البخل في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التمهيد

«البُخل»: ضِدُّ الجُودِ والكرم والسخاء والعطاء، والبُخل: الضَنُّ والإمساك عن البذل، والشُّحّ بالمال وغيره، ومنع الحق الواجب عليه، يقال: بَخِلَ بكذا - كفَرِح - بُخلاً وبُخُلاً: ضَنَّ بما عندَهُ، وأمسك عن البذل، أو منع فضله وكرمه، فهو باخلٌ، وبَخَلٌ، والقياس بَخِلٌ[١].

وبَخُل يَبخُل - كَكَرُمَ - بُخُلاً أو بَخلاً أو بُخُولاً: صار ضنيناً يمسك يده عن البذل، فهو بخيل، والجمع: بخلاء، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى[٢] وقال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[٣] .

من مواعظه(ع) البليغة: «يَا جَابِرُ قِوَامُ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ [يَسْتَعْمِلُ‏] مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَ جَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ جَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَ فَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ‏ الْعَالِمُ‏ عِلْمَهُ‏ اسْتَنْكَفَ‏ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ إِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ»[٤].

«جَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ»: لأنه ذو خلق أصيل ونبيل مبعثه الإحساس والدافع الذاتي للقيام بواجبه تجاه الآخرين؛ لما يحمله من شهامة ونجدة وأريحية.

«إِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ»: أمسك يده عن البذل، ولم يجد بما عنده، فيجبر الفقير على اللجوء إلى الطرق الملتوية في سد رمق العيش، مما يستوجب غضب الله عليه وسخطه.

ومن مواعظه(ع) في الاستعداد لليوم الآخر: «فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي‏ الصِّحَّةِ قَبْلَ‏ السُّقْمِ‏ وَ فِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَ اسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا»[٥].

أي جودوا بأجسادكم على أنفسكم، وهو أسمى غاية الجود؛ لأنه سخاء بأغلى ما يملكه في سبيل الله تعالى.

وقال(ع) في عهده لـ مالك الأشتر: «وَ لَا تُدْخِلَنَّ‏ فِي‏ مَشُورَتِكَ‏ بَخِيلاً يَعْدِلُ‏ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ وَ لَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَ لَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ»[٦].

«بَخِيلاً يَعْدِلُ‏ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ»: يكون مانعاً لسخائك، وكرمك، وتفضلك.

ومن وصفه(ع) لبعض مساوئ الأخلاق: «الْبُخْلُ عَارٌ وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ‏ الْفَطِنَ‏ عَنْ‏ حُجَّتِهِ»[٧].

«الْبُخْلُ عَارٌ»: لأنه صفة ذميمة تحط من قدر صاحبها، وتجعله ممقوتا من أقرب الناس إليه؛ لأن البخيل أناني بطبعه، لا يحب الخير إلا لنفسه، ضعيف الثقة بالله، يخاف الفقر إن أنفق حتى على نفسه.

ومن وصفه(ع) لصفات النساء التي يجب أن يتجنبها الرجال: «خِيَارُ خِصَالِ‏ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ‏ الرِّجَالِ الزَّهْوُ وَ الْجُبْنُ وَ الْبُخْلُ»[٨].

البخل المستحسن عند النساء هو حفظ مال الزوج من الإسراف في الإنفاق فيه.

ومن تحذيره(ع) عن البخل: «الْبُخْلُ‏ جَامِعٌ‏ لِمَسَاوِي‏ الْعُيُوبِ‏ وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ»[٩].

لأنه يؤدي إلى منع الحقوق الواجبة، كالزكاة، والخمس، والحج، وهكذا.

ومن حديثه(ع) عن علم الغيب: «فَيَعْلَمُ‏ اللَّهُ‏ سُبْحَانَهُ‏ مَا فِي‏ الْأَرْحَامِ‏ مِنْ‏ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ قَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَ سَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ»[١٠].

أراد الإمام(ع) أن يشبه معنى من معاني علم الله الأزلي بما هو محسوس لدينا وما يتبادر في ذهننا على السواء في هذه الحياة التي تمثل سمة من سمات الكون والخلق المتكامل، فليس من مظاهر الكون شيء إلا وله ما يخالفه؛ فما من شيء عال إلا ويقابله شيء واطئ، وليس هناك جانب صغير إلا ويقفز في الذهن شيء كبير، وهكذا، فجاءت براعة تشبيه الإمام(ع) بهذه المتضادات؛ لتوفير الإيحاء لها، وجعلها تشع بالأجواء النفسية وما ينبع من تفاعل هذه الكلمات وترابطها وحسن تنسيقها من خلال الجمع بين الأضداد الحسية والمعنوية التي تخلق صورا ذهنية ونفسية متعاكسة تترك آثارها بأسلوبها المتوازن المقارن، كما بنى الإمام(ع) النص بما يلائم مستوى قدسية الله تعالى وقدرته وعلمه المتناهي بعظمة خلقه.

وقال(ع) في ذم بخل الولاة: «لَا يَنْبَغِي‏ أَنْ‏ يَكُونَ‏ الْوَالِي‏ عَلَى‏ الْفُرُوجِ‏ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ‏»[١١]

فهو لبخله شره إلى جمع الأموال، وحريص على سلب أموال الآخرين وضمها إليه وجمعها، ومنعها عن أهلها، وهذا يستلزم نفورهم منه، وبعدهم عنه.

ومن نصائحه(ع) البليغة في اكتساب الفضائل النفسية والخلقية: «يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي‏ أَرْبَعاً وَ أَرْبَعاً لَا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ وَ أَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ وَ أَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ‏ وَ أَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ»[١٢].

فيه حسن للتقسيم بتوازنه المزدوج؛ استحضارا للعبر، واستخلاصا للحقائق التي أراد لها الثبات والدوام من خلال أفعل التفضيل، ثم أعقبه فن الطباق بين «الضر» و«النفع» وبين «المنع» و«التيسير» المتغايرين في القوة والأثر.

وقال(ع) في بيان عاقبة البخل وآثاره السلبية: «عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ وَ يَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ فَيَعِيشُ‏ فِي‏ الدُّنْيَا عَيْشَ‏ الْفُقَرَاءِ وَ يُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ»[١٣].

أي يبخل على نفسه ويحرمها من نعم الله عليه، فيظلم نفسه، فهو محروم ومظلوم، وهو ظالم أيضا، ولذا لن يفلت من غضب الله وسخطه.[١٤]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. المعجم الكبير، ج٢، ص١١٣.
  2. سورة الليل: ٨.
  3. سورة آل عمران: ١٨٠.
  4. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٢.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
  6. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  7. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣.
  8. نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٣٤.
  9. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٨.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٨.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١٣١.
  12. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٨.
  13. نهج البلاغة، قصار الحكم ١٢٦.
  14. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج٢، ص ٤٧-٥٠.