على تجديد نشاطهم الاجتماعي - كلما سنحت لهذا النشاط فرص العمل - وكان يمد قواعده بكل الأساليب التي تساعدهم على الصمود ومواجهة العقبات والصعاب.
«و كان الهادي يستلم الأموال الطائلة - بالطرق السرية أو العلنية الممكنة - من مواليه كالزكاة والخمس والخراج، ويصرفها في المصالح الإسلامية العامة لحركته، بعيداً عن أعين الحكام والعاصمة العباسية»[١٢].
موقف العباسيين من تخطيط الإمام(ع)
أما الحكام العباسيون، فقد خططوا لإحتواء عمل الإمام(ع) وتفريغ تخطيطه من فاعلية النشاط والتأثير، ولجم معارضته(ع) بالأساليب الآتية:
- الوقوف بوجه الإمام(ع) وتحديه من الناحية العلمية، وقد أحبط الإمام(ع) محاولتهم هذه، عندما كان يجيب استفتاءاتهم ويرد على تحديهم.
- محاولة صهر الإمام(ع) وتقريبه من البلاط لتمييع أطروحة الإمام(ع) وعزله عن قواعده الشعبية.
ويمكن تفسير موقف الإمام في قبوله وإظهار موافقته للحضور إلى سامراء وتواجده معهم من خلال المبررات الآتية:
- حملة الضغط والإكراه إلى حد التهديد بالقتل، ورفض الإمام(ع) وامتناعه الصريح بالحضور إلى مجلس المتوكل، يعني استفزاز الحكم ضده والظهور بمظهر الخارج عنهم، وكل ذلك مما لا يتفق وسياسة الإمام المرحلية التي رسمها تجاه الدولة.
- أراد(ع) احتواء وشايات بعض الجواسيس الذين أرادوا الإيقاع بالإمام والتصدي له بالأذى، وذلك عندما وشى به عبد الله بن محمد الذي كان يتولى الحرب والصلاة في المدينة، ملفتاً انتباه المتوكل إلى خطر الإمام(ع) ونشاطه في المدينة الذي يعمل ضد سلامة الدولة وأمنها، وأشاع خبر وجود أسلحة وكتب في بيت الإمام(ع)[١٣]. ولهذا أراد الإمام(ع) أن يظهر أمام الحكام بشكل يبدو أمره غير مثير للشك والشّبه، وهو بهذا ربما يتفرغ للإنفتاح على مجال آخر للعمل، ويبادر لنشاط جديد.
- ربما كان الإمام(ع) يرى أن تواجده بين الطبقات الحاكمة والمتنفذة في الدولة، فرصة عمل يستطيع من خلالها أن يقول الحق بينهم ويدافع عن قضيته العادلة بين ظهرانيهم - ولا نستبعد هذا الإحتمال - لاحترامهم لشخص الإمام وإكبارهم لعلمه ونسبه - وهو بهذا يكسب قضيته العطف في المستويات العليا من الدولة.
- أدرك الإمام(ع) آنذاك أن طبيعة الحكم العباسي قائم كله على المحسوبية والمنسوبية، وتأثير المصالح الشخصية والوساطات فيه.
فالإمام كان يرى أن بالإمكان الإستفادة من هذا الواقع وتجبيره لصالح الإسلام، والعمل على استبعاد الإضطهاد والظلم عن قواعده أو التخفيف ودفع الأخطار عنها.
الثورات العلوية والدعوة للرضا من آل محمد(ص)
الثورات العلوية كانت هي الأخرى هاجس الحكام ومثار مخاوفهم ولذا وقف العباسيون منها موقفاً صارماً، يحاولون اجهاضهاً قبل أن تستفحل وتشتد عليهم، ويطاردون فلولها لشرذمتها والتخلص منها بكل وسائل القهر والقمع الوحشية.
هذه النظرة الحاقدة - ضد العلويين - لم يختلف فيها الخليفة أو القائد أو الوزير والعامة من الموالي والأتراك الذين زخرت بهم العاصمة العباسية سامراء آنذاك، والطبقة المنتفعة والمتمتعة بكل الإمتيازات الطبقية، وكان جملة منهم قوادا ومتنفذين بيدهم إعلان الحرب والسلم.
والدولة العباسية وقتئذ كانت تعاني تمزقاً وضعفاً من جراء سياستها الظالمة، وكانت تخاف أي بادرة تحرك علوية وتخشى شبحها، ولهذا كانت تقف منها موقفاً قاسياً تتصدى لثائريها بأقصى العقوبات الزاجرة.
كان الثوار العلويون، عندما يتوسمون في أنفسهم القوة والأتباع يرون وجوب التخطيط للثورة والخروج على حكامهم المنحرفين، وكانت أغلب الثورات تدعو إلى شعار - الرضا من آل محمد - ويريدون بهذا الشعار الشخص الذي هو أفضل آل محمد، وليس في اعتقادهم غير الإمام الهادي(ع).
والثوار بشعارهم الفضفاض هذا، يريدون به تكتيكاً بارعاً لإخفاء اسم الإمام(ع) دون أن يضعه - في حال فشل الثورة - موضع التهمة والحرج تجاه السلطات الحاكمة، وهم يعلمون أن الإمام(ع) أمام سمع الدولة وبصرها، ولربما قتلته بعد أن تتهمه بإثارة العصيان والتمرد ضدها.
وقد أكدنا حقيقة مرّ ذكرها في أكثر من مكان: بأن الأئمة تركوا العمل المسلح والإصطدام المباشر لثوار علويين، لتحريك ضمير الأمة وإرادتها وتحصين الأمة ضد الإنحراف، وحاولوا بتضحياتهم المتتالية أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية من الإنهيار، والأئمة(ع) كانوا بدورهم يسندون المخلصين منهم، إما بشكل مباشر أو من خلال تعاليمهم التي كانت تؤثر في نفوس قواعدهم الموالية مما يؤدي بهم إلى إعلان العصيان المسلح على الدولة.
ولأجل الدقة والموضوعية في البحث لا نستطيع القول بأن كل الثوار العلويين، كانوا ثائرين على أساس الوعي الإسلامي في تطبيق أحكام الإسلام وتحت قيادة الإمام المعصوم(ع) وإن كان الاعتقاد أن غرض أكثر الثوار هو ذلك»[١٤].[١٥].[١٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الكامل ج٥ ص٣٠٤.
- ↑ الإرشاد ٣١٣.
- ↑ مروج الذهب للمسعودي ج٤ ص٨٤.
- ↑ التذكرة لابن الجوزي والموسوعة ص٩٣.
- ↑ تاريخ الغيبة ص١٤٢.
- ↑ تاريخ الغيبة ص١٤٩.
- ↑ سورة الشعراء، الآية 227.
- ↑ الإرشاد ص٣١٠ /و الفصول المهمة لابن الصباغ ص٢٩٨.
- ↑ راجع المناقب ص٥١٥.
- ↑ المناقب جزء ٣ ص٥٠٧.
- ↑ الإحتجاج ج٢ ص٢٥١-٢٦٠.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥١٢.
- ↑ الإرشاد ص٣١٣.
- ↑ راجع تاريخ الغيبة للصدر ص٨٠ وراجع مقاتل الطالبيين للوقوف على ثورات العلويين ومقاومتهم للحكام.
- ↑ غيبة الشيخ الطوسي ص٢١٥-٢١٩.
- ↑ عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص ٢٢٦-٢٣٥.