البيعة في معارف الإمام الحسين وسيرته

من إمامةبيديا

تمهيد

«البيعة»: تركزت جهود الأعداء في واقعة الطف على ارغام الإمام الحسين على المبايعة ليزيد بن معاوية. ولكنه ابى عليهم ذلك حتّى استشهد.

والبيعة تعني في الأساس التعاقد والتعاهد. وكان نقض العهد من اقبح القبائح عند العرب. ومبايعة الحاكم كانت تعدّ نوعاً من الموافقة والتأييد والانقياد والطاعة. اما عدم المبايعة فيعني التمرد وعدم الاعتراف. وكان مفهوم البيعة في صدر الإسلام يعطي معنى الطاعة والانقياد للحكومة. ومن يبايع الحاكم لا يمكنه التمرّد عليه أو محاربته، وعند ما تتمّ البيعة علناً يعتبر الناس المبايع مؤيّداً للخليفة والحاكم. ولم يكن العدول عن البيعة مقبولاً ولا متعارفاً ؛ لأن في ذلك خطر على نفسه وعلى كرامته.

وفي تاريخ الإسلام هناك بيعة العقبة، وبيعة الرضوان وغيرهما. ويحكم القرآن الكريم بانّ مبايعة النبي مبايعة لله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ[١]. وقال عن مبايعة المؤمنات للرسول: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ[٢].

وكانت المبايعة بمصافحة الشخص بمثابة التعاهد معه على أمر ما، وكقسم على الوفاء للحكومة والحاكم. ومصافحة الحاكم أو الأمير أو الوالي أو من ينوب عنهم تعدّ مبايعة له.

والبيعة في الإسلام لا تعتبر طريقة في انتخاب الحاكم، بل هي اسلوب لترسيخ حكومة الإمام اللائق لهذا المنصب على أساس محور الشرع وحكم الله، كما وصفه امير المؤمنين بقوله في نهج البلاغة: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اَلْخَالِقِ».

وأفردت كتب الحديث باباً خاصاً للبيعة، ممّا يدلّ على أهميّتها في النظام السياسي والاجتماعي في الإسلام. وانطلاقاً من هذا التصوّر اتّخذت البيعة بعد وفاة رسول الله أهمية فائقة، وصار لأخذ البيعة من الناس لصالح الحكومة بُعداً سياسياً تجلّى في قضية السقيفة، واستناداً إلى هذا الأصل ارادوا ارغام الإمام علي(ع) وأصحابه على البيعة، وقد تولّى هو(ع) الخلافة من خلال مبايعة الناس له بعد مقتل عثمان.

وكان العمل الّذي ارتكبه معاوية بأخذ البيعة لابنه يزيد، في وقت لا زال هو فيه حيّاً، بانتهاج اسلوب الاكراه والإرهاب من جملة التصرّفات المقيتة للأمويين ؛ فقد أخذ معاوية البيعة في عام ٥٩ للهجرة من أهالي الشام ومن وجوه القبائل لابنه يزيد بصفته وليّاً للعهد، وبعث إلى الولايات كتباً يدعوهم فيها لمبايعته، وقد لقيت هذه الدعوة معارضة من البعض إلّا إنّه قمعهم بقوّة [٣].

وبعد موت معاوية بعث يزيد كتاباً إلى والي المدينة دعاه فيه إلى أخذ البيعة من الحسين بن علي بأيّة صورة كانت، إلّا إنّ الإمام الحسين كان يرى ان هذا الرجل غير صالح للخلافة، فرفض البيعة وقال: «مِثْلِي لاَ يُبَايِعُ مِثْلَهُ».

وفي المدّة التي كان فيها سيّد الشهداء في مكة ووصلته كتب ورسائل اهل الكوفة ؛ بعث إليهم مسلم بن عقيل مندوباً عنه، فبايعه شيعة الكوفة نيابة عن الإمام الحسين، وكان عدد من بايعه منهم ١٨ ألفاً أو ٢٥ ألفاً، وفقا لبعض الروايات [٤].

اما رفع البيعة من الإمام أو الوالي عن المبايع فيعني ازالة ذلك التعهد الذي الزم نفسه به من خلال البيعة. وفي ليلة عاشوراء اثنى الإمام الحسين في كلمة له على وفاء اصحابه ودعا الله لهم بخير الجزاء، ثم انّه رفع عنهم البيعة ليتخذ كل من يشاء منهم ظلام الليل ستراً وينجو بنفسه، فقال لهم: «أَلَا وانّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَانْطَلَقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ حَرَجَ مِنِّي وَ لَا ذِمَامُ، هَذَا اللَّيْلَ قَدْ غَشِيَكُمُ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً» [٥]، إلّا ان انصاره نهضوا الواحد تلو الآخر واعلنوا له وفاءهم بالعهد ووقوفهم إلى جانبه، ولم ينصرف منهم احد، وكلمات مسلم بن عوسجة، وزهير، وابناء مسلم بن عقيل وغيرهم معروفة في هذا الباب.[٦]

المراجع والمصادر

  1. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء

الهوامش

  1. سورة الفتح، الآية ١٠.
  2. سورة الممتحنة، الآية ١٢.
  3. مروج الذهب ٣: ٢٧.
  4. مقتل الحسين للمقرم: ١٦٨
  5. بحار الانوار ٤٤: ٣٩٣.
  6. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ٨٠.