الأجر في نهج البلاغة
التعريف
الأجر: عِوَض العمل والجزاء عليه، والانتفاع، والثواب[١]، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[٢].
والمكافأة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾[٣].
والذكر الحسن في الدنيا، والمال، والولد وغيره، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾[٤].
يقال: هو لسان الصِّدق، وقيل: هو أنّ الأنبياء من نسله، وقيل: أُرِيَ مكانه في الجنّة.
ويقال: أَجَر فلاناً على كذا: أكراهُ وأعطاهُ أجراً، وأَجَرْتُ فلاناً عن عمل كذا: أثَبْتُهُ عليه، والله تعالى يأجر العبد: أي يثيبه، والعبد مأجور، وهم مأجورون.
والأجر الكريم: الجنّة، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾[٥].
والأجر: الحقّ، وسمّيت مهور النساء أُجوراً تجوّزاً: كما في قوله تعالى: ﴿ِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾[٦].
أي تجعلها أجري على التزويج، يريد المكافأة، أو المهر[٧]، وقال الفرّاء: يقول أن تجعل ثوابي أن ترعى عليّ غنمي ثماني حِجَج[٨].
وكقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[٩].
أي مُهُورَهُنَّ. وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[١٠].
أي نفقتهنّ؛ وهو أُجرة المثل[١١].
وفي الحديث عن النبي(ص): «أعْطُوا الأجيرَ أُجْرَتَهُ قبل أن يجفَّ عَرَقُهُ»[١٢]. وفي الحديث أيضاً عن الرسول الاكرم(ص): «من استأجَرَ أجيراً فليُعْلِمْهُ ب أجْرِهِ»[١٣].
من حديثه(ع) عن ثواب شيعته: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ - وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ، وَحَقِّ رَسُولِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ - مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ»[١٤]. أي ثوابه.
ومن حكمه(ع) البليغة: «شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ، وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ، وَيَبْقَى أَجْرُهُ»[١٥].
مؤونته: صعوبته وأجره: ثوابه. قارن بين العمل الأول الدنيوي وما يتبعه من الشقاء الأخروي، والثاني عمل الآخرة وبها الحياة الأبدية.
وممّا كتبه(ع) لزياد: «أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ؟!»[١٦]. أي ثواب المتواضعين.
وقال(ع) في بعض أسباب تأخير الإجابة: «يا بنيّ: وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ»[١٧]. أي لإثابة السائل.
ومن وصاياه(ع) للحسن والحسين(ع): «وَقُولَا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً»[١٨]. أي اعملا للثواب في الآخرة، لا لشيء من عَرَض الدنيا.
وفي «خَصْمَاً» و«عَوْنَاً» فنّ الطباق؛ وهو اُسلوب يفيد المعنى من نقيضه، فيدلّ على قوّة في الدلالة وإظهار الحدّ الفاصل بين الظالم والمظلوم.
وممّا كتبه(ع) للأشتر النَخَعي: «وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْء مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا»[١٩].
«الأجْر»: الثواب.
ومن كلام له(ع) لبعض أصحابه في علّة اعتلّها: «فَإِنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ، وَلكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ»[٢٠].
قال السيد الرضي: وأقول: صدق(ع) إنّ المرض لا أجر فيه... لأنّ العِوَض يُستحقّ على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الآلام، والأمراض، وما يجري مجرى ذلك، والأجر والثواب يُستحقّان على ما كان في مقابلة فعل العبد، فبينهما فرق قد بيّنه(ع) كما يقتضيه علمه الثاقب، ورأيه الصائب. وقال(ع) في سبب الأجر: «وَإِنَّمَا الْأَجْرُ في الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ»[٢١].
أي يكون الثواب على العمل المتجسّد باللسان ذكراً وتسبيحاً، والعمل باليد والقدم في العبادات والجهاد وإعانة الفقراء وشدّ أزرهم ومساعدتهم.
ومن كتابه(ع) لقثم بن العبّاس عامله على مكّة: «وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً»[٢٢].
والمراد به هنا المبلغ المدفوع مقابل أُجرة الدار.
وقال(ع) يذكر خلّص أصحابه الذين استشهدوا بين يديه: «مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ - وَهُمْ بِصِفِّينَ - أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؛ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ؟! قَدْ - وَاللهِ - لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ»[٢٣]. أي ثوابهم.
وقال(ع) في حديث يعزّي فيه الأشعث عن فقد ابن له: «إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ وإنْ جَزعْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدَرُ وأنْتَ مأزورٌ»[٢٤].
أي وأنت مُثاب، فحكم الله سينفذ شئت أم أبيت، فإن رضيت بقضائه وحكمه وصبرت على بلائه، كان لك الأجر والثواب، وإن جزعت جرى عليك القدر المحتوم المكتوب عليك وأنت مأثوم مأزور.
وبين «مَأجُور» و«مَأْزُور» سجع متوازٍ وطباق تتجلّى من خلالهما الدعوة والترغيب في الصبر على المصيبة والتنفير عن الجزع.
وممّا كتبه(ع) لعامل البصرة يحثّه على الإحسان لبني تميم: «وَإنّ لَهُمْ بِنَا رَحِمَاً مَاسَّةً، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا»[٢٥].
أي مثابون. والمقابلة بين «مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا» و«مَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا» وتحقّق الموازنة إيقاعاً أساسه التناظر الموسىقي في هذه المواضع؛ لتضفي على الكلام روعةً وبهاءً. ومن خلال الطباق بين «الأجْر» و«الوِزْر» وبين «الصِلَة» و«القَطِيعَة» أكّد رغبته في مواصلتهم ومداراتهم؛ لكون صلة الرحم مستلزمة للأجر في الآخرة، وتركها مستلزماً للوزر.[٢٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ اللسان والمفردات، مادّة: (أ جر)؛ المعجم الكبير، ج١، ص١٠٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١١٣.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٢٧.
- ↑ سورة يس، الآية ١١.
- ↑ سورة القصص، الآية ٢٧.
- ↑ أساس البلاغة، مادّة: (أ جر).
- ↑ ينظر معاني القرآن، ج٢، ص٣٠٥؛ التهذيب للأزهري، مادّة: (أجر).
- ↑ سورة النساء، الآية ٢٤.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٦.
- ↑ مجمع البيان، ج٥، ص٣٠٩؛ الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٨.
- ↑ شمس العلوم، نشوان الحميري، ج١، ص٨٦؛ والحديث بلفظه عند ابن ماجه في الرهون، باب: أجر الأجراء رقم ٢٤٤٣، وأصله في البخاري.
- ↑ رواه البيهقي في سننه الكبرى، ج٦، ص١٢٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٢.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٦٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٨.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٧٥-٧٩.