البركة في في نهج البلاغة
تمهيد
«البركة»: الخير والنماء والزيادة، وتطلق على السعادة، والنعمة، وجمعها: بركات، وخصت بثبوت الخير الإلهي في الشيء ودوامه بزيادة غير محسوسة.
وبارك الله الشيء وفيه وعليه وحوله: جعل فيه الخير والنماء.
واسم المفعول مبارك، ومؤنثه مباركة.
وبركة الله تعالى: نعمه وعطاياه.
وأصل البركة من برك البعير: إذا ألقى صدره على الأرض، وثبت واستقر عليها، أو استناخ في موضع، فلزمه. وقيل: ثبوت البركة كثبوت الماء في البركة؛ وهو محبس الماء، أو كبروك السماء التي يدوم مطرها[١].
قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾[٢]. أي رحمة الله الخاصة وبركاته الكثيرة الواسعة عليكم يا معشر أهل بيت النبوة والرسالة، تتصل وتتسلسل في نسلكم وذريتكم إلى يوم القيامة[٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[٤]. لوسعنا عليهم الخير من كل جانب.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾[٥].
أي بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها؛ وهي البقعة المباركة وحواليها؛ لحدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله تعالى موسى[٦].
وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾[٧].
﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: هي شجرة الزيتون؛ لأنها كثيرة البركة والمنفعة.
من حثه(ع) على التقوى: «فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا. وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا»[٨].
«وَبَلَتْ»: هطلت، من الوابل: المطر الشديد، و«الرذاذ»: المطر الضعيف. شبه(ع) البركة بالمطر الشديد على سبيل الاستعارة المكنية، والوبل والإرذاذ تخييل وترشيح، أو أن تكون استعارة تبعية؛ بأن يستعار الوبل للفيض الكثير الجامع للكثرة، أو يكون مجازا مرسلا.، ويراد بالوبل النزول، وعلى التقديرين، فيراد بالإرذاذ القلة والضعف مجازا[٩].
ومن وصيته(ع) لمعقل حين أنفذه إلى الشام: «فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً»[١٠]. أي يجعل الله سبحانه سيرك مباركا ذا ثبات واستمرار، وهذا هو الأصل في البركة.
ومن دعاء له(ع) في الاستسقاء: «وَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ وَ يَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا وَ لَا جَهَامٍ عَارِضُهَا وَ لَا قَزَعٍ رَبَابُهَا وَ لَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ»[١١].
«الْمُسْنِتُونَ»: الذين أصابهم القحط، من أسنت القوم إسناتاً: أصابهم الجدب والقحط الشديد، وأصله من السنة؛ بمعنى الجدب والقحط، فأبدلوا الواو في الفعل تاء ليفرقوا بينه وبين قولهم: أسنى القوم: إذا أقاموا سنة في موضع.
ومثله ايضاً: «أَلَا وَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ وَ السَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ»[١٢]. أي ما أصبحت الأرض والسماء تجودان من النبات والمطر تألما لفقركم.
ومثلهما ايضاً: «اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وَ تَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا وَ يُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ وَ عَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ»[١٣].
«النجاد»: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، و«الوهاد»: ما انخفض منها، و«جَنَابُنَا»: ناحيتنا (الأراضي القريبة منا)، «أَقَاصِينَا»: الأراضي البعيدة عنا، و«تَنْدَى بِهَا»: ينتفع، و«القاصية»: الناحية أو هي بمعنى البعيدة عنا من أطراف بلادنا، و«الضاحية»: الناحية الظاهرة خارج البلد.
كلمات النص هادئة حافلة بالإيحاء وإيقاعها المتماوج: «نِجَادُنَا، وِهَادُنَا، جَنَابُنَا، مَوَاشِينَا، أَقَاصِينَا، ضَوَاحِينَا»، فيها قوة من الدلالة والعاطفة القوية لاستدراك العطف الإلهي.
ومن هذا القبيل قوله(ع): «اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً»[١٤]. «مُبَارَكَةً»: توجب البركة؛ أي النمو والزيادة.
ومن وصفه(ع) لكرامة الرسول(ص) وآثار بركته: «فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ: كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا؟ وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا؟ وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا؟»[١٥].
«عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا»: بركاتها العائدة إليهم، فكأن تلك المنافع ظرف لاجتماعهم، حاوية لهم، محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف. وفي «كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا» استعارة مكنية، شبه(ع) النعمة التي انبسطت عليهم بالطائر الباسط لجناحه على فرخه، وذكر الجناح تخييل، والنشر ترشيح، وشبه(ع) النعمة ايضاً بالنهر العظيم الذي تسيل منه الجداول والأنهار على سبيل الاستعارة المكنية، فأثبت الجداول تخييلاً، والإسالة ترشيحاً.
وهكذا قوله(ع): «اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَ بَرَكَتَكَ وَ رِزْقَكَ وَ رَحْمَتَكَ»[١٦]. «غَيْثَكَ»: المطر النازل من عندك بأن تجعله مباركا.
وقال(ع) في ابتلاء الله سبحانه لخلقه لأجل عصيانهم: «إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَ حَبْسِ الْبَرَكَاتِ»[١٧].
«حَبْسِ الْبَرَكَاتِ»: توقف زيادة النمو الزراعي، وقلة نتاج الحيوان.
ومن صلاته(ع) على النبي(ص): «اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَ نَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ»[١٨].
«نَوَامِيَ»: جمع نامية؛ وهي الخير الذي ينمو ولا يبقى جامدا، والبركة: الخير المستقر. و«نوامي بركاتك»: زيادة نتاج الخير المستقر.
وهنا بحضرته(ع) رجل رجلا بغلام ولد له، فقال له: ليهنئك الفارس، فقال(ع): «لَا تَقُلْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَ بُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ رُزِقْتَ بِرَّهُ»[١٩]. أي ليكن الولد مباركا؛ أي مستمرا في الخير.[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر: معجم مقاييس اللغة، ج١، ص٢٢٨ و٢٢٩؛ مفردات الراغب، مادة: «برك»، ص١١٩؛ الاشتقاق، ابن دريد، ص٢٤٧.
- ↑ سورة هود: ٧٣.
- ↑ تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ج١٢، ص١٣٠.
- ↑ سورة الأعراف: ٩٦.
- ↑ سورة النمل: ٨.
- ↑ مجمع البحرين، ج١، ص١٤٤، مادة «برك».
- ↑ سورة النور: ٣٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
- ↑ منهاج البراعة، ج١٢، ص٢٥١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٥٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٦٧.