الأسر في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

الأسر

الأسْر: الحبس، ووقوع العدو المحارب حيّاً في يد عدوّه أثناء القتال، وشدّة الخَلق، يقال: شدّ الله تعالى أسْرَهُ؛ أي قَوّى إحكام خَلْقِهِ[١]، وفرسٌ شديد الأسر: إذا كان معصوب الخَلْق غير مستَرْخٍ. والأسْرُ: القوّة، مشتقّ من الإساربالكسر؛ وهو القِدُّ الذي تشدّ به الأقتاب، يقال: أَسرت القَتَب أسْراً: شددته وربطته، ومنه الأسير؛ لأنّه يُكْتف ويستوثق منه بالإسار[٢]، وقولهم خُذهُ بأسْره؛ أي بشَدّه قبل أن يحلّ، ثمّ كثر حتّى صار بمعنى خذ جميعه، نحو: هذا الشيء لك بأسْرِه؛ أي كلُّهُ، وجاء القوم بأسرهم: جميعهم. قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ[٣].

أي قوّينا وأحكمنا خَلْقَهم بإعطائهم جميع القُوَى، ومنها رَبْط مفاصِلهم بعضها ببعض بالعروق والأعصاب والعضلات، والمراد الامتنان عليهم بأن الله تعالى سوّى خلقهم وأحكمه، ثمّ كفروا به.

من ذمّه(ع) للأشعث بن قيس: «وَاللهِ، لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً، وَالْإِسْلامُ أُخْرى، فما فَداكَ مِنْ واحِدَةٍ مِنْهُما مَالُكَ، وَلَا حَسَبُكَ»[٤].

أي جعلك كالأسير خاضعاً له. ونسبة الأسر إلى الكفر والإسلام مجازية عقلية من باب الحذف؛ فإنّ الآسِر هم أهل الكفر وأهل الإسلام، وهي كناية عن الضعف والجبن والنفاق. وكذلك نسبة الفداء إلى المال والحسب نسبة مجازية عقلية، وإنّما خصّهما بالذكر للتأكيد والمبالغة وليكون كناية عن البخل.

ومن نفيه(ع) لكون معاوية وأتباعه من المهاجرين والأنصار: «وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي في المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ»[٥].

أي يوم فتح مكّة حينما اُخذ أخوك يزيد بن أبي سفيان أسيراً.

ومن وصفه(ع) للملائكة: «وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ، فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ»[٦]. أي لم تستهوهم وتستولِ عليهم.

وممّا قاله(ع) لشريح القاضي عندما اشترى داراً بثمانين ديناراً: «إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ» شَهِدَ عَلَى ذلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى»[٧]. أي من قيده وشراكه.[٨]

الأسير

الأسير: من يُؤسر في حرب أو معركة، أو المربوط بالإسار، وهو القِدّ؛ أي الحبل وغيره، وجمع الأسير: أُسَراء، وأُسارى، وأَسْرى، وأصل المأسور. من قبض عليه وقيّدَ وسُجِنَ، ثمّ قيل لكل مأخوذ وإن لم يكن مقيّداً، كأنّ الأسر قيدٌ له، نحو قولنا: أسير التقاليد؛ أي مُكبّل بقيودها، وأسير الشهوة؛ أي مستسلم لها، ومنطق أو جمال آسر؛ أي خالب للّبّ أخّاذ.

وعلى المعنى الأوّل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ[٩].

من حثّه(ع) على إنفاق المال في المعروف: «فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ، وَلْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَانِيَ»[١٠].

ومن وصيّته للإمام الحسن(ع): «مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ، الْمُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى، وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً، إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَايُدْرَكُ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا، وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ»[١١].

أي المستسلم للموت المكبّل بقيوده. استعار(ع) له لفظ «الأسير» باعتبار انقياده للموت وعدم تمكّنه من الخلاص، وهذه استعارة جاءت بعد عدّة استعارات متلاحقة: «غَرَضِ الْأَسْقَامِ» «رَهِينَةِ الْأَيَّامِ» «رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ» «عَبْدِ الدُّنْيَا» «تَاجِرِ الْغُرُورِ» «غَرِيمِ الْمَنَايَا» لتضفي على النصّ قوة في الدلالة على الوصية والموعظة.

ومن جوامع حكمه(ع): «وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ!»[١٢].

أي مستلم وخاضع. وفيه مقابلة بين «عَقْلٍ، أسِيرٍ» و«هَوَى، أَمِيرٍ» وجناس غير تامّ بين «أَسِيرٍ» و«أَمِيرٍ» لأنّ التغيير وقع في وسط الكلمة، ف‍ ‍المقابلة طباق بين صورتين تعبّر بإيقاعها عن قوّة ودقّة ووضوح وتأكيد لها.

ومن إخباره(ع) عن حال الإسلام قبله: «فَإِنَّ هذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً في أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا»[١٣].

ومن وصفه(ع) للماء قبل دحوّ الأرض: «فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً، وَفي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً»[١٤].

أي سكن اضطراب أمواجه وهيجانه، كما تكبح الحَكَمَة - أي اللجام - جماح الدابّة الهائجة، فتعود مذلّلة منقادة لصاحبها. وبين «مَقْهُوراً» و«أَسِيرَاً» سجع مطرّف، وفيه استعارات دقيقة روعي فيها اختيار الوجه المناسب للاستعارة.

ومن حديثه(ع) عن حال العاصين يوم القيامة: «وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ، وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، في عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ، في نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ، وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ، لَايَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلَا يُفَادَى أَسِيرُهَا»[١٥].

أي لا يقبل إعطاء الفدية عن الأسير في تلك النار حتّى ينجو، كما يفادى الأسير في الدنيا[١٦]. والمحسّنات البديعية واضحة، مثل الجناس في «القَطِرَانِ» «النِّيرَانِ» والسجع في «كَلَبٌ» «لَجَبٌ» وكأنّ الصور التي يعرضها قائمة أمامنا: «غَلَّ الأَيْدي، وَقَرَنَ النَّواصيَ و...» إضافة إلى الصور البيانية، ك‍الاستعارة في لفظ «الأسد» و«الفدية» و«السرابيل». والكناية عن خلود الكفّار في النار: «لا يظعن مقيمها».

ومن وصفه(ع) للرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله سبحانه: «يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ»[١٧].

أي أنّهم أسرى لعظمته تعالى، فقد أسرتهم العظمة، فيتبعونه تعالى اتباع الأسير لمن أسره[١٨].

والمزاوجة بين الجملتين: «رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ» أوحت بالجلال والخشوع لهؤلاء الذاكرين، وزاد استعارة لفظ «الرهائن» و«الاُسَارى» دقّة في الدلالة على كونهم في محلّ الحاجة إلى فضله، ولا ملجأ لهم دونه، كالرهائن في يد المسترهن، وكذلك كونهم في مقام الذلّة بحسب عظمته تعالى، كالأسير بالنظر إلى عظمة مَنْ أسَرَهُ.

ومن حديثه(ع) عن صفة الملائكة: «فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيَغٌ، وَلَا عُدُولٌ، وَلَا وَنًى، وَلَا فُتُورٌ»[١٩].

أي بلغ إيمانهم بالله سبحانه حدّاً لا يتسنّى منهم الزيغ وغيره، كما لا يتمكّن الأسير من التحرّر من أسره.

ومن بليغ حكمه(ع): «يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ أَقْصِرُوا»[٢٠].

استعار لفظ «الاسرى» لمن استسلم لرغبته في الدنيا؛ وانقاد لنزواته.

فكان ندائها أكثر وقعاً وتأثيراً على المنادى.

ومن إخباره(ع) بغزو الأتراك أو المغول: «وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ؛ حَتَّى يَمْشِيَ الَْمجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ»[٢١]. أي يكون الفارّ أقلّ من الذي يقع في الأسر.[٢٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. أساس البلاغة، مادّة: (أسر).
  2. المجمل، ج١، ص٩٧؛ المفردات، ص٧٦؛ التهذيب، مادّة: (أسر).
  3. سورة الإنسان، الآية ٢٨.
  4. نهج البلاغة، الخطبة ١٩.
  5. نهج البلاغة، الكتاب ٦٤.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  7. نهج البلاغة، الكتاب ٣.
  8. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٨٣-١٨٤.
  9. سورة البقرة، الآية ٨٥.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٢.
  11. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  12. نهج البلاغة، قصار الحكم ٢١١.
  13. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
  16. توضيح نهج البلاغة، ج٢، ص١٩٠.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٢.
  18. الدرّة النجفية، ص٢٥٣.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  20. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٥٩.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٨.
  22. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٨٤-١٨٧.