الأمّة في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

«الأُمّة» اسم يطلق على معانٍ متعدّدة، كالجماعة التي تُأمّ وتُقصد لأمرٍ ما، أو تؤلّف بين أفرادها رابطة خاصّة، أو مصلحة مشتركة، أو نظام واحد، كما تشدّ تلك الجماعة روابط أُخرى، كوحدة الدين، والتأريخ، واللغة، والاقتصاد، والعرق كما تطلق الأُمّة على الجيل من الناس، وعلى كلّ شعب من شعوب العالم، وعلى الرجل الجامع لخصال الخير، وعلى أتباع مُصلح يجمعهم الرأي والمعتقد، وعلى الجنس من كلّ ذي حياة، وعلى الحين والمدّة، وعلى السنّة والطريقة، وعلى الدين.

وتطلق في القرآن على أتباع الأنبياء، وعلى القُدْوة، وعلى الملّة، وعلى الطائفة من الزمان... إلى غير ذلك من معانيها التي سنفصّلها بالشواهد القرآنية.

والأُمّة بوزن فُعلة، وهذه الزنة تدلّ على المفعول، مثل قُدْوة ولُقطة.

والأُ مّة بمعنى مأمومة، مشتقّة من الأمّ - بفتح الهمزة - وهو القصد؛ أي يأمّون غاية واحدة، وإنّما تكون الجماعة أُمّة إذا اتفقوا في الموطن، أو الدين، أو اللغة، أو في جميعها، كما تقدّم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً[١]. أي في الإيمان[٢].

وقال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ[٣]. أي كلّ أُمّة متفقة في الدين، فكلّ اُمّة حزب فيما اتفقت عليه، فلم يقتصروا على تكذيب الرسول، بل تجاوزوا ذلك إلى الهمّ بالقتل، والتنكيل، والتعذيب.

وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ[٤].

كما ميّز القرآن أُمّة المسلمين عن غيرها من الأُمم في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[٥]. أي يوم آمنتم بالله ورسوله واليوم الآخر، صرتم خير اُمّة.

كما جاءت لفظة «أُمّة» في القرآن بمعنى جماعة من الناس تربطهم رابطة توحّدهم وتسوّغ أن يطلق عليها اسم الأُمّة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[٦].

وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ[٧]. أي جماعة كثيرة منهم.

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً[٨]. وهم الجماعة الذين اجتمعوا على الإيمان بنبوّة محمّد(ص).

وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ[٩].

وجاءت بمعنى الجنس أو الصنف من كلّ حيّ في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ[١٠]. أي صنف قد مضى.

وكقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً[١١]. أي صنفاً واحداً وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر[١٢].

وبمعنى الرجل الجامع للخير أو بمعنى الرجل القدوة الحسنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا[١٣].

أي إماماً يقتدى الناس به، فسُمّي أمّة؛ لأنّه سبب الاجتماع، أو لأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مثله في أمة[١٤].

وبمعنى الطريقة والشرعة والمنهاج والملّة والدين في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[١٥]. أي وجدنا آباءنا على دين وإنّا على آثارهم مهتدون.

وبمعنى الحين والزمان في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ[١٦]. أي طائفة من الأيّام معلومة، أو قليلة.

وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ[١٧]. أي بعد حين.

من بيانه(ع) لفضل آل محمّد(ص): «لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ(ص) مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً»[١٨]. أي من الأُمّة الإسلامية.

ومن وصفه(ع) للقاضي الجاهل: «وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِعٌ في جُهَّالِ الْأُمَّةِ، عَادٍ في أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ»[١٩]. «الْاُمَّةِ»: الدين.

ومن تحذيره(ع) من الشيطان وجنوده: «فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً، وَرَجِلاً»[٢٠]«وَفُرْسَاناً»»[٢١].

المراد بالأُمّة هنا الجيل من الناس؛ أي أنّ للشيطان في كلّ اُمّة أعواناً وأنصاراً وجنوداً؛ منهم الركبان، منهم المشاة، وكلّهم موكّلون في إضلال الناس، وحرفهم عن سبيل الله تعالى، وعلى هذا يجب ان يكون المسلم مرابطاً باستمرار في دفع كيد الشيطان وكيد جنده من الجنّ والإنس[٢٢].

وقال(ع) في ذمّ العصاة: «أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الْأُمَّةِ - فِيَما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ في ظِلِّهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِها - بِنِعْمَةٍ لَايَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً»[٢٣].

«الْأُمَّة»: اُمّة محمّد(ص)، و«حبل الإلفة»: هو الإسلام الموجب للائتلاف والارتباط بينهم، استعار له الحبل لذلك[٢٤].

وممّا أجاب به(ع) معاوية اللعين: «وَلَمَّا أَدْخَلَ اللهُ الْعَرَبَ في دِينِهِ أَفْوَاجاً، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً، كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ في الدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً، وَإمَّا رَهْبَةً»[٢٥]. هم من أُرسل إليهم ممّن آمن به وكفر.

ومن تحذيره(ع) من خيانة الساعي في مال الصدقة: «وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ (الأمنة) وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّةِ»[٢٦].

«خِيَانَةُ الْأُمَّةِ»: مصدر مضاف إلى المفعول؛ لأنّ الساعي إذا خان فقد خان الاُمة كلّها، وكذلك «غِشُّ الْأَئِمَّةِ» مضاف إلى المفعول أيضاً؛ لأنّ الساعي إذا غشّ في الصدقة فقد غشّ الإمام. وجوّز بعضهم أن يكون مضافاً إلى الفاعل، فالمراد حينئذٍ أنّ إغماض الأئمّة وترك النهي عن مثل تلك الخيانة أفظع الغش[٢٧].

ومن كتابه(ع) إلى بعض عمّاله وقد خان بيت المال: «فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلَا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللهَ تُرِيدُ (أَرَدْتَ) بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ»[٢٨]. أي أُمَّة محمّد(ص).

ومن كتابه(ع) إلى أهل مصر: «وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا»[٢٩]. أي أُمّة محمّد(ص).

ومن وصفه(ع) لحرصه على قيادة الاُمّة: «وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَأُلْفَتِهَا مِنِّي»[٣٠]. أي ليس رجل في أُمّة محمّد(ص) أشدّ حرصاً من الإمام(ع) على وحدة الأُمّة واتفاقها، ولمّ شملها، وجمع كلمتها.

وقال(ع) في علل وحكم بعض الفرائض الإلهية: «فَرَضَ اللهُ الْأِيمَانَ تَطْهِيرَاً مِنَ الشِّرْكِ... وَالْأَمَانةَ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ»[٣١]. أي دستوراً وطريقاً بها يتعاملون، وعليها تسير أمورهم، وعكسها الخيانة، فإنّها تفقد الثقة[٣٢].

ومن نهيه(ع) عن اليأس لأجل شرّ الاُمّة: «وَلَا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنَّهُ لَايَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»[٣٣].

وقال(ع) عند دفنه سيّدة نساء العالمين(س): «يَا رَسُولَ اللهِ - عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي... أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ، وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا»[٣٤]. أي أُمّته في الاسم، لا في الملّة.

ومن وصفه(ع) للنبي(ص): «بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّرَاً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّرَاً»[٣٥]. أي لمن اُرسل إليهم. بين «مُعْذِراً» و«مُنْذِراً» و«مُبَشِّراً» و«مُحَذِّرَاً» سجع متناغ براكبه الطباق بعبارت خبرية تقريرية واضحة.[٣٦]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. سورة هود، الآية ١١٨.
  2. مفردات الراغب، ص٨٦.
  3. سورة غافر، الآية ٥.
  4. سورة الرعد، الآية ٣٠.
  5. سورة آل عمران، الآية ١١٠.
  6. سورة النحل، الآية ٣٦.
  7. سورة القصص، الآية ٢٣.
  8. سورة البقرة، الآية ١٢٨.
  9. سورة المائدة، الآية ٦٦.
  10. سورة الرعد، الآية ٣٠.
  11. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  12. مفردات الراغب، مادّة: (أمّ).
  13. سورة النحل، الآية ١٢٠.
  14. تأويل مشكل القرآن، ص٤٢٥؛ معاني القرآن، الزجاج، ج١، ص٢٨٢.
  15. سورة الزخرف، الآية ٢٣.
  16. سورة هود، الآية ٨.
  17. سورة يوسف، الآية ٤٥.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٧.
  20. وفي رواية «ورَجْلاً». والرَجِلُ اسم جمع للراجِلَ نحو قوله تعالى: «واجْلِبْ عليهم بخَيْلِكَ ورَجِلِكَ» [الإسراء: ٦٤]، وقُرئ «ورَجْلِكَ» على أن (فَعْلاً) بمعنى فاعل يقال رَجْلٌ، أي راجِلٌ.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  22. شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٩٥.
  23. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  24. نهج البراعة، ج١٢، ص٩.
  25. نهج البلاغة، الكتاب ١٧.
  26. نهج البلاغة، الكتاب ٢٦.
  27. شرح النهج، المجلسي، ج٣، ص٦٥.
  28. نهج البلاغة، الكتاب ٤١.
  29. نهج البلاغة، الكتاب ٦٢.
  30. نهج البلاغة، الكتاب ٧٨.
  31. نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٥٢.
  32. شرح نهج البلاغة، المجلسى، ج٣، ص٦٥.
  33. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٧.
  34. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٢.
  35. نهج البلاغة، الخطبه ١٠٩.
  36. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٩٠-٢٩٥.