آية المحسنين في القرآن
آية المحسنين
[سورة الزمر (39): الآيات 32 الى 34]
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾[١]
تمهيد
تحدّثت هذه الآيات من سورة الزمر عن طائفتين من الناس: الاولى أظلم الناس والثانية أصدق الناس، ثمّ استعرضت عقوبات الظالمين ومثوبات الصادقين، والموضوع المهم الذي يجب دراسته والتأمل فيه في هذه الآيات هو: من هو أصدق الناس والذي عبّرت عنه الآية الشريفة بالمحسن؟[٢]
الشرح والتفسير
أظلم الناس!
- ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾[٣] فهنا نرى نحوين من الكذب:
- الكذب على الله.
- الكذب على رسول الله، ولا شكّ أن جميع أنواع الكذب يُعتبر رذيلة أخلاقية ومن الذنوب الكبيرة ولكن من الواضح أن الكذب على الله وعلى رسوله أقبح وأخطر أنواع الكذب وقد تترتب عليه إفرازات رهيبة ومعطيات مشئومة.
سؤال: ما هو الكذب الذي كان المشركون ينسبونه إلى الله ورسوله (ص)؟
الجواب: إنّ بعض أشكال الكذب للمشركين هو:
- إنهم كانوا يرون أن الملائكة بنات الله.
- كان البعض منهم يعتقدون بأن الله تعالى راض عن عبادة الأوثان ويرون أن الأوثان واسطة بينهم وبين الله تعالى لتشفع لهم عنده.
- بعض المشركين كانوا يعتقدون بأن للَّه تعالى ولداً ويذهبون إلى أن المسيح ابن الله.
- أحياناً يحرّمون بعض الأشياء ويحللون اخرى وينسبون ذلك إلى الله تعالى كذباً وزوراً.
هذه الامور وأمثالها من الأكاذيب كانوا ينسبونها إلى الله عزّ وجلّ، وبما أنها تتزامن مع عدم التصديق بالرسالات الإلهية والأنبياء الإلهيين والتحرّك في حياتهم الدنيوية على مستوى التصدّي للدعوة السماوية ومحاربة أهل الحقّ الذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر فإنّ عملهم هذا يفضي في النهاية إلى تكذيب الأنبياء وإنكار دعوتهم الإلهية، ولذلك كان هؤلاء الأفراد هم أظلم الناس ليس لأنفسهم فحسب بل ظلم لجميع الناس ولجميع الرسالات السماوية والكتب الإلهية.
أمّا ظلمهم لأنفسهم لأنهم أوصدوا أبواب السعادة والفلاح على أنفسهم بتكذيبهم هذا وسلكوا بأقدامهم في خطّ الضلالة والانحراف والباطل متجهين إلى جهنم.
وأما ظلمهم للناس فذلك لأنهم عملوا على إضلالهم وقادوهم نحو وادي الشقاء والضلالة، فحالهم حال أهل البدع الذين قد تستمر بدعتهم وآثار عملهم القبيح آلاف السنين وأحياناً إلى يوم القيامة بحيث إنهم لا يستطيعون جبران ما صدر منهم وإصلاح الخلل حتّى في صورة الندم.
أما ظلمهم للآيات الإلهية والرسالات السماوية فكما ورد في الآية الشريفة 103 من سورة الأعراف حيث يقول الله تعالى:
- ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[٤].
وطبقاً لصريح هذه الآية الشريفة فإنّ عدم قبول الآيات الإلهية وإنكار الكتب السماوية ومعجزات الأنبياء يعدّ نوعاً من الظلم لهذه الآيات الإلهية لأنّ الإنسان عند ما يتحرك لمنع الشيء القابل لهداية الناس من التأثير والفاعلية، ففي الحقيقة إنه يرتكب ظلماً بحقّه، مضافاً إلى أنه ظلم الناس حقّهم في الاستفادة منه، وعليه فإنّ الأشخاص الذين يعملون على تشويه سمعة الإسلام أو يقومون بالإساءة إلى الإسلام من خلال أعمالهم القبيحة أو يتحركون على مستوى تفسير وتأويل قوانين الإسلام حسب رأيهم وأفكارهم فكلُّ ذلك من أشكال الظلم للإسلام.
و الخلاصة هي أن أظلم الناس هو الشخص الذي يكذب على الله وعلى رسوله، وعقوبة مثل هذا الشخص شديدة جدّاً كما وردت في الآية الشريفة:
- ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾[٥]
فإنّ مصير مثل هذا الإنسان الظالم الذي ظلم نفسه ومجتمعه والآيات الإلهية هو جهنم، فهي مثوى للكافرين، فهنا نرى أن الآية الشريفة لا تصرّح ببيان عاقبة أظلم الناس بل طرحت المسألة على شكل سؤال واستفهام، وهذا بنفسه تعبير دقيق ويحتاج إلى التأمل حيث إنّ مثل هذا المصير ومثل هذه العقوبة لهؤلاء الأشخاص تكون متوقعة لدى جميع الناس.
- ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾[٦].
أما الطائفة الثانية فتقع في النقطة المقابلة للطائفة الاولى فهم الذين يصدّقون بمن جاء بالنبوّة الصادقة ويصدّقون كذلك برسالتهم فهؤلاء هم المتّقون، فرغم أن الآية الشريفة لا تذكر مفردة «أتقى» ولكننا يمكننا أن نفهم بدليلين أن هاتين الفئتين هم أتقى الناس: أحدهما بقرينة المقابلة مع الطائفة السابقة وهم أظلم الناس، أي أن الآية عند ما تجعلهم في مقابل المكذّبين للَّه ورسوله وفي مقابل أظلم الناس فإنّ هؤلاء المصدّقين بالله ورسوله هم أتقى الناس حتماً، والآخر إنّ جملة «هم المتقون» تدلُّ على الحصر، وتعني أن هؤلاء هم أهل التقوى فقط وهم المتقون الحقيقيون، وعلى هذا الأساس فإنّ المثوبات المقررة لهؤلاء المتقين في القرآن الكريم تختص بهؤلاء الأشخاص الذين أشارت إليهم هذه الآية الشريفة مضافاً إلى ما يناله المتقون في الجنّة من النعم والمواهب العامّة التي ينالها جميع المؤمنين من أهل الجنّة فإنّهم يختصون بمواهب خاصّة ورد ذكرها في الآية التي بعدها:
- ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾[٧].
وهكذا نرى أن درجات ومقامات هؤلاء المتقين في الآخرة إلى درجة من العظمة والسمو بحيث إنهم ينالون من المواهب ما لا يعدُّ ولا يحصى فكلُّ ما يريدون ويطلبون فإنهم سيحصلون عليه، وهذه النعمة لا يمكن أن يتصور فوقها شيء.[٨]
من هو «الذي جاء بالصدق» ومن «صدّق به»؟
سؤال: ما هو المراد من جملة «الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ» وجملة «الَّذِي صَدَّقَ بِهِ»؟
الجواب: إنّ المراد من الجملة الاولى هو النبي الأكرم (ص)، والمراد من الجملة الثانية هو الإمام علي (ع)، رغم أن الجملة الثانية تشمل جميع المؤمنين برسالة النبي (ص) الذين آمنوا وصدّقوا برسالته ولكن بلا شكّ أن عليّ بن أبي طالب (ع) هو المصداق الأكمل والأتم لهذه العبارة.
وقد ورد هذا المعنى في الكثير من كتب الشيعة وأهل السنّة، ونكتفي بالإشارة إلى بعض منها:
- نقل «ابن المغازلي» وهو من أساطين علماء أهل السنّة في كتابه المعروف ب «المناقب» عن المفسّر المعروف «المجاهد» قوله: فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾[٩]؛ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِي ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾[١٠] عَلِيٌ [١١].
- و نقل «ابن عساكر» هذه الرواية أيضاً [١٢].
- و كذلك العلّامة «الگنجي» في «كفاية الطالب» نقل هذه الرواية من بعض العلماء [١٣].
- و صرّح «القرطبي» بهذا المطلب في تفسيره [١٤].
- و اختار «أبو حيّان الأندلسي» هذا التفسير أيضاً [١٥].
- و ذهب «السيوطي» في تفسيره «الدرّ المنثور» إلى هذا الرأي [١٦].
- و ذهب «الترمذي» صاحب كتاب «المناقب المرتضوية» إلى هذا الرأي أيضاً [١٧].
- «الآلوسي» ذهب في تفسيره «روح المعاني» إلى اختيار هذا التفسير من بين جملة علماء أهل السنّة [١٨].[١٩]
الفخر الرازي المخالف الوحيد
فعلى رغم كلّ هؤلاء المفسّرين والرواة الذين فسّروا الآية الشريفة مورد البحث بالنبي (ص) والإمام علي (ع) فإنّ الفخر الرازي رفع لواء المعارضة والمخالفة وزعم: «أن المراد من الجملة الثانية هو أبو بكر لأنه هو الملقّب بالصدّيق».
وأجابه القاضي نور الله التستري بجواب قاطع وقال: «لم يرد هذا المطلب الذي ذكره الفخر الرازي في أي كتاب قبله، ونعلم أن الفخر الرازي لم يكن من أصحاب النبي، إذن فكلامه في تفسير هذه الآية لا يقوم على أساس متين».
وعليه فإنّ بطلان هذا الرأي لا يحتاج إلى زيادة بيان وتوضيح [٢٠].[٢١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الزمر، الآية 32-34.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص271.
- ↑ سورة الزمر، الآية 32.
- ↑ سورة الأعراف، الآية 103.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية 68.
- ↑ سورة الزمر، الآية 33.
- ↑ سورة الزمر، الآية 34.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص271-274.
- ↑ سورة الزمر، الآية 33.
- ↑ سورة الزمر، الآية 33.
- ↑ المناقب: نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 177.
- ↑ احقاق الحقّ: ج 3، ص 177.
- ↑ كفاية الطالب: ص 109 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3 ص 177.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن: ج 15، ص 256 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3 ص 178.
- ↑ البحر المحيط: ج 7، ص 428 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 178.
- ↑ الدرّ المنثور: ج 5، ص 328 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 178.
- ↑ المناقب المرتضوية: ص 51 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 178.
- ↑ روح المعاني: ج 30، ص 3 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 178.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص74-275.
- ↑ مضافاً إلى وجود العديد من الروايات في مصادر أهل السنّة والشيعة تخصّ الإمام علي بصفة «الصدّيق» و«الفاروق» كما ورد عن رسول الله (ص) قوله «لكلّ امّة صدّيق وفاروق، وصدّيق هذه الامّة وفاروقها عليّ بن أبي طالب» وقد وردت هذه الروايات في بحار الأنوار: ج 38، ص 112- 212- 213- 216- وفي أجزاء اخرى منه، وورد مضمون الرواية المذكورة آنفاً في العشرات من كتب أهل السنّة (انظر الغدير: ج 2، ص 313 فصاعداً).
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص275.