نقاش:آية الولاية
تبسيط الصفحة
تمهيد
نص الآية الكريمة واضح وصريح في الدلالة على إمامة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وذلك من خلال عدّة أمور: أوّلاً: سبب نزول الآية: فقد روى كثير من المفسرّين والمحدّثين من الفريقين أنّ هذه الآية نزلت في شأن الإمام علي ((ع)) عندما تصدّق بخاتمه على فقير وهو راكع في الصلاة. فالمقصود بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[١]، هو الإمام علي (ع) بعينه. ثانياً: دلالة «إنّما» على الحصر في اللغة العربية: فهي تفيد أنّ الولاية لله سبحانه ورسوله والذين يتصدّقون في حال الركوع فقط، وهو الإمام علي (ع). ثالثاً: معنى كلمة «ولي» في اللغة: وهي تدلّ على معاني عدّة أشهرها: «المدبّر، والناصر، والمحبّ». والمعنى المناسب في الآية هو المدبّر الذي له حق التصرّف وإدارة شؤون الناس؛ لأنّ الحصر في الولاية لا ينسجم مع المعاني الأخرى كالنصرة والمحبّة التي لا تختصّ بجماعة معيّنة. رابعاً: مجيء الولاية لله ورسوله والإمام علي في سياق واحد: بل بلفظ المفرد «وليّكم»، ممّا يدلّ على أنّ ولايتهم من سنخ واحد، فهي لله تعالى بالأصالة، وللرسول (ص) والإمام علي بالتبعية والعرض. وهذا يثبت الولاية المطلقة للإمام علي (ع) على المؤمنين. وبذلك يتّضح أنّ الآية الشريفة نصّ قاطع في إثبات إمامة الإمام علي (ع) وولايته على الأمّة بعد رسول الله (ص)[٢].
ردّ بعض الإشكالات
ذُكرت عدّة اعتراضات على دلالة آية الولاية على إمامة الإمام علي (ع)، وسنذكرها باختصار ونردّ عليها:
- جاءت عبارة «الذين آمنوا» بصيغة الجمع، فلا يمكن أن يُقصد بها شخص واحد وهو علي (ع).والردّ على ذلك: أنّ هناك حكماً عامّاً ذُكر بصيغة الجمع، لكنّه ينطبق على مصداق واحد في الواقع، وهذا أمر جائز في القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾[٣]، مع أنّ القائل شخص واحد هو عبد الله بن أُبيّ. كما أنّ استخدام صيغة الجمع هنا قد يكون للترغيب في الإحسان وعدم تأجيل عمل الخير، أو للاحترام والتفخيم وهو شائع في اللغة العربية.
- إذا كان المقصود هو تصدّق عليّ بالخاتم، فلا يُعدّ ذلك زكاة بالمعنى الفقهي. والجواب أنّ الزكاة في الآية جاءت بمعناها اللغوي وهو مطلق الإنفاق والتصدّق، وليس المعنى الاصطلاحي الذي نشأ بعد تشريع أحكام الزكاة خاصّة.
- التصدق أثناء الصلاة لا ينسجم مع الخشوع وحضور القلب فيها. والردّ أنّ الروايات في شأن نزول الآية كثيرة لا مجال للشكّ فيها، وأنّ الأمور المعنوية لا تنافي الخشوع بخلاف الأمور الدنيوية، كما أنّ الآية مدحت هذا الفعل ولم تقبّحه.
والخلاصة أنّ «الذين آمنوا» صفة عامّة، لكنّها تنطبق على علي (ع) وحده كما ذكر المفسرون. فالولاية لله تعالى ثمّ لرسوله ثم لمن آمن إيماناً كاملاً يجعله بمستوى ولاية الله ورسوله. وقد جمع علي (ع) بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهو راكع، وهذا ما لم يحدث لغيره في قضية واحدة كما نقلته الروايات الصحيحة في سبب نزول الآية.
فولاية الله هي نفسها ولاية الرسول ونفسها ولاية الإمام علي (ع)، الذي تصدّق وهو راكع. فإطاعة الله مرتبطة بإطاعة الرسول (ص) وأولي الأمر، وبالتالي فإنّ أولي الأمر معصومون من الخطأ. الإطاعة والولاية مفهومان مترابطان، فالولي هو الأولى بالتصرّف. والولاية المطلقة هي لله سبحانه وتعالى، والولي الذي يكتسب ولايته من ولاية الله هو الرسول والإمام. لذلك كان الأنبياء أيضاً أئمة؛ لأنّ الولاية شرط أساسي. وترتبط آية الولاية بآية الطاعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[٤] [[[النساء]]: 59]. فالطاعة تعني الانقياد التامّ بدون نقاش، وهو أصل الإيمان ومحضه. وبدون هذه الطاعة المطلقة لا يكون الشخص مؤمناً. والتسليم الخالص هو التعبير الدقيق عن حقيقة الإطاعة والإيمان والإسلام. كما قال الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: «اَلْإِسْلاَمُ هُوَ اَلتَّسْلِيمُ»[٥].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المائدة، الآية 55.
- ↑ انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٤٩٦ - ٤٩٨.
- ↑ سورة المنافقون، الآية 8.
- ↑ سورة النساء، الآية 59.
- ↑ انظر:السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٢٤٨ - ٢٥٠.