تمهيد

«ولاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ»[١].

«الْفِكْرُ مرْآةٌ صَافِيَةٌ»[٢].

وبجلاله يسمو الإنسان، وبفضله يمتاز، أكمل هبة وأكرم منحة وهبها ومنحها الله كرّم بها بني آدم ونفخها من روحه فهي من عالم اللطائف والنفس الرحماني والملأ الأعلى.

«فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ ووُصُولٍ، وأَعْضَاءٍ وفُصُولٍ: أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، ومَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ»[٣].

وكما هو ديدن الإمام وسجيته في استيفائه لما يُعنى بمعالجته فقد بث في متناثر خطبه وقصار كلمه نفائس فكره وذخائر هديه نقف على دقائق تلكم المعارف في مادة الفكر ومشتقاتها.

الله تعالى منزه عن الروية وإجالة الفكر

«المُنْشِىءُ أصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا، وَلاَ قَريحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَلاَ تَجْرِبَة أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ»[٤].

«المُقَدَّرِ لِجَميِعِ الْأُمُورِ بِلاَ رَوِيَّةٍ وَلاَ ضَمِيرٍ»[٥].

«فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ»[٦].

الله تعالى لا تدركه الأفكار

«هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأُهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَاوَلَ الْفِكْرُ المُبَرَأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ في حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُ الصَّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمَ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ، مُعتَرِفَةً بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ الْإِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِ الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِهِ»[٧].

«الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِینَ، الْغَالِبِ لَمِقَالِ الْوَاصِفِینَ، الظَّاهِرِ بَعَجَائِبِ تَدْبِیرِهِ لِلنَّاظِرينَ، الْبَاطِنِ بِجَلاَلِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ المُتَوَهَّمِینَ، الْعَالِمِ بَلاَ اكتساب وَلاَ ازْدِيَاد، وَلاَ عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ»[٨].

«وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ. فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ المَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِیراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالَهِاً، وَفِكْرُهُ حَائِراً»[٩].

«وَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ، فَتَكُونَ في مَهَبَّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً، وَلاَ فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَخْدُوداً مُصَّرَفاً»[١٠].

سليمو التفكير

  1. الملائكة الكرام: «وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرعَ بِرَيْنِهَا عَلى فِكْرِهمْ»[١١]. والجملة من مقطع جليل- وكل خطبه جليلة- في وصف الملائكة وخلقهم وخلائقهم ووظائفهم، وهي عجيبة بديعة، فسبحان من وهبه فيض العلم وأقدره على كشف سره وإبراز مكنونه جوامع الكلم وفصل الخطاب فما أكمل الموهوب وأعظم الواهب.
  2. الأولياء أهل الفكر: «وَمَا بَرِحَ للهِ- عَزَّتْ آلاَؤهُ- فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَة فِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْاَعِ وَالْأَفْئِدَةِ، يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللهِ، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ، مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ، وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانَوا كَذلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُماَتِ، وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ»[١٢].
  3. المؤمن: «بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مشْغولٌ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ، مغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ»[١٣].

مواقع الفكر

  1. الإبداع في الخلق: «انْظُرُوا إلى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إلى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرَّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرَّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا، لاَ يُغْفِلُهَا المَنَّانُ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أُكْلِهَا، وَفِي عُلْوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً! فَتَعَالَی الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ. وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ»[١٤].
  2. هدي النبي(ص): «فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظْ مَنْ غَفْلَتِكَ، وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيَما جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (ص) وسلم مِمَّا لاَبُدَّ مِنْهُ وَلاَ مَحِيصَ عَنْهُ، وَخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذلِكَ إلى غَیْرِهِ، وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ»[١٥].

نتائج الفكر وآثاره

  1. الاستقامة والسلامة: «وَلَوْ فَكَّروا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إلى الطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلكِنَّ الْقُلُوبَ عَلِيلَةٌ، وَالْأَبْصَارَ مَدْخُولَةٌ!»[١٦].
  2. عبرة التاريخ:
    1. «أَيْ بُنَيَّ، إِنِّ وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمَّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنَّي بِماَ انْتَهَى إِلَیَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمَّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْر نَخِيلَهُ، تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ»[١٧].
    2. «واحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ المَثُلاَتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ، فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَیْرِ وَالشَّرَّ أَحْوَالَهُمْ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ. فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ حَالَهُمْ، وَزَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَانْقَادَتِ النَّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الْإِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا. وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِي. وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ المَاضِینَ مِنَ المُؤمِنِینَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمحِيصِ وَالْبَلاَءِ»[١٨].
    3. «وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللهِ، وَالْإِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ، وَالْأخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إلى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا، والْإِمْسَاك عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا»[١٩].
    4. «فَإنَّ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأْيُكَ وَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً، فَانْظُرْ فِيَما فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّاَ تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ، وَتَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ، وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَّطَ، والْإِمْسَاكُ عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ»[٢٠].
  3. الجنة ونعيمها: «فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصطفاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ المِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوعِ تِلْكَ الِّثمارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَیْرِ تَكَلُّفٍ فَتأْتي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ المُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ المُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمادَى بهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ، وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ. فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إلى مَا يَهْجُمُ عَلَيكَ مِنْ تِلْكَ المَنَاظِرِ المُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسيِ هذَا إلى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا. جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إلى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ»[٢١].

فصل من خطبة غراء حفلت ببيان صفات المتقین والفاسقين وموقع عترة النبي وكمالهم وأنهم الحجج على الخلق وشطر من خلاله وخصاله ودوره في هداية الأمة بعلمه وخلقه- صلى الله على كمالاته.

وأعيد هنا ما قلته عن حديثه (ع) عن الملائكة وتلكم إنباءات غيب خُصّ بها فما أجل مواهبه التي لا تحصى.

«مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ»[٢٢].

«رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ»[٢٣].

«فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ»[٢٤].

«فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ»[٢٥].

دين الله لا يصاب بالعقول

«فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيَما لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ»[٢٦].

ولات ساعة فكر

«اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَیَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَیْنَ أَحَدِهِمْ وَبَیْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَیْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا»[٢٧].[٢٨]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة

الهوامش

  1. خطبة ١١٣/ ٤٨٨.
  2. خطبة ٥/ ٤٦٩ وم٣٦٥/ ٥٣٨.
  3. خطبة ١/ ٤٢.
  4. خطبة ٩١/ ١٢٧.
  5. خطبة ٢١٣/ ٢٣٠.
  6. خطبة ١٨٦/ ٢٧٢.
  7. خطبة ٩١/ ١٢٥- ١٢٦.
  8. خطبة ٢١٣/ ٢٢٩.
  9. خطبة ١٦٠/ ٢٢٥.
  10. خطبة ٩١/ ١٢٧.
  11. خطبة ٩١/ ١٢٩.
  12. خطبة ٢٢٢/ ٣٤٢.
  13. خطبة ٣٣٣/ ٥٣٣.
  14. خطبة ١٨٥/ ٢٧٠- ٢٧١.
  15. خطبة ١٥٣/ ٢١٤.
  16. خطبة ١٨٥/ ٢٧٠.
  17. خطبة ٣١/ ٣٩٣- ٣٩٤.
  18. خطبة ١٩٢/ ٢٩٦.
  19. خطبة ٣١/ ٣٩٤- ٣٩٥.
  20. خطبة ٣١/ ٣٩٥.
  21. خطبة ١٦٥/ ٢٣٩.
  22. خطبة ٣١/ ٤٠٢.
  23. خطبة ١٠٣/ ١٤٩.
  24. خطبة ١٥٣/ ٢١٣.
  25. خطبة ٨٣/ ١١١.
  26. خطبة ٨٧/ ١٢٠.
  27. خطبة ١٠٩/ ١٦٠.
  28. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٣١٨.