البيعة عند أهل السنة
مفهوم البيعة
المعنى اللغوي
أصل مادة (بيع) تدل على بيع الشيء، وربما سمي الشراء بيعاً، والمعنى واحد[١].
والبيعة: بفتح الباء، مصدر من بايع يبايع بيعةً ومبايعةً، يقال: بايعه مبايعةً، وبياعاً: عقد معه البيع. وبايع فلاناً على كذا: عاهده وعاقده عليه، وبذل العهد على الطاعة والنصرة، وكأنّ كل واحد من المتبايعين باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره [٢]، وتبايعا: عقداً بيعاً أو بيعةً[٣].
والمقصود أن البيعة في مفهومها اللغوي: إعطاء شيء مقابل ثمن معين، أو إعطاء العهد بقبول ولاية أو خلافة[٤].
المعنى الاصطلاحي
عرّف العلماء البيعة قديماً وحديثاً بتعاريف عدة، فعرّفها المناوي بقوله: «البيعة -بالفتح- بذل الطاعة للإمام»[٥].
وعرّفها ابن الأثير بقوله: «البيعة: المعاقدة على الإسلام والإمامة والإمارة، والمعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق»[٦].
ومن التعاريف الجامعة تعريف ابن خلدون، حيث قال: «البيعة: العهد على الطاعة لولي الأمر»، ثم شرح هذا التعريف قائلاً: «كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير، وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع»[٧].
البيعة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بايع) في القرآن الكريم (٧) مرات[٨].
والصيغ التي وردت هي:
| الضيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| الفعل الماضي | ١ | ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾[٩] |
| الفعل المضارع | ٤ | ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾[١٠] |
| فعل الأمر | ١ | ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾[١١] |
| المصدر | ١ | ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾[١٢] |
وجاءت البيعة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة وهو: اسم مرَّة من بَايَعَ السلطان: إذا تضمن بذل الطاعة له[١٣].
الألفاظ ذات الصلة
الشراء
الشراء لغةً: الشين والراء والحرف المعتل، له أصولٌ ثلاثة: أحدها يدلّ على تعارضٍ من الاثنين في أمرين أخذاً وإعطاءً مماثلةً، تقول: شريت الشيء واشتريته: إذا أخذته من صاحبه بثمنه، وربما قالوا: شريت: إذا بعت[١٤].
الشراء اصطلاحاً: هو إعطاء الثمن، وأخذ المثمّن[١٥].
الصلة بين البيعة والشراء: الشراء والبيع متلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن، وآخذ الثّمن، والعلاقة بينهما عكسية، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده؛ جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي.
العهد
العهد لغةً: هو الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره، ويقال: عهد إليه، أي: أوصاه. فهو: التزام بين اثنين، أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهداً لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيباً عليهما في ذلك[١٦].
العهد اصطلاحاً: قال الراغب: «العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال»[١٧].
الصلة بين البيعة والعهد: البيعة هي عهدٌ على الالتزام بطاعة ولي الأمر، كما ذكر في التعريف الاصطلاحي.
العقد
العقد لغةً: يقال: عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شدّه، وعاقدته عقداً، مثل عاهدته عهداً، وتعاقدوا: تعاهدوا، من العقد وهو العهد[١٨].
العقد اصطلاحاً: قال الجرجاني: «العقد: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعاً»[١٩]، ومنه سمي عقد البيع، أو عقد الزواج عقداً؛ لأنه يعقد ويربط بين طرفين[٢٠].
الصلة بين البيعة والعقد: البيعة هي عقدٌ بين الإمام والرعية يتم بموجبه نصرة الإمام على من يخرج عليه؛ حفاظاً على وحدة الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها مقابل التزام الإمام بتنفيذ شرع الله تعالى، ويدل عليه كلام أبي بكر الصديق في خطبة مبايعته، وفيها: أطيعوني ما أطعت الله فيكم.
منزلة البيعة ومجالاتها
منزلة البيعة
البيعة مصطلح شرعي ذكره القرآن في أكثر من موضع، وجاء في السنة كثيرٌ من الأحاديث في شأن البيعة، وأفردت كتب الحديث باباً خاصًّا للبيعة، فقد بوّب البخاري باب: البيعة على إقام الصلاة، وباب: البيعة على إيتاء الزكاة، وباب: البيعة في الحرب أن لا يفروا، وفي مسلم باب: البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع.
وبوّب ابن ماجه باب: البيعة، وفي موطأ مالك باب: البيعة على الجهاد، وبوّب النسائي باب: البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله، وباب: البيعة على القول بالحق، وباب: البيعة على الصلوات الخمس، وهكذا. مما يدل على أهميتها في النظام السياسي والاجتماعي في الإسلام.
وبالنظر إلى سيرة النبي (ص) نجد أن البيعة قد تمت في المجتمع الإسلامي قبل أن يتحول إلى دولة في المدينة بين الرسول (ص) ونفر من الأنصار، كما حصل في بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولى هو إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام، ودخولهم فيه، وكان موضوع البيعة الثانية هو مناصرة الأنصار للنبي (ص)، وتأييدهم لدعوته، ومنع أي اعتداء يقع عليه؛ ثم حصلت البيعة بعد أن قامت دولة الإسلام في المدينة، مما يدل على أهمية البيعة في الإسلام في بناء الدولة، ومناصرة الإسلام، واجتماع الكلمة.
ثم بعد ذلك صار عقد البيعة الأساس الضروري لشرعية الحكم الإسلامي، حيث يختار أهل الحل والعقد من يرونه صالحاً من المسلمين لتولي أمورهم، ثم يبايعونه على الإمارة، وبعد ذلك يقوم المسلمون جميعاً بالمبايعة؛ لذلك كان كل الحكّام في تاريخ الدولة الإسلامية يحرصون على الحصول على البيعة حتى لو كانت إمارتهم قد تمت بالاستيلاء والمغالبة، فقد اعتبرت البيعة السند الشرعي لأي حاكم يختار من المسلمين لحكم الدولة الإسلامية.
ولأهمية أمر البيعة في المنظور الحضاري الإسلامي نجد أن القرآن الكريم يشير إليها في أكثر من موضع، حيث يقول تعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[٢١].
وفي السورة ذاتها يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٢٢].
كما أشار القرآن الكريم إلى بيعة النساء، فقال تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[٢٣].
وفي ذلك دلالة على أهمية دورهن الفاعل في بناء الحضارة الإسلامية، وخدمة الإسلام ومناصرته.
ومما يدل على أهمية البيعة: أن البيعة بدأت منذ فجر الحضارة الإسلامية؛ حيث بايع النبي (ص) صحابته أكثر من بيعة: كبيعتي العقبة الأولى والثانية، وكذلك بيعة الرضوان.
وكانت طوائف المسلمين كلها تبايعه (ص)، فمن الرجال الذين بايعوا رسول الله (ص) عدد لا يمكن حصره، ومن النساء العدد الجمّ، وقد أحصى الإمام ابن الجوزي عدد من بايع النبي (ص) من النساء، فبلغن (٤٥٧) امرأة[٢٤]، وبايعهن كلهن بالكلام، كما سيأتي.
بل وجدنا رسول الله (ص) يبايع الأطفال، حيث بايع عبد الله بن الزبير، وهو ابن سبع سنين. فقد أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر أنهما بايعا رسول الله (ص) وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله (ص) تبسّم، وبسط يده، فبايعهما[٢٥].
وخرّج البيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود حضر النبي (ص) يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مسفلة[٢٦]، قال: وقرن مسفلة الذي إليه بيوت ابن أبي ثمامة، وهو دار ابن سمرة وما حولها، قال الأسود: فرأيت النبي (ص) جلس إليه فجاءه الناس الصغار والكبار، والرجال والنساء، فبايعوه على الإسلام والشهادة [٢٧].
وهذا يدل على أن الحضارة الإسلامية حضارةٌ بنّاءة، فهي تعي قيمة أفرادها، وضرورة مشاركتهم في الأحداث المحيطة بهم، ومن ثمّ وجدنا أسوة المسلمين رسول الله (ص) يرسي مبدأ البيعة منذ اليوم الأول لقيام الدولة الإسلامية.
ولمكانة البيعة في الإسلام فقد عظّم الله شأنها، وحذّر من نكثها، يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[٢٨].
وذلك لما في البيعة من معاني القوة والجماعة والتآلف، وقد فرض الشرع المطهر على المسلم الوفاء بالعهد، سواء كان ذلك بين المسلمين بعضهم البعض، أم مع غير المسلمين، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[٢٩].
وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾[٣٠].
وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[٣١].
والبيعة بما أنها عقد وعهد بين المسلمين وخليفتهم فإنها داخلة في هذه الآيات، وحكم من نكث البيعة على النصرة أو الجهاد أو السمع والطاعة دون أن يصدر عنه ما ينافي أصل الإيمان فهو عاص مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر؛ لأنها نقض للعهد، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة تحرّم نكثها، أشهرها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي (ص) أنه قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع» [٣٢].
ومما يدل على مكانة البيعة: أن قضية الإمامة في الإسلام من القضايا الكبرى العظيمة؛ وقد صنف فيها العلماء مصنفاتٍ مستقلة، بيّنوا فيها شروط الإمامة، وواجبات الإمام، وكان هذا التفصيل العظيم منهم بياناً لأهمية هذا الأمر في حياة المسلمين؛ ولأن إقامة السلطان وولي الأمر من الواجبات الدينية، ومما لا تتم مصالح الناس الدينية والدنيوية إلا به، قال علي بن أبي طالب: «لابد للناس من أمير برٍّ أو فاجر، يعمل فيه المؤمن، ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل»[٣٣]. وقال الحسن البصري: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة، وأنّ فرقتهم لكفر»[٣٤] يعني: أنه كفر للنعمة، وهو كفر أصغر، وهذا يدل على أن وجود الإمام أمر ضروري في الدين.
وقد أجمع العلماء على وجوب نصب إمام للأمة، يقيم لهم أحكام شرع الله، قال الماوردي: «وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم»[٣٥].
وقال ابن خلدون: «نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه بالشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله (ص) عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذلك في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً دالًّا على وجوب نصب الإمام»[٣٦].
وممن نقل الإجماع على ذلك ابن حزم[٣٧] والقرطبي[٣٨].
وقال شيخ الإسلام: «يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها...؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبيّن ذلك...، فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال»[٣٩].
وقال ابن رجب: «وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم»[٤٠].
وقد ورد في القرآن الإشارة إلى إقامة الأئمة للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[٤١].
قال القرطبي رحمه الله: «هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة»[٤٢].
ولقد تواتر أن الصفوة من أمة محمد (ص) وهم الصحابة الكرام أجمعين بايعوا الصّدّيق بعد وفاة رسول الله (ص)، وقبل أن يدفنوه (ص) ؛ ولما أحس الصديق بدنوّ أجله استخلف الفاروق؛ ولما طعن الفاروق جعل الأمر شورى في ستة من أصحاب النبي (ص)، واتفقوا على أن يخلف الفاروق عثمان بن عفان؛ ولما استشهد عثمان بايعوا أبا الحسن علي بن أبي طالب، فهذه طريقتهم في الخلافة، فنجد أنهم حرصوا كل الحرص على تنصيب الإمام، ولم يتهاونوا في ذلك، وهذا مما يجب على المسلمين أن يقتدوا بهم فيه، فالبيعة إذن من الأمور المهمة للحاجة الماسة إلى نصب الإمام الشرعي في الأمة.
ومما يدل على منزلة البيعة للخليفة أن فقهاء المسلمين عقدوا لها خمسة شروط لازمة التحقق، وهي:
أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، المذكورة في باب شروط الخلافة في كتب الفقه.
أن يكون المتولّي لعقد البيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء، وسائر وجوه الناس.
أن يجيب المبايع إلى البيعة، فلو امتنع لم تنعقد إمامته ولم يجبر عليها.
الإشهاد على المبايعة فيما إذا كان العاقد واحداً، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعاً، فإنه لا يشترط الإشهاد.
أن يتّحد المعقود له، بأن لا تعقد البيعة لأكثر من واحد[٤٣].
وهذه الشروط التي أقرّها فقهاء الإسلام لاشك أنها تعدّ من المعالم الحضارية البارزة في مؤسسة الحكم الإسلامية؛ لأن غرض هذه الضوابط جلب كل المصالح التي يحتاجها المجتمع الإسلامي.
ومما يشير إلى ما تحتله البيعة من أهمية: أن بيعة ولي الأمر مما يسبّب استقرار المجتمع المسلم؛ لأنهم إذا اجتمعوا على رجلٍ واحد، وعلى خليفةٍ واحد، وعلى إمامٍ واحد استقام كثيرٌ من أمورهم، ولاشك أن التفرّق عن هذه البيعة يسبّب الخصومة والافتراق، والحرب بين المسلمين؛ لأن كلًّا منهم يريد أن ينصب إماماً تكون له الهيمنة والسيطرة، والنتيجة إراقة الدماء، ووقوع الحروب بينهم؛ ولذلك كان وجود الإمام الذي يجمع هؤلاء جميعاً من أعظم المصالح الشرعية، وقد حكى الفقهاء الإجماع على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وقد قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الأمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان له حكم الإمام»[٤٤]. وذلك ما أقام فيهم شرع الله، وأقام الصلاة، فلا يجوز الخروج عليه بحال، فنكث البيعة مع الإمام الذي يقيم شرع الله حرامٌ، ومن فعل ذلك فمات فميتته جاهلية، وقد سبق قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)[٤٥].
مجالات البيعة
تتنوع البيعة في الشرع بحسب الأمر المبايع عليه، وقد أخذ النبي (ص) البيعة من المسلمين على أمور مختلفة، وبحسب الواقع واللحظة الراهنة، وبحسب قدرة الفرد واستعداده، فقد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي (ص) طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، كما وردت بذلك الأحاديث، والذي يعنينا هنا هو البيعة في القرآن الكريم، فلفظ (البيعة) والمبايعة في القرآن ورد بمعنى جامع، وهو (أخذ المواثيق والعهود)، وبالنظر إلى ما جاء في القرآن بإمكاننا أن نذكر بعض مجالات البيعة، ومن أهمها:
البيعة على الإسلام
وهي البيعة المشهورة، وهي أوجب وآكد أنواع البيعة، ولا شيء من أنواع البيعة نكثه كفر إلا هذه البيعة؛ لأنها الحد الأدنى من الإسلام الذي يلزم على كل مسلم ومسلمة في الأمة؛ ولأنها أصل البيعات كلها، وأكثر ما كان النبي (ص) يبايع عامة الناس عليه هو الإسلام؛ وذلك بأن يأتي الرجل الذي يريد الدخول في الإسلام فيسلم على النبي (ص)، ويضع يده في يده، ويتشهد الشهادتين، ويتعهد بالتزام الإسلام كله، فيصير بذلك مسلماً مبايعاً للرسول (ص) .
والبيعة على الإسلام قد أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[٤٦].
يقول ابن جرير الطبري بعد أن ذكر معنى الآية: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية، وفيما أنزلت، فقال بعضهم: عني بها الذين بايعوا رسول الله (ص) على الإسلام، وفيهم أنزلت...، وذكر بسنده إلى بريدة، في قول الله عز وجل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.
قال: أنزلت هذه الآية في بيعة النبي (ص)، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.
هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.
البيعة، فلا يحملكم قلة محمد (ص) وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة، والمشركين فيهم كثرة»[٤٧]. كذا قال ابن جرير، بل قدّم هذا القول على غيره، ونقله عنه ابن كثير، ولم يعلّق عليه بشيء[٤٨].
وقال الشوكاني: «وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخص هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي (ص) على الإسلام، وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجباً لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»[٤٩].
ومن البيعة على الإسلام: بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، فعن عائشة قالت: (كان رسول الله (ص) يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾[٥٠].[٥١].
ففي هذه الآية أمر سبحانه وتعالى نبيه (ص) إذا جاءه المؤمنات، أي: قاصدات لمبايعته على الإسلام، وعلى أن لا يشركن بالله شيئًا من الأشياء كائناً ما كان، وهذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله (ص) يبايعنه، فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن بالله شيئًا، وأموراً أخرى قد ذكرتها الآية.
قال مقاتل بن حيان: «أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله (ص) الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله (ص)»[٥٢].
فنلحظ أن الله تعالى ذكر في هذه الآية في صفة البيعة خصالاً ستًّا، أوّلهنّ: «عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا» أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الاشتراك، والظاهر أن المراد: الشرك الأكبر، ويجوز التعميم، فيكون المراد الشرك الأكبر والأصغر الذي هو الرياء، والمعنى: بايعهن على أن لا يتخذن إلهاً غير الله، ولا يعملن إلا خالصاً لوجهه[٥٣].
قال الإمام الشافعي في الأم: «وإنما يبايع النساء على الإسلام، فأما على الطاعة فهن لا جهاد عليهن»[٥٤]. فكان نص بيعة النساء مختلفاً عن غيره من أنواع البيعات؛ وذلك بتربيتهنّ على عظائم الأمور، وزجرهن عن كبائر الفواحش الواردة في الآية الكريمة وأكبرها الشرك، قال تعالى: «عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا» ففي الآية تقرير للتوحيد، وإعلان المفاصلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك.
فبدأ تعالى بالنهي عن الشرك؛ لأنه مقابل للإيمان الذي تقوم عليه قاعدة الحياة السليمة لكل بشر، فالشرك نزعة نفسية منحطة تسفل بالإنسان، وتشدّه إلى ذاته البدنيّة؛ وذلك في حالة من سيطرة الوهم، وغياب الوعي، وعمى في البصيرة عن الحقيقة[٥٥].
لذا كان من أولويات البيعة في الإسلام عموماً وبيعة النساء خصوصاً إعلان المفارقة بين الشرك والتوحيد، فهو أصل الميثاق، وأساس الحياة.
وهذه البيعة على الإسلام قال بعض العلماء: إنها من خصائص النبي (ص)، يقول ابن رجب: «وقد ذكر طائفة من العلماء، منهم: القاضي أبو يعلى في كتاب (أحكام القرآن) من أصحابنا: أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي (ص) ؛ واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخصّ الرسول بالخطاب بها وحده، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾[٥٦]»[٥٧].
والمقصود أن هذه البيعة على الإسلام قد ذكرت في القرآن، وهي التي تسمى بيعة النساء أيضاً، وهي نفس بيعة الرجال، قال جرير بن عبد الله: بايعنا النبي (ص) على مثل ما بايع عليه النساء، من مات منا ولم يأت شيئًا منهن ضمن له الجنة، ومن مات منا وقد أتى شيئًا منهن، وقد أقيم عليه الحد فهو كفارة، ومن مات منا وقد أتى شيئًا منهن فستر عليه، فعلى الله حسابه[٥٨].
البيعة على الأعمال الصالحة
ومن مجالات البيعة الهامة البيعة على الأعمال الصالحة، ومنها:
البيعة على النصرة والمنعة
البيعة على نصرة الدين من أفضل الأعمال، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي بيعة المنعة والنصرة- البيعة التي أخذها النبي (ص) من وفد الأنصار في بيعة العقبة الثانية في منى، وكان عددهم آنذاك ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فبعد أن تلا الرسول الكريم القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم...). فبايعه البراء بن معرور وسائر الوفد على المنعة والنصرة، ومما قاله البراء بن معرور: «نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله؛ فنحن أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر»[٥٩].
وما قبل النبي (ص) عرض الأوس والخزرج في النصرة إلا بعد أن استوثق له عمه العباس بن عبد المطلب منهم، وبعد أن تيقن هو (ص) من صدق إيمانهم، وقوة شكيمتهم، واستعدادهم للشهادة في سبيل الله، وأن قلوبهم قد تطهّرت من مطالب الدنيا، فهم يريدون فقط الله ورسوله، والدار الآخرة، ومما يدل على ذلك ما جاء في عقد البيعة: «السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله»[٦٠].
وهذه البيعة هي المقصودة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٦١].
فقد روى القرطبي وغيره من المفسرين[٦٢] أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية، بيعة العقبة الكبرى، وكان فيها الأنصار نيّفاً وسبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله (ص) عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبي (ص): «اشترط لربك ولنفسك ما شئت»، فقال النبي (ص): «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم»، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: (الجنة)، قالوا: «ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل»؛ فنزلت الآية: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾.
وهذه الآية وإن نزلت في بيعة العقبة فحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة، قال بعضهم: ما أكرم الله! فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة[٦٣]. فهذه الآية وأمثالها تمثيل عبّر فيه عن إثابة الله المؤمنين الباذلين أنفسهم وأموالهم في سبيله بأن لهم الجنة بالشراء والمعاوضة، وهذا تفضل منه وكرم، وترغيب في الجهاد ببيان فضله إثر بيان حال المتخلفين عنه، وهم المنافقون.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ اشترى منهم وعوّضهم ما فيه الخير كله، مع أن ما في الكون هو ملكه، وهذا من غاية لطفه وكرمه بعباده المؤمنين، وقدّم الأنفس على الأموال ابتداء بالأشرف، وبما لا عوض له إذا فقد[٦٤].
وفي لفظة ﴿اشْتَرَى﴾ لطيفة، وهي: أن فيها دلالة على رغبة المشتري فيما اشتراه، واغتباطه به...، والظاهر أن هذا الشراء هو مع المجاهدين، وقال ابن عيينة: اشترى منهم أنفسهم أن لا يعملوها إلا في طاعة، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله، فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، وعلى هذا القول يكون ژۉژ مستأنفاً، ذكر أعظم أحوالهم، ونبه على أشرف مقامهم[٦٥].
وقال أبو السعود في الآية: «ترغيب المؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته، إثر بيان حال المتخلفين عنه، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبّر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى، وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس، بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها؛ إيذاناً بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم، ثم إنه لم يقل: بالجنة، بل قيل: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم، واختصاصه بهم، كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم»[٦٦].
وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ جملة مستأنفة؛ جيء بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة، وهي القتال في سبيل الله، أي: إنهم يقاتلون في سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل على أيدي هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين: القاتل والمقتول، جزاؤه الجنة [٦٧].
وقرأ حمزة والكسائي ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ بتقديم الفعل المبني للمفعول على الفعل المبني للمعلوم [٦٨]. قال في الوسيط: «وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلى الحياة الباقية الدائمة» [٦٩].
وكأن الجمع بين الفعلين: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: سواء قَتلوا أو قُتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة[٧٠]؛ ولهذا جاء في الصحيحين: (وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة)[٧١].
وقوله: «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق في التوراة والإنجيل والقرآن، يعني: أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد وبيّنه في هذه الكتب، وفيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة[٧٢].
وفي هذا التعبير تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [٧٣].
قال ابن كثير: «أخبر الله تعالى بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ كتاب موسى (ع)، ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ كتاب عيسى (ع)، ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن، أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾، أي: لا أحد أوفى منه سبحانه؛ لأن الإخلاف لا تقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق»[٧٤].
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم، وفي هذا تحريض على القتال، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة، والاستبشار: الشعور بفرح البشرى، شعوراً تنبسط له أسارير الوجه، أي: إذا كان الأمر كذلك، فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح، وارضوا به نهاية الرضا، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه، قال بعض العلماء: ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة، وثمنه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضاً لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلاً في الكتب السماوية، وناهيك به من صكّ، وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلية، حيث صوّر جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابة الله لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ بياناً لمكان التسليم، وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله (ص): «الجنة تحت ظلال السيوف»[٧٥]، ثم أمضاه بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٧٦].
والمقصود أن من أنواع البيعات التي أخذها النبي (ص) من أصحابه، البيعة: أن يمنعوه وينصروه، وهي ما تسمى ببيعة النّصرة والمؤازرة، وهي مذكورة في القرآن، وعبّر عنها بالبيع والشراء، قال عمر: إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال قتادة: ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم، وقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن. وعنه أنه قال: إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. قال بعضهم: ناهيك عن بيع، البائع فيه رب العلا، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى (ص)[٧٧]؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم -والله- فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية؛ ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قبل هذا العقد، ووفّى به[٧٨].
البيعة على الجهاد وعدم الفرار
ومن أمثلة البيعة على الأعمال الصالحة أيضاً: البيعة على الجهاد، وعدم الفرار، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي البيعة على الجهاد في سبيل الله وعدم الفرار- البيعة التي أخذها النبي (ص) من أصحابه تحت الشجرة يوم الحديبية، وهي بيعة الرضوان، التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٧٩].
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله (ص) رسولَ الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفرّوا، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة، وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله (ص) كان أرسل عثمان بن عفان برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظنّ أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان»[٨٠].
البيعة على تجنب السيئات
ومن أبرز الأمثلة على البيعة على تجنب السيئات: ما جاء في بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٨١].
ففي هذه الآية ذكر في صفة البيعة خصالاً ستًّا، هن أركان ما نهى عنه في الدين، ولم يذكر أركان ما أمر به، وهي الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والاغتسال من الجنابة وغيرها؛ وذلك لأن النهي عن هذه دائم في كل زمان وكل حال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم أهم وآكد، أو أنه لم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين، وشعائر الإسلام، وإنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء[٨٢].
وقد ذكرت هذه المنهيات على ترتيب بديع، ووجه هذا الترتيب بين هذا المنهيات أنه قدّم الأقبح على ما هو أدنى قبحاً منه، ثم كذلك إلى آخرها؛ ولذا قدم ما هو الأظهر والأغلب فيما بينهن.
وقد ذكر الله تعالى هذه الأمور، وهناك أمور أخر لم تذكر في كتاب الله، ولكنها ذكرت في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، منها قول أم عطية: (أخذ علينا رسول الله (ص) عند البيعة ألا ننوح، فما وفّت منا امرأة إلا خمس نسوة فقط)[٨٣]. فانظر مع أن المبايع رسول الله (ص) إلا أنهن نقضن البيعة كلهن، ولا وفّى منهن بالبيعة إلا خمس نسوة فقط، فهذا يدل على قلة التزام النساء بالعهود والمواثيق، وكان مما بايعهن في هذه الآية:
﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾.
بايعهن الرسول (ص) على ما ذكره الله في كتابه، وهو ألا يشركن بالله شيئًا، أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الإشراك، والظاهر أن المراد الشرك الأكبر، ويجوز التعميم له وللشرك الأصغر الذي هو الرياء، فالمعنى على أن لا يتخذن إلهاً غير الله، ولا يعملن إلا خالصاً لوجهه.
﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ أي: ولا يرتكبن جريمة السرقة، قال ابن كثير: «أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج معسراً في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه، عملاً بحديث هند بنت عتبة»[٨٤]. لما جاءت لتبايع بعد إسلامها في فتح مكة خافت من ذلك الشرط العظيم؛ فعن عائشة قالت: إن هنداً قالت للنبي (ص): إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، فأحتاج أن آخذ من ماله، قال (ص): (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)[٨٥].
وفي الحديث: تقييده (ص) الأخذ من مال الزوج بالمعروف، وهو ما تعارف عليه الناس دون إفراط ولا تفريط.
وقال ابن عاشور: «فقد شملت الآية التخلّي عن خصال في الجاهلية، وكانت السرقة فيهنّ أكثر منها في الرجال»[٨٦].
﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ أي: ولا يرتكبن جريمة الزنا التي هي من أفحش الفواحش، قال الرازي: «يحتمل حقيقة الزنا، ودواعيه أيضاً»[٨٧] على ما قاله الرسول (ص): (اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه)[٨٨].
وعن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة -أخت هند- تبايع النبي (ص) فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية[٨٩].
وهذه الرواية تدل على كراهة الزّنا عند النساء الحرائر، وبشاعته في الجاهلية، وإن كان مشهوراً في بعض النساء كالبغايا والإماء؛ لذا جاءت أحكام الإسلام السامية تدعو إلى الترفّع عن السفاسف، وتطييب النفس بالمباح من النكاح، وسد أبواب الفتنة بالمنع من الاختلاط المحرّم بين الرجال والنساء؛ لسدّ أبواب الغواية، وحبائل الشيطان؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾[٩٠].
فإذا لم يكتف الإنسان بالنّكاح المباح ووقع في الزنا فقد أعدّ الله له عذاباً عظيماً؛ قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[٩١].
وجعل حكم الزاني المحصن الرجم حدًّا مصلتاً قاسياً شديداً؛ لينتهي من كان في قلبه إيمان وإحسان عن سلوك طريق الحرام.
﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾[٩٢] أي: ولا يئدن البنات، كما كان يفعله أهل الجاهلية، خوف العار، أو خشية الفقر، قال ابن كثير: «وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق أو العار، ويعم قتله وهو جنين، كما يفعله بعض النساء الجاهلات، تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه» [٩٣].
وقال ابن عاشور: «والمراد بقتل الأولاد أمران:
أحدهما: الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم.
والآخر: إسقاط الأجنة، وهو الإجهاض، وأسند القتل إلى النساء، وإن كان بعضه يفعله الرجال؛ لأن النساء كن يرضين به، ويسكتن عنه»[٩٤].
وقال ابن حجر: «خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعاً فيهم وهو وأد البنات، وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذّكر لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم»[٩٥].
﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾[٩٦] أي: لا تنسب إلى زوجها ولداً لقيطاً ليس منه، تقول له: هذا ولدي منك، قال المفسرون: كانت المرأة إذا خافت مفارقة زوجها لها لعدم الحمل التقطت ولداً ونسبته له ليبقيها عنده، فالمراد بالآية: اللقيط، وليس المراد الزنا لتقدمه في النهي صريحاً.
قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولداً ليس منه، وقال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، وإنما قال: ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾[٩٧]؛ لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها[٩٨].
وأوضح ذلك الزمخشري بقوله: «كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك؛ كني بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً؛ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين، فهو غير الزنا، فلا تكرار فيه»[٩٩].
والبهتان: الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال: هذا بما كسبت يداك...، وأصل هذا كان في بيعة النساء، ويعني: نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد أولاً، فيحتمل أن يكون المراد بين الأيدي والأرجل (القلب)؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى: لا ترموا أحداً بكذب تزوّرونه في أنفسكم، ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم[١٠٠].
وفي هذه البيعة بالنسبة للرجال والنساء دلالة عظيمة على حرص القرآن الكريم على تربية النفوس، وتهذيبها مما قد علق بها من صنائع الجاهلية المذمومة؛ ليبني مجتمعاً سليماً من الرجال الصادقين، والنساء العفيفات، والدليل على ذلك ما قال ابن عباس عنهما في تفسير الآية: «لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن»[١٠١].
«ولعل هذا التحفّظ -بعد المبايعة على عدم الزنا- كان للحالات الواقعة في الجاهلية من أن تبيح المرأة نفسها لعدّة رجال، فإذا جاءت بولدٍ نظرت أيهم أقرب به شبهاً، فألحقته به، وربما اختارت هي أحسنهم، فألحقت به ابنها، وهي تعلم من أبوه، وعموم اللفظ يشير إلى هذه الحالة وغيرها من كلّ بهتان مزور يدّعى، ولعل ابن عباس خصّصه بذلك المعنى لمناسبة واقعة وقتذاك»[١٠٢].
وفي هذا تأكيد على حفظ الأنساب بسدّ أبواب الزنا والافتراء، وعدم قتل الأولاد الشرعيين أو اللقطاء، أو وأد البنات خشية العار الذي انتشر في الجاهلية، وتأكيد البيعة على كلّ هذه الأمور؛ ليبني الإسلام دعائم الحياة الاجتماعية الجديدة؛ لينطلق في أرجاء الأرض داعياً إليها، ومبشّراً بصلاح الدنيا والآخرة حين تكون الحال، كما جاء في هذه الأركان العالية، والشروط السامية.
وهذه البيعة قد بايع بها النبي (ص) النساء والرجال جميعاً؛ كما ورد في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: قال لنا رسول الله (ص) ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) فبايعناه على ذلك[١٠٣].
البيعة على السمع والطاعة بالمعروف
ومن أمثلتها ما جاء في بيعة النساء: أن النبي (ص) بايعهن على ما بايع عليه الرجال، ومن ذلك السمع والطاعة بالمعروف، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾[١٠٤]. أي: ولا يخالفن أمرك فيما أمرتهن به من معروف، أو نهيتهن عنه من منكر، بل يسمعن ويطعن، وهذا نص عام في جواز أخذ البيعة من النساء على عدم العصيان في أي معروف يأمر به.
وهذا القيد من باب البيان وإلا فالنبي لا يأمر إلا بمعروف، وفي هذا تقريرٌ عظيم أن طاعة الرعية للحاكم بعد النبي (ص) لا تكون إلا في المعروف الذي يتّفق مع دين الله وشريعته.
قال الشنقيطي في تفسيره للآية: «القيد بالمعروف هنا للبيان، ولا مفهوم له؛ لأن كل ما يأمر به (ص) معروف، وفيه حياتهن، وفيه تنبيه على أن من كان في موضع الأمر من بعده لا طاعة له إلا في المعروف»[١٠٥].
والمعروف كما قال في النهاية: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع، ونهى عنه[١٠٦]. وقد روى ابن عباس المعنى بشكل مجملٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾[١٠٧] حيث قال: «إنما هو شرط شرطه الله على النساء»[١٠٨].
والطاعة بالمعروف هو مقتضى قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[١٠٩]
ومن حيث الاستطاعة من جهة المأمور فالمقصود بها أنه لا يلزم المأمور طاعة أميره فيما لا يستطيعه، ومدار أحكام الشريعة كلها على الاستطاعة، والله تعالى لا يكلّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلّف الإنسان شيئًا لا يستطيع أداءه، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾[١١٠].
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[١١١].
وقول النبي (ص): «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»[١١٢].
كما أن الاستطاعة من عدمها أمر يعلمه الله تعالى من عبده، فإن قصّر العبد في الطاعة مدّعياً عدم الاستطاعة فإن الله تعالى يحاسبه على ذلك، فإن كان كاذباً فالله مطلع عليه ومجازيه عليه، ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر حيث قال: كنا إذا بايعنا رسول الله (ص) على السمع والطاعة، يقول لنا: «فيما استطعتم»[١١٣].
وعن جرير بن عبد الله أنه قال: بايعت رسول الله (ص) على السمع والطاعة، فلقنني: (فيما استطعت)[١١٤].
وعن عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك بن مروان كتب إليه عبد الله بن عمر: «إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله (ص)، فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بذلك»[١١٥]. وهذا المعنى الذي ذكرناه واضح في كثير من الأدلة.
وقد جاء في الرّوايات الواردة في بيعة النساء تقييد هذا الركن بالنياحة. والنياحة أمر منكر في الإسلام، ويقصد به اجتماع النساء لإظهار شعائر الحزن[١١٦].
فقد جاء في حديث أم عطية قالت: بايعنا رسول الله (ص) فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾[١١٧] ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي (ص) شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها[١١٨].
وقد فسّر زيد بن أسلم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾[١١٩] قال: «لا يخدشن وجهاً، ولا يشققن جيباً، ولا يدعون ويلاً، ولا ينشدن شعراً»[١٢٠].
وهذا بسبب الخوف على النساء في أول الإسلام من التمسّك بشيء من أحوال الجاهلية النكراء، كهذه الأفعال من النياحة المصاحبة للاعتراض على قدر الله عز وجل، ولشناعة هذا الفعل كان الوعيد العظيم عليه ببراءة الرسول (ص) ممن يقارفه عند المصيبة، فأكد (ص) على النهي عنه أثناء البيعة العظيمة للنساء؛ لما جبلت عليه النساء من العاطفة الجياشة، والاستسلام للضعف عند نزول المصيبة، ونسيان حكم الله، فتوعد عليه الوعيد الشديد؛ فعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (ص): «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران، ودرعٌ من جرب»[١٢١].
استغفار الرسول للمبايعات
أمر الله تعالى رسوله (ص) بعد أن يبايع النساء أن يستغفر لهن الله تعالى، وهذا الدعاء الكريم بالمغفرة هو الجائزة العظيمة التي حصل عليها أولئك النساء المبايعات اللاتي ذكرهن ابن سعد في الطبقات الكبرى في الجزء الثامن، تسمية النساء المسلمات المبايعات، وقسمهن إلى أقسام؛ من قريش (٦٦) وغرائب نساء العرب (٥٩) والأنصاريات المسلمات المبايعات (٣٣٧) وبلغ عددهن جملة (٤٦٢)[١٢٢].
قال السعدي: «فكان إذا جاءته النساء يبايعنه والتزمن بهذه الشروط بايعهن وجبر قلوبهن، واستغفر لهن الله فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن في جملة المؤمنين»[١٢٣].
فقوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ أمر من المبايعة، أي: إذا جاء إليك النساء المؤمنات للبيعة فبايعهن على هذه الأمور الستة الهامة، وفي مقدمتها عدم الإشراك بالله جل وعلا، أي: فبايعهن على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره، وظهور أصالته.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾[١٢٤] زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب، والاستغفار طلب المغفرة للذنوب، والستر للعيوب[١٢٥].
فبايعهن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يمد يده لبيعتهن، ولم يصافح أحداً منهن عليه الصلاة والسلام، فعن أميمة بنت رقيقة في قصة البيعة، وفيها: «ألا تصافحنا يا رسول الله؟!» قال: (إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة)[١٢٦]. وفي الصحيح عن عائشة قالت: (والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط)[١٢٧].
وقد علق ابن حجر على لفظ: (فقبضت امرأة يدها)[١٢٨] بقوله: «وقد يؤخذ من قول أم عطية في الحديث: (فقبضت امرأة يدها) أن بيعة النساء كانت أيضاً بالأيدي، فتخالف ما نقل عن عائشة: (كان النبي (ص) يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾[١٢٩] قالت: وما مسّت يد رسول الله (ص) يد امرأة، إلا امرأة يملكها)[١٣٠]، ويحتمل أنهن كنّ يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة»[١٣١].
وقال النووي في شرح مسلم: «وفيه: أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام»[١٣٢]. فيكون الأخذ بالأيدي من باب تأكيد البيعة؛ ولهذا لما تخوّف عمر بن الخطاب الاختلاف بين المسلمين قال لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسطها فبايعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار[١٣٣].
تكرر مبايعته (ص) للنساء:
قد تكرّرت مبايعة النساء للنبي (ص) ؛ لأنها كانت بيعة شرعية إيمانية أخلاقية، تتعهّد فيها المرأة بالالتزامات الإيمانية والأخلاقية، وليست بيعة ترشيح النبي (ص) للقيادة السياسية، فلم يكن (ص) يفتقر إلى موافقة الأمة على قيادته، وهو النبي الخاتم، في حين كانت بيعة الرجال سياسيةً يلتزمون فيها بالجهاد، إضافة إلى التزامهم الإيماني والأخلاقي.
فإذا رأى الوالي ضرورة مشاورة النساء في أمور الدولة، أو في تأدية بعض الحقوق السياسية، أو بعض الأعمال الإدارية، إذا كانت هناك ضرورة ماسة، ولم يتضمن ذلك الأمر معصيةً لله تعالى، أو تضييعاً لنفسها، أو بيتها، أو الوقوع في الاختلاط المحرّم، المفضي إلى المفاسد العظيمة، فعلى النساء طاعته بالمعروف، مثل ضرورة الإذن بالجهاد لقتال العدو الصائل وغيره؛ لأن في ذلك مصلحةً للبلاد والعباد[١٣٤].
والمقصود أنه قد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي (ص) طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وأنه أخذ منهم البيعة قبل قيام الدولة الإسلامية، وقبل الهجرة في موضعين، هما بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، كما أخذها النبي (ص) بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية أكثر من مرة، فأخذها في الحديبية، حين أشيع خبر مقتل عثمان، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[١٣٥].
وأخذها النبي (ص) من النساء بعد الحديبية، فقد كان يبايع من تهاجر إلى المدينة، ولا يرجعها إلى مكة، كما كان يفعل بمن هاجر من الرجال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[١٣٦].
كما بايع النبي (ص) الرجال والنساء بعد فتح مكة، وكانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان من المبايعات بعد الفتح.
ومن هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة التي ذكرت نستنتج أن:
البيعة متنوعة، فقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي (ص) بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة.
وتكون البيعة على كل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات، كالبيعة على الهجرة والجهاد والصلاة والزكاة والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام.
وقد استفاض عن رسول الله (ص) أن الناس كانوا يبايعونه تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معركة الكفار، وتارةً على التمسك بالسنة، واجتناب البدعة، والحرص على الطاعات.
وقد جاء عن أنس قال: خرج رسول الله (ص) إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً، على الجهاد ما بقينا أبداً[١٣٧].
وعن سلمة بن الأكوع قال: بايعت النبي (ص)، ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس، قال: (يا ابن الأكوع ألا تبايع؟!) قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: (وأيضاً) فبايعته الثانية، فقال الراوي عنه: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت[١٣٨].
وعن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، فبايعنا رسول الله (ص)، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة -وهي سمرة- وبايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت[١٣٩].
والظاهر -والله أعلم- أن ألفاظ البيعة كانت تختلف من شخص إلى شخص، وإن كانت كلها بمعنى واحد، فعدم الفرار هو الثبات حتى الموت، وهو عين ما بايع عليه سلمة، فعن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله (ص) يوم الحديبية؟ قال: على الموت[١٤٠].
وقد بايع النبي (ص) بعض الناس بيعات مخصوصة، فقد بايع بعض أصحابه على أن يقول الحق دائماً، وأن لا يسأل الناس شيئًا، فوفوا بذلك، فكان السوط يقع من أحدهم فلا يقول لغيره: ناولنيه، فعن أبي ذر قال: بايعني رسول الله (ص) خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله علي تسعاً؛ أن لا أخاف في الله لومة لائم، فدعاني رسول الله (ص) فقال: (هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟) قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله (ص) وهو يشترط علي: (أن لا تسأل الناس شيئًا) قلت: نعم، قال: (ولا سوطك إن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه)[١٤١].
أركان البيعة
من خلال التعريفات السابقة للبيعة، والتكييف الفقهي لها، يمكن أن نستنبط بسهولة أن للبيعة ثلاثة أركان:
الركن الأول: (موضوع البيعة): وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقاً لكتاب الله، وسنة رسوله (ص) من تطبيق للحدود والأحكام، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه.
الركن الثاني: (المبايع)، وهو الرسول (ص)، أو الخليفة من بعده، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، وهو الطرف الذي أخذت له البيعة ليتولى منصب الخلافة، أو الإمامة، ويلقب بالأمير أو الخليفة.
الركن الثالث: (المبايع)، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم أهل الحل والعقد خاصة، والأمة الإسلامية عامة. وسنتكلم فيما يأتي عن هذه الأركان الثلاثة بالتفصيل:
البيعة
التكييف الشرعي والفقهي للبيعة أنها (عقد)، وهذا التكييف له آثار جوهرية بليغة، فمعنى كونها عقداً: أنه يجري فيها ما يجري في العقود الشرعية من أركان: كالعاقدين، والصيغة، والشروط.
وقد سبق القول أن موضوع البيعة هو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقاً لكتاب الله وسنة رسوله (ص) من تطبيق للحدود والأحكام التي نصت عليها الشريعة الغراء، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه.
وقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي (ص) بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة.
وقد تكون على الإسلام ومكارم الأخلاق، فعن عبادة بن الصامت قال: قال لنا رسول الله (ص) ونحن في مجلس: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» فبايعناه على ذلك[١٤٢].
وقد تكون بيعة السياسة والحرب، فعن كعب بن مالك قال: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله (ص) بالعقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب حتى جاءنا رسول الله ومعه العباس، قلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة، فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا البيعة[١٤٣] قال محقق المسند: «حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل يحيى بن سليم، وهو الطائفي».</ref>.
وقد تكون بيعة على الموت، كما حدث في بيعة الشجرة في الحديبية، والبيعة تكون للرجال وللنساء وللكبار وللصغار على حد سواء.
حكم البيعة
يختلف حكم المبايعة باختلاف المبايعين، فأهل الحل والعقد يجب عليهم بيعة من يختارونه للإمامة، ممن قد استوفى الشروط الشرعية لها، وأما سائر الناس فالأصل وجوب البيعة على كل واحد منهم بناءً على بيعة أهل الحل والعقد؛ لقول النبي (ص): «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهليةً»[١٤٤]. ولكن المالكية ذهبوا إلى أنه يكفي سائر الناس أن يعتقدوا أنهم تحت أمر الإمام المبايع، وأنهم ملتزمون بالطاعة له[١٤٥].
هذا بالنسبة للمبايعين من أهل الحل والعقد وسائر الناس، أما من جهة المختار ليكون إماماً فيجب عليه قبول البيعة إن تعيّنت الإمامة، بأن لا يوجد غيره مستوفياً للشروط، فإن كان المستوفون للشروط أكثر من واحد كان قبول البيعة فرض كفاية.
لأن البيعة عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وهو عقد بين طرفين: أحدهما: أهل الحل والعقد، وثانيهما: الشخص الذي أدّاهم اجتهادهم إلى اختياره ممن قد استوفوا شرائط الإمامة؛ ليكون إماماً لهم، فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار، وتصفّحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدّموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم في تلك الشروط، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقّفون عن بيعته، فإذا تعيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقّيها.
مشروعية البيعة
دل على مشروعية البيعة الكتاب والسنة والإجماع:
فمن القرآن قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[١٤٦].
والآية تدل أن مبايعة المسلمين للرسول (ص) إنما هي في الحقيقة مبايعة لله تبارك وتعالى ؛ فيده سبحانه فوق أيديهم، والمراد بالمبايعة في الآية: بيعة الرضوان بالحديبية، وقد أنزل الله تعالى فيمن بايعه فيها قوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[١٤٧].
وفي صحيح مسلم عن جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرّ»[١٤٨].
ومما يدل على مشروعية البيعة قوله سبحانه في بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[١٤٩].
وهذا لما فتح رسول الله (ص) مكة جاءه نساء أهلها يبايعنه فأخذ عليهن: أن لا يشركن... إلخ.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله (ص) يمتحنّ بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾[١٥٠]. إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة)[١٥١].
وقالت أم عطية: (لما قدم رسول الله (ص) المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا [[عمر بن الخطاب] فقام على الباب، فسلّم، فرددن (ع)، فقال: أنا رسول رسول الله (ص) إليكنّ: أن لا تشركن بالله شيئًا، فقلن: نعم)[١٥٢].
ومما يدل مشروعية البيعة أن النبي (ص) أخذ البيعة من الصحابة في مواقف كثيرة، وعلى أمور مختلفة، كما في بيعة العقبة الأولى حيث بايع المسلمون الرسول (ص) على بيعة النساء قبل أن تفرض عليهم الحرب، وفي بيعة العقبة الثانية، وفي بيعة الرضوان، وغيرها من البيعات.
كما دل على مشروعية البيعة الإجماع، فقد أجمع الفقهاء في الجملة على وجوب بيعة المسلمين لإمام لهم يمثّلهم، ويقوم على أمورهم؛ حتى لا تذهب ريحهم، ويتولى أمر البيعة في بادئ الأمر بعض وجهاء المسلمين من أهل الحل والعقد، الذين يختارون الإمام الصالح بحسب اجتهادهم ومشورتهم، ثم يدعون عموم الناس لمبايعته، فقد قال الإمام النووي: «أجمع العلماء على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة»[١٥٣].
فالبيعة لخليفة المسلمين أمر معلوم من الدين بالضرورة، وعدم نصب خليفة أو حاكم مسلم سيورث الإضرار والفوضى والاختلاف والتنازع.
الفرق بين مبايعة النبي (ص) ومبايعة غيره
إن موضوع بيعة الرسول (ص) يقتصر على التزام المبايعين وتعهّدهم بالسمع والطاعة، وخاصةً الالتزام بما بايعوا عليه، أما تعيينه (ص) للإمامة فإنما كان ذلك بالوحي، وأما بيعة غيره فهي التزام من كل من الطرفين، فهي من أهل الحل والعقد التزام للإمام بالسمع والطاعة، والإقرار بإمامته، والتزام من المبايع بإقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ويترتّب على البيعة إذا تمّت على الوجه المشروع انعقاد الإمامة لمن بايعه أهل الحل والعقد، وأما سائر الناس غير أهل الحل والعقد فعليهم أن يبايعوه بعد ذلك تبعاً لأهل الحل والعقد.
أثر البيعة في انعقاد الإمامة
اختيار أهل الحل والعقد للإمام، وبيعتهم له، هي إحدى طرق التولي، بل هي الأصل في انعقاد الإمامة، وأهل الحل والعقد هم العلماء وجماعة أهل الرأي والتدبير، الذين اجتمع فيهم العلم والأمانة والعدالة والرأي.
والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة، وإقامة الحق والعدل من قبله، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم، وقد صح أن النبي (ص) هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضاً على الإسلام، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر وعدم الفرار من القتال، وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن.
وهذه الطريق هي إحدى الطرق الصحيحة عند أهل السنة لتولي الخلافة، وتنعقد الإمامة أيضاً بالتغلب، أو أن يجعل الخليفة الأمر شورى بين أهل الحل والعقد.
البيعة العامة
البيعة قد تكون بيعة عامة كبرى، تعطى لإمام المسلمين الذي اجتمع عليه الناس كلهم، لاستيفاء شروط الإمامة، أو لكفاءته أكثر من غيره، أو لتغلبه، وهذا النوع هو المقصود عند إطلاق لفظ البيعة، ففي بيعة المتغلب قال الإمام الشاطبي: «قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة، قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جور، فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه: أقر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله»[١٥٤].
وهذه البيعة العامة لا تكون إلا بمبايعة أهل الحل والعقد للمرشح للإمامة، وعليه فإن أداءها واجب على الأمة كافة، ويعدّ من نقضها باغياً، والتارك لها من غير تأول يموت ميتة جاهلية؛ لحديث رسول الله (ص): (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)[١٥٥].
وقوله: (مات ميتة جاهلية) أي: مات كميتة أهل الجاهلية، وليس أنه مات على الكفر، كما فهمه بعضهم، قال النووي رحمه الله: «أي: على صفة موتهم، من حيث هي فوضى لا إمام لهم»[١٥٦].
وقال ابن حجر: «والمراد بالميتة الجاهلية -وهي بكسر الميم-: حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً»[١٥٧].
وهذه البيعة لا تقبل التعدد؛ لقوله (ص): «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»[١٥٨].
وتنخرم هذه البيعة، ويسقط واجب الطاعة إذا ما طرأ على الإمام الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله تعالى البرهان، أو طرأ عليه أمر يعجز معه عن القيام بأعبائها كالجنون ونحوه، كما هو مفصل في كتب الفقه والسياسة الشرعية [١٥٩].
البيعة الخاصة
وقد تكون البيعة بيعة صغرى جزئية خاصة، وللعلماء في هذا النوع من التحالف والعهد تفصيل:
فإذا كان موضوع التحالف مخالفاً للشرع فالعهد باطل؛ لقوله (ص): (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط؛ شرط الله أحق وأوثق)[١٦٠] وإذا كان العقد على أمر شرعي كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويكون العهد على طاعة من يرتضونه لعلمه، أو كفايته، فقد سوغها بعض العلماء. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية مشروعية هذا التعاهد، فقال: «ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإن كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا»[١٦١].
وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر عن النبي (ص) قال: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمّروا عليهم أحدهم)[١٦٢] بقوله: «فأوجب (ص) تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة»[١٦٣].
فتأمير الأمير وأخذ البيعة له أمر فطري، ونجد أنه كانت هناك إمارات تتم في ظروف خاصة لمهام خاصة، مثل: إمارة الحج، وإمارة السفر والقتال، ومنها: تأمير خالد بن الوليد في مؤتة، والأمر في هذه الإمارات والبيعات يتم بصورة طبيعية لا يفهم منها أنها تحل محل الإمارة أو البيعة العامة.
فالناس لهم أن يتعاهدوا على فعل أي طاعة من الطاعات، كالجهاد أو الدعوة، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم وهكذا، فلا يشترط لصحة هذه البيعات أن تكون على إقامة أحكام الإسلام كلها، وهذا أيضاً قد سبق بيانه فيما سقناه من أدلة.
كيفية البيعة
كيفيّتها أن يقول كل من أهل الحل والعقد المبايعين لمن يبايعونه بالخلافة: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ولا يحتاج ذلك إلى صفقة اليد، إلا إذا اقتضى الأمر التأكيد، كما حصل في مبايعة أبي بكر حين تخوّف عمر بن الخطاب الاختلاف بين المسلمين، قال لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار[١٦٤].
وكانت البيعة على عهد رسول الله (ص) وخلفائه الراشدين بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما مست يده الكريمة (ص) يد امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: بايعتك، أو أبايعك على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره[١٦٥].
فلما ولي الحجاج رتّبها أيماناً تشتمل على اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال، قال ابن القيم: «ومن هذه الالتزامات التي لم يلزم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها، الأيمان التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة...، فأحدث الحجاج في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين بالله تعالى، والطلاق، والعتاق، وصدقة المال، والحج»[١٦٦].
والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.
نقض البيعة
البيعة عهد وموثق يعطيه المسلم طائعاً مختاراً لربه، مستسلماً لمشيئته، مدافعاً عن دينه، فإذا كانت البيعة على الإسلام، فعهدهم أن لا يشركوا بالله شيئًا، وإذا كانت البيعة على الجهاد فعهدهم أن يبذلوا أنفسهم حمية لدينهم لا لأنفسهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وإذا كانت البيعة على النصرة فعهدهم أن يسمعوا ويطيعوا للقيادة المؤمنة، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله.
وقد حرّم الشرع على المسلم إذا بايع الإمام أن ينقض بيعته، أو يترك طاعته، إلا لموجب شرعي يقتضي انتقاض البيعة، كردة الإمام، فإن نقض البيعة لغير ذلك فهو حرام، وقد ورد النهي عنه في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[١٦٧].
فذكر الله سبحانه وتعالى بيعتهم لرسوله، وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم؛ إذ كانت يد رسول الله (ص) كذلك، وهو رسوله ونبيه، فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجراً عظيماً، فكل مؤمن قد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام وحقوقه، فناكث وموف، ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله أنه يخذل رسوله وأولياءه وجنده، ويظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم؛ وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به ربه ومولاه، ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد والطاعة، وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضا في قلوبهم، وأثابهم على الرضا بحكمه والصبر لأمره فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر[١٦٨].
فبيعة إمام المسلمين واجبة على كل مسلم، لا يسع أحد التنصل منها أو الخروج عليها ألبتة؛ لقول النبي (ص): «وستكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول)[١٦٩]. وقال (ص): (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع)[١٧٠].
فأمر بالوفاء ببيعتهم وطاعتهم، وذم من لم يبايع في قوله (ص): (ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)[١٧١].
وأمر بلزوم هذه البيعة في قوله (ص): «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»[١٧٢].
وقد قال أحمد بن حنبل: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، برًّا كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين»[١٧٣].
أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تجب إلا على من دخل فيها برضاه، فتجب عليه بالعهد الذي ألزم به نفسه، كأن يتعاهد اثنان على حفظ القرآن أو بعضه، فحفظ القرآن ليس بواجب على كل مسلم من حيث الأصل، أما إذا عاهد غيره عليه فقد وجب عليه الحفظ بالعهد لا بالأصل.
المبايَع
المبايَع هو الركن الثاني من أركان البيعة، وهو الرسول أو الإمام، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة، والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة، ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فعملية البيعة أو المبايعة هي في جوهرها وأصلها عقدٌ وميثاق بين طرفين: الأمير، أو الإمام المرشح لرئاسة الدولة، والجمهور، أما هو فيبايع على الحكم بالكتاب والسنة والنصح للمسلمين، وأما الجمهور المبايع فعلى الطاعة في حدود طاعة الله ورسوله[١٧٤].
وهذا يعني أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، لا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان، حيث قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾[١٧٥].
ونلحظ أن عقد البيعة يتضمن -دائماً- الشروط التي قبل المسلمون بمقتضاها تولية الحاكم، فقد كان الخليفة أو الإمام يعلن عن هذه الشروط، وإن اعتبرت معلنة ضمناً بعد عصر الخلافة الراشدة، فهذا أبو بكر الصديق يقول بعد أن بايعه المسلمون بالخلافة: «أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»[١٧٦].
ومن هذا الخطاب نستنتج أن البيعة لا تعطي الحاكم سلطة مطلقة كما يعتقد بعضهم، وإنما سلطات مقيدة، فالخليفة -أولاً: ملتزم بتنفيذ أحكام الشريعة «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله»، والمسلمون لهم حق المراقبة لأعمال الحاكم «فإن أسأت فقوموني»، بل لهم أن يعزلوه إن أساء وخالف أحكام الإسلام، وهناك إعلان آخر هام بالمساواة بين عناصر الأمة، وتطبيق العدل بين كل الناس، بصرف النظر عن قوة المحكوم أو ضعفه «والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه».
شروط المبايَع
كما أنه يشترط لأهل الحل والعقد شروط يجب توافرها فيهم؛ كالأمانة والعدل وحسن الرأي، فكذلك للخليفة المبايَع شروط يجب توافرها فيه، وبعض هذه الشروط مختلف فيها، وبعضها الآخر متفق عليه، فشرط الإسلام لم يختلف عليه أحد من أهل العلم؛ لأن مقتضى البيعة تطبيق شرع الله تعالى، وإقامة الحدود، وحراسة الثغور، فكيف سيطبق كافرٌ شرع الله تعالى، ويقوم بهذه الأعمال؟! بل إن كان مسلماً وطرأ عليه الكفر فإنه يعزل لكفره.
قال ابن حزم في بيان شروط الإمامة: «وأن يكون مسلماً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[١٧٧].
والخلافة أعظم السبيل؛ ولأمره تعالى بإصغار أهل الكتاب، وأخذهم بأداء الجزية»[١٧٨].
وقال النووي: «قال القاضي: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل»[١٧٩].
وفي بيعة الإمامة يجب أن يكون المبايع له مستوفياً لشرائط الإمامة من قرشيةٍ وغيرها، وقد تستثنى بعض الشروط لمن غلب بالقهر، أما في بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تلزم هذه الشروط؛ لأنها بيعات خاصة، فقد يبايع الناس من ليس بقرشي ولا مجتهد ولا حر، وهذا مستفاد مما جاء من الأدلة.
ولكي تكون البيعة واقعة على الوجه الصحيح لا بد من توافر بعض الشروط، وهي:
أن تجتمع في المأخوذ له البيعة الشروط المطلوبة في الإمام، وعلى هذا فلا تنعقد الإمامة لواحد فقد شرطاً من الشروط إلا في حال الضرورة، غير شرط الإسلام فإنه لا يسقط.
أن يكون الذين عقدوا البيعة للإمام هم أهل الحل والعقد، فإذا عقدها له غيرهم فلا تنعقد، يقول شمس الدين الرملي: «أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها»[١٨٠].
أن يقبل الشخص الذي عقدوا له الإمامة هذا المنصب، يقول الإمام النووي: «ويشترط لانعقاد الإمامة أن يجيب المبايع، فإن امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، إلا أن لا يكون من يصلح إلا واحد، فيجبر بلا خلاف»[١٨١].
الإشهاد على البيعة، وهو شرط اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البيعة لا تحتاج إلى إشهاد؛ لأنه لم يقم دليل من السمع على وجوب الإشهاد؛ ولا يوجب العقل ذلك، وممن قال بهذا الرأي إمام الحرمين الجويني، حيث قال: «ثم ربما كان الأمر ينجر إلى إنكار وجحود، ونزاع في مقصود، ومس الحاجة إلى شهود، وقد ندبنا إلى الإشهاد على البيوع...، والمسألة مظنونة مجتهد فيها»[١٨٢].
الثاني: وجوب الإشهاد عليها؛ وذلك لأنه لو لم يجب الإشهاد لم نأمن أن يدعي أناس انعقاد الإمامة لهم سرًّا، فيؤدي إلى الهرج والفتنة، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني[١٨٣].
الثالث: ينظر إلى عدد العاقدين، فإن كانوا جمعاً لم يشترط الإشهاد، وإن كان العاقد واحداً اشترط ذلك، وممن ذهب إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله حيث قال: «قلت: الأصح: لا يشترط إن كان العاقدون جمعاً، وإن كان واحداً، اشترط الإشهاد»[١٨٤].
ألا يقارن هذا العقد عقد لآخر؛ فلا يجوز أن تعقد الإمامة لأكثر من واحد، وقد أجمع العلماء أنه لا يصح أن تعقد البيعة لأكثر من إمام، سواء أكان ذلك التعدد حاصلاً بطريق الصدفة والاتفاق؛ أم غير ذلك، قال إمام الحرمين: «إن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد؛ متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه»[١٨٥].
وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [١٨٦].
والمقصود أنه يشترط في المختار عشرة أوصاف: أن يكون ذكراً، حرًّا، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، عدلاً، شجاعاً، عالماً، كافياً لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها، فإذا اختاروه على هذه المواصفات فقد تمت البيعة له من قبل الأمة، ولزمهم طاعته، وتنفيذ ما أمر به، وترك ما نهى عنه، إلا إذا أمر بمعصية الله فلا يطاع؛ لقوله: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف)[١٨٧].
دوام البيعة له
بيعة الإمام دائمة لا تنقطع إلا إذا مات الإمام، أو طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص في الدين، أو نقص مؤثر في البدن[١٨٨].
المبايع
الركن الثالث للبيعة هو المبايع، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم صنفان:
أهل الحل والعقد خاصة.
الأمة الإسلامية عامة.
ولهذا فالبيعة نوعان:
بيعة خاصة: يقوم بها أهل الحل والعقد، الذين يختارون فيما بينهم واحداً يكون أصلح الموجودين لتولي الإمارة، بحيث يتم الاختيار بحرية تامة دون إكراه.
بيعة عامة: وتأتي بعد البيعة الخاصة، وتكون عامة لكل الناس يأخذها الخليفة، أو الأمير بنفسه، أو من ينيبه عنه، وهي عبارة عن إعلان الولاء والطاعة والاعتراف بالأمر الواقع، وعدم الخروج على الجماعة [١٨٩].
فإذا بايع الإمام أهل الحل والعقد، وهم العلماء والفضلاء ووجوه الناس ثبتت ولايته، ولا يجب على عامة الناس أن يبايعوه بأنفسهم؛ وإنما الواجب عليهم أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى؛ لأن المقصود بذلك المجموع لا الجميع؛ لأنه لو كلف الناس كلهم أن يبايعوا ويباشروا البيعة لشق ذلك على السلطان نفسه، وللحق الناس من ذلك المشقة العظيمة، بل يكفي أن يبايع أهل الحل والعقد، ويكون الناس تبعاً لهم، قال المازري: «يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه ولا يشق العصا عليه»[١٩٠].
وقال النووي: «أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس...، ولا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه الانقياد له، وألا يظهر خلافاً، ولا يشق العصا»[١٩١].
١. عدد من تنعقد بمبايعتهم الإمامة:
ليس من شرط البيعة إجماع الناس عليها، ومبايعتهم جميعهم، كما هو مقرر عند العلماء في السياسة الشرعية، قال ابن جماعة: «ولا يشترط في أهل البيعة عدد مخصوص، بل من تيسر حضوره عند عقدها، ولا تتوقف صحتها على مبايعة أهل الأمصار، بل متى بلغتهم لزمهم الموافقة إذا كان المعقود له أهلاً لها»[١٩٢].
وقال المازري: «يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد، ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه، ولا يشق العصا عليه»[١٩٣].
وقال النووي رحمه الله: «أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه؛ فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق العصا»[١٩٤].
وقال أبو يعلى: «أما انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم يقول: هذا إمام، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم»[١٩٥].
وقيل: تنعقد بأقل من ذلك، وممن قال بعدم انعقادها إلا بجمهور أهل الحل والعقد المالكية والحنابلة، وقال المعتزلة بانعقادها بخمسة، وقال الشافعية بانعقادها بالأربعة والثلاثة والاثنين. وقال الحنفية بانعقادها بواحد[١٩٦].
والصواب ما قدمناه من أنه لا يشترط في البيعة إجماع الناس عليها، ولا عدد مخصوص.
والناظر في أدلة معظم هذه الأقوال التي فيها اشتراط عدد معين لا يجد فيها حجة ناهضة، أو دليلاً شرعيًّا معتبراً، وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بانتخاب الخليفة جمعٌ يتحقق في تنصيبهم له رضا المسلمين بأي أمارة من أمارات التحقق، سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين للأمة، أو كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أو مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة، أو بأي وسيلة من الوسائل، ما دام قد توفّر لهم التمكين التام من إبداء رأيهم، ولا يشترط كونهم أربعين، أو أكثر أو أقل، أو كونهم أهل العاصمة، أو الأقاليم والأمصار؛ لأن كل ذلك يرتبط بالحال والواقع الذي يشير إلى يسر وسائل الاتصال أو صعوبتها، فمع ثورة الاتصالات وإمكان التعرف على الآراء في وقت قصير يمكن بوساطة ما الاستدلال على الرضا والاختيار، فإن ذلك يعد من قبيل الوسائل التي يتم بها الواجب، وعلى هذا فإن الخلافة تنعقد إذا جرت البيعة من أكثر الممثلين لأكثر الأمة الإسلامية ممن يدخلون تحت طاعة الخليفة الذي يراد انتخاب خليفة مكانه، كما جرت الحال في عهد الخلفاء الراشدين، وتكون بيعتهم حينئذٍ بيعة عقد للخلافة، أما من عداهم فإن بيعتهم تصير بيعة طاعة.
٢. العبرة في البيعة بأهل الحل والعقد.
أهل الحل والعقد من المسلمين هم الذين يتولون اختيار إمام المسلمين وخليفتهم ولا عبرة بـقـول العوام في بيعة الانعقاد، قال القرطبي: «إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحلّ والعقد، أو بواحد على ما تقدّم، وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله (ص)، ومن تأبّى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين»[١٩٧]. وقد سبق قول الرملي: «أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها»[١٩٨].
والمقصود أن البيعة في إطارها العام تتكون من ثلاثة عناصر رئيسة:
أولها: الطرف الذي أخذت البيعة له، وهو الشخص الذي يتولى منصب الإمامة.
وثانيها: الطرف الذي أعطى البيعة لمن يستحق الإمامة، وهم أهل الحل والعقد خاصة، وجماهير الأمة الإسلامية عامة.
وثالثها: موضوع البيعة، وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقاً لكتاب الله وسنة رسوله (ص) .
آثار البيعة
وحدة الكلمة وجمع الشمل
من آثار البيعة وحدة الكلمة، وجمع الشمل، ومن المعلوم أن الاجتماع في شريعة الإسلام له أهمية كبرى، بل هو من مقاصد الشريعة؛ فالإسلام دين الاجتماع، ينهى عن الفرقة، ويأمر باجتماع الكلمة تحت لواء واحد، وسلطان واحد، وإمام واحد، ولهذا شرعت الجمع والجماعات من أجل الاجتماع، ومنع من إقامة جماعتين في آن واحد؛ لئلا تتفرق الكلمة.
ومن أجل هذا المقصد العظيم شرع الاجتماع على ولي أمر واحد، ومبايعته، وعدم منازعته، أو الخروج عليه.
ونجد أن الشارع الحكيم قد رتب القتل، وأمر به نتيجة الخروج على الإمام، مما يدل على حرمة هذا الفعل؛ لأنه به يحصل النزاع والشقاق، قال (ص): «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه» [١٩٩].
وقال (ص): «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» [٢٠٠].
وهذا يدل على أهمية اجتماع الناس على البيعة؛ لما لها من أهمية في استقرار المجتمع، وجمع الشمل، ووحدة الصف.
وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو المسلمين، وتأمرهم بالاجتماع والتآلف، وتنهى عن التفرق والاختلاف المؤديين إلى التنازع والفشل، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[٢٠١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[٢٠٢].
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[٢٠٣].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعاً جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق والاختلاف؛ لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحداً لا ينازعه أحد؛ إذ إن وجود إمامين فأكثر يؤدي إلى غيرة أحدهما من الآخر، ومنافسته له، ومحاولة التعالي عليه، ومن ثم إلى الشقاق والتناحر لا محالة، وهذا مما نهى الإسلام عنه، فدل على وجوب أن يكون إمام المسلمين واحداً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق بأن الحاكم في الدولة الإسلامية إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد، وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فإنه يجب على المسلمين جميعاً مبايعته، والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه؛ حفاظاً على وحدة الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها[٢٠٤].
ومن أجل هذا أوجب النبي (ص) البيعة بقوله: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»[٢٠٥]. فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة، والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع مات على الضلال؛ ومن هنا ندرك أهمية إعطاء البيعة، والوفاء بها، وليس هذا في الإمامة العظمى فقط، بل حتى فيما دون ذلك. وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر عن النبي (ص) قال: {{نص حديث|لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا عليهم أحدهم)[٢٠٦] قائلاً: «فأوجب (ص) تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة...، فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات»[٢٠٧].
ولأن البيعة الغرض منها اجتماع الناس على إمام واحد وجمع الكلمة، فقد ورد أن ابن عمر ما- كان من عادته عدم البيعة في حال الاختلاف، وكان يبايع عند اجتماع الكلمة.
فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر أنه قال: «ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة»[٢٠٨].
وقد روى البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت عبد الله بن عمر حيث اجتمع الناس على عبدالملك، قال: «إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بنيّ قد أقرّوا بذلك»[٢٠٩].
قال ابن حجر: «قوله: (حيث اجتمع الناس على عبد الملك) يريد ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة، وهما: عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير»[٢١٠].
وقال: «وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك، واستقام له الأمر بايعه»[٢١١].
وأمر النبي (ص) بالسمع والطاعة، فقال: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة»[٢١٢].
قال المناوي: «وهذا حث على السمع والطاعة للإمام ولو جائراً؛ وذلك لما يترتب عليه من اجتماع الكلمة، وعز الإسلام، وقمع العدو، وإقامة الحدود، وغير ذلك، وفيه التسوية في وجوب الطاعة بين ما يشق على النفس وغيره، وقد بين ذلك في رواية بقوله: (فيما أحب وكره)[٢١٣]، ووجوب الاستماع لكل من تجب طاعته، كالزوج والسيد والوالد، واستدل به على أن الإمام إذا أمر بعض رعيته بالقيام ببعض الحرف والصنائع من زراعة وتجارة وعمل أنه يتعين على من عينه لذلك، وينتقل من فرض الكفاية إلى فرض العين عليه بتعيين الإمام»[٢١٤].
وجاء عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله (ص) على العسر واليسر، في المنشط والمكره، على أن نقول، أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم)[٢١٥].
وهذه الطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره لولي الأمر لا تنافي النصح، فالدين النصيحة حتى لأئمة المسلمين، فلا يعني أن الإنسان إذا أسدى النصيحة لولي الأمر أنه يكون قد نقض بيعته، وانتقص حقه.
قال ابن جماعة: «وعلى طائفة الأمير امتثال أمره، والتزام طاعته، والرجوع إلى تدبيره ورأيه لتكون الكلمة مجتمعة والآراء متفقة، فإن الخير في اجتماع الكلمة، فإن ظهر لبعضهم صواب خفي على أميره، بينه له بأدب، وإن نابهم أمر رفعوه إليه»[٢١٦].
وكما أن للناس حقوقاً على ولي الأمر فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة، ونحو ذلك مما فيه منفعة له؛ ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان سلفنا الصالح من عهد النبي (ص) إلى يومنا هذا، حتى وإن نالهم شيء منهم، كما حصل للإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول: «لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحاً للمسلمين»[٢١٧].
وقال: «إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد»[٢١٨]، وذلك اتباعاً لما يعلمونه من شرع الله عز وجل، وإيماناً منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، ولا يعرف ذلك إلا من جربه.
تأييد الله سبحانه وتعالى ومباركته
ومن آثار البيعة تأييد الله سبحانه وتعالى للمتبايعين، ومباركته لهم، وفيض نعمه عليهم بسبب مبايعتهم، ووفائهم مع ربهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[٢١٩].
قال السعدي: «هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي (بيعة الرضوان)، التي بايع الصحابة فيها رسول الله (ص) على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها»[٢٢٠]. وهؤلاء الموفون بالبيعة، وما عاهدوا الله ورسوله عليه كانت عاقبة صدقهم تأييد الله لهم، وكبت أعدائهم، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
والحصر المفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ حصر الفعل في مفعوله، أي: لا يبايعون إلا الله، وهو قصر ادعائي بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله، فنزل الغرض منزلة الوسيلة، فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول[٢٢١].
فلما كانوا صادقين مع الله في تلك المبايعة أيدهم ونصرهم، وآتاهم أجراً عظيماً، وجعل يده فوق أيديهم، قال ابن كثير: «أي: هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله (ص)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٢٢٢].[٢٢٣]
فهؤلاء في حقيقة الأمر أنما ﴿يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ ويعقدون العقد معه، وقوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[٢٢٤] أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، فقوة الله تعالى وقدرته ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، كما يقال: اليد في هذه المسألة لفلان، أي: الغلبة والنصرة له، أو المعنى: يد الله تعالى بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم».
والمراد بهذه الجملة زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات، وتقرير أن عقد الميثاق من الرسول (ص) كعقده مع الله تعالى؛ ولهذا قال: ﴿فَمَن نَّكَثَ﴾[٢٢٥] فلم يف بما عاهد الله عليه ﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾[٢٢٦] أي: وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له[٢٢٧].
قال سيد قطب: «أما الحديث عن الوفاء بالبيعة، والنكث فيها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[٢٢٨].
فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين، وتعظيم شأن البيعة، والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين؛ وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات، فهي إشارة عابرة، تدل على ضعف موقف هذه الطائفة»[٢٢٩].
والمقصود أن جملة ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[٢٣٠] فيها ترغيب في الوفاء، وفيها دلالة أن الله حاضر معهم بتأييده ونصره إن هم صدقوا في البيعة، وعزموا الوفاء، وأخلصوا النية، وقد حصل هذا منهم رضوان الله عليهم .
ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات أنه يجب الإيمان بها، وتفويض كيفيتها إلى الله تعالى، وترك تأويلها، وإن كان ابن كثير -كما سبق- قد قال: إن المعنى هو أنه سبحانه وتعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله.
ثم بيّن سبحانه سوء عاقبة الناكثين، فقال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾[٢٣١] أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه، فمن نكث البيعة، ولم يف بما بايع عليه فإنما نكثه راجع عليه؛ لأنه يحرم نفسه الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة، والتأييد والنصر في الدنيا.
قال ابن كثير: «وقد قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به، من مكر، أو بغى، أو نكث، وتصديقها في كتاب الله: ﴿ِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[٢٣٢]. ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾[٢٣٣]. ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾[٢٣٤]».[٢٣٥]
فالإنسان الذي يخدع تحيق به خديعته، والإنسان الذي ينكث في عهده ويغدر يتسبب في إصابة نفسه وهلاكها، كذلك الإنسان الذي يبغي ويظلم عقوبته على نفسه في النهاية؛ ولذلك قيل: لا تمكر ولا تعن ماكراً، ولا تخدع أحداً؛ لأن خداعك سيعود عليك، ولا تبغ ولا تعن باغياً، ولا تظلم ولا تعن ظالماً، فهذه الأعمال بعواقبها، فمن مكر بغيره مكر به، ومن بغى على غيره فالبغي في الحقيقة عليه، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
ثم بيّن سبحانه جزاء الموفين، فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾ أي: أتى به كاملاً موفراً ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.
والمقصود أن النصر والتأييد حليف الموفين ببيعتهم وعهودهم مع الله ورسوله، والخذلان رفيق الناكثين الباغين.
يقول سيد: «وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة، وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة، إنّ وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة -ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة»[٢٣٦].
رضوان الله تعالى والأجر العظيم في الآخرة
لما كانت البيعة هي التعاهد والتعاقد على الالتزام بالإسلام، أو بعض شرائعه، كالمبايعة على الجهاد، وبذل النفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه، ونصرة نبيه، فالموفي بهذه البيعة ينال رضوان الله تعالى، والأجر العظيم في الآخرة، وقد قال الله تعالى في شأن أصحاب بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٢٣٧].
فالله تعالى هنا يخبر عن رضاه عن المؤمنين؛ إذ يبايعون الرسول (ص) تلك المبايعة التي بيّضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها: بيعة الرضوان، لرضا الله عن المؤمنين فيها- أن رسول الله (ص) لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت، معظماً له، فبعث رسول الله (ص) عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله (ص) من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا[٢٣٨]. فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات[٢٣٩].
فيا له من فوز! ويا له من رضوان!؛ لأن مصدره من الله العظيم لعبيده الضعفاء، فقد أنال المبايعين رضوانه، وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[٢٤٠].
وشهد لهم بإخلاص النية، وأنزل السكينة على قلوبهم، ووعدهم بفتح قريب، ومغانم كثيرة.
فالله سبحانه وتعالى يرضى ويرضي، يرضى عن عباده المحسنين، ويرضيهم بإحسانه، كما قال سبحانه عن النفس المؤمنة: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[٢٤١].
ففي الجمع بين صفة الرضا للنفس والرضا من الله عنها، إشارة إلى أن هذا الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم متصل؛ لأنه مستمد من رضا الله عنها، وأنه ليس مجرد شعور يطرقها، أو خاطر يطوف بها، ثم يذهب هذا الشعور ويغيب هذا الخاطر مع موجات الخواطر والمشاعر التي تموج في كيان الإنسان، كلا إنه رضا لا ينقطع أبداً[٢٤٢].
وفي هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان، وهو رضا الله تعالى عنه ودخوله في زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته سبحانه ورحمته[٢٤٣]. «فيا لله! كيف تلقوا -أولئك السعداء- تلك اللحظة القدسية، وذلك التبليغ الإلهي؟! التبليغ الذي يشير إلى كل أحد في ذات نفسه، ويقول له: أنت، أنت بذاتك، يبلغك الله: لقد رضي عنك، وأنت تبايع تحت الشجرة، وعلم ما في نفسك، فأنزل السكينة عليك. إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[٢٤٤].
فيسعد، يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلاً في هذا العموم؟! ويقرأ أو يسمع: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[٢٤٥].
فيطمئن، يقول في نفسه: ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟! وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون واحداً واحداً أن الله يقصده بعينه وبذاته، ويبلغه: لقد رضي عنه، وعلم ما في نفسه، ورضي عما في نفسه، يا لله! إنه أمر مهول ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٢٤٦].
علم ما في قلوبهم من حمية لدينهم لا لأنفسهم، وعلم ما في قلوبهم من الصدق في بيعتهم، وعلم ما في قلوبهم من كظم لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز، وضبط لمشاعرهم ليقفوا خلف كلمة رسول الله (ص) طائعين مسلمين صابرين، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾[٢٤٧] بهذا التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هينة وهدوء ووقار، تضفي على تلك القلوب الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة برداً وسلاماً وطمأنينة وارتياحاً ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٢٤٨] هو هذا الصلح بظروفه التي جعلت منه فتحاً، وجعلته بدء فتوح كثيرة، قد يكون فتح خيبر واحداً منها، وهو الفتح الذي يذكره أغلب المفسرين على أنه هو هذا الفتح القريب الذي جعله الله للمسلمين، ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ إما مع الفتح إن كان المقصود هو فتح خيبر، وإما تالياً له إن كان الفتح هو هذا الصلح الذي تفرغ به المسلمون لفتوح شتى»[٢٤٩].
واللام في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هي الموطئة للقسم[٢٥٠]. والرضا: ما يقابل السخط ژگ گژ عن جميع المؤمنين، وهم أهل الحديبية الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وقد علم الله ما في قلوبهم من الصدق والإيمان، وولاء وتسليم لله، مع ما كانوا يجدون في صدورهم من حرج في التوفيق بين ما جاءوا له، وهو دخول المسجد الحرام، وبين هذا الصلح، فرضى الله عنهم لمبايعتهم رسول الله (ص) وصدقهم في بيعتهم.
و﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ ظرف متعلق ﴿رَضِيَ﴾، وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضا ما يفهم أن الرضا مسبب عن مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو إليه...، والمضارع في قوله: ژگژ مستعمل في الزمان الماضي؛ لاستحضار حالة المبايعة الجليلة[٢٥١].
والتعريف في الشجرة للعهد، وهي: الشجرة التي عهدها أهل البيعة حين كان النبي (ص) جالساً في ظلها، وهي شجرة من شجر السّمر -بفتح السين المهملة وضم الميم- وهو شجر الطلح...، وذكر تحت الشجرة؛ لاستحضار تلك الصورة تنويهاً بالمكان، فإن لذكر مواضع الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصوراً؛ ولما في تلك الحوادث من ذكرى مثل مواقع الحروب والحوادث، كقول عبد الله بن عباس: «ويوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله (ص) وجعه»[٢٥٢] الحديث[٢٥٣].
وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله تعالى، فأمر عمر بقطعها خشية الافتتان بها. قال الحافظ ابن حجر: «روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة، فيصلّون عندها، فتوعّدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت»[٢٥٤]. والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله)[٢٥٥]. أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾[٢٥٦] من الإيمان﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾؛ شكراً لهم على ما في قلوبهم، وزادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءً لهم، وشكراً على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
ووصف الفتح بأنه قريب وذلك لقرب زمانه؛ إذ كان على أيام من صلح الحديبية، ثم لقرب تناوله؛ إذ لم يلق المسلمون من أهل خيبر بلاء كثيراً، بل سرعان ما استسلم يهود خيبر ليد النبي (ص)، ونزلوا على حكمه[٢٥٧].
وإضافةً إلى رضوانه عنهم وعدهم سبحانه وتعالى مغانم، فقال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾[٢٥٨]، والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر، والأنعام والمتاع والحوائط، فوصفت بكثيرة لتعدد أنواعها، وهي أول المغانم التي كانت فيها الحوائط، وفائدة وصف المغانم بجملة: ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾[٢٥٩] تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل، ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريباً، وبشارة لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح[٢٦٠].
وقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾[٢٦١] أي: له العزة والقدرة التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر[٢٦٢].
وهو تعقيب مناسب للآيات قبله، ففي الرضا والفتح والوعد بالغنائم تتجلى القوة والقدرة، كما تتجلى الحكمة والتدبير، وبهما يتم تحقيق الوعد الإلهي الكريم[٢٦٣].
والمقصود أن في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[٢٦٤] أسلوباً تبشيريًّا وتنويهيًّا، كما هو ظاهر للذين بايعوا النبي (ص) في سفرة الحديبية تحت الشجرة...، والجملتان منطويتان كذلك على القصد التطميني والتبشيري الذي استهدفته آيات السورة.
وقد رويت بعض الأحاديث في فضل الذين بايعوا تحت الشجرة؛ منها:
حديث عن جابر قال: (قال النبي (ص) حينما بايعه الناس تحت الشجرة: (أنتم خير أهل الأرض)[٢٦٥].
وحديث أم مبشر، قالت: (سمعت رسول الله (ص) يقول عند حفصة: (لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة التي بايعوا تحتها أحد)[٢٦٦].
وكل هذه الفضائل لهم لما علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، والوفاء التام، وقد نوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾[٢٦٧] أي: من الإيمان والإخلاص، وكان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾[٢٦٨].
فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله جل وعلا أحاط بها، فأقدرهم عليها؛ وذلك من نتائج قوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم، فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به هو السبب لقدرة الضعيف على القوي، وغلبته له ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[٢٦٩].
فقوله: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾[٢٧٠] في معنى: لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في محله؛ وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا أحاط بها، فأقدرهم عليها؛ لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم...، وقد جاء ما يبين سبب رضوان الله تعالى عليهم، وهو بسبب أعمالهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[٢٧١] فكانت المبايعة سبباً للرضوان[٢٧٢].
وفي هذه الآية رد على طعن الرافضة في الصحابة رضوان الله عليهم، ولا سيما أصحاب بيعة الرضوان، الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن، وأقسم أنه رضي عنهم، وجعل ذلك مما يتعبد به المسلمون إلى آخر الزمان.
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٣٢٧.
- ↑ لسان العرب، ابن منظور ٨/٢٦.
- ↑ انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/٧٩.
- ↑ انظر: المعجم العربي الأساسي، جماعة من كبار اللغويين العرب، ص١٨٨.
- ↑ التوقيف ص١٥٣.
- ↑ جامع الأصول ١/٢٥٢.
- ↑ تاريخ ابن خلدون ١/٢٠٩.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١١٧.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١١.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١١.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٥٥.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٢٠٦.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٦٧.
- ↑ التحرير والتنوير ١/ص٢٨١٩.
- ↑ المفردات ص٥٩١.
- ↑ انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٠٠، تاج العروس، الزبيدي ٨/٤٠١.
- ↑ التعريفات ص١٥٣.
- ↑ انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي ١/٣١٧، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ١/٢٥٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/٦١٤.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي ص٢٣٤، فقد ذكر المبايعات له (ص) لا في خصوص يوم الفتح على حروف المعجم.
- ↑ أخرجه الطبراني في الأوسط ٣/٣٦٠، رقم ٣٤٠٢، والكبير ١٣/ ٧٣، رقم ١٨٠. وانظر: حياة الصحابة، الكاندهلوي ١/٣٠٦.
- ↑ في أسد الغابة مصقلة، وفي تاج العروس: مسفلة، وهو محلة بأسفل مكة.
- ↑ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، باب بيعة الناس رسول الله (ص) يوم الفتح ٥/٩٤.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٣٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤.
- ↑ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب الرعاة، باب القوم يظهرون رأي الخوارج لم يحل به قتالهم ٨/٣١٩، رقم ١٦٧٦٤.
- ↑ انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢/١١٧.
- ↑ الأحكام السلطانية، الماوردي ص١٥.
- ↑ تاريخ ابن خلدون ١/٢٣٩.
- ↑ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/٨٧.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن ١/٢٦٤-٢٦٥.
- ↑ مجموع الفتاوى ٢٨/٢٩٠-٢٩١.
- ↑ جامع العلوم والحكم ٢/١١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٠.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، ١/٢٦٤.
- ↑ انظر: مآثر الإنافة في معالم الخلافة، القلقشندي ١/٢٠ - ٢٣.
- ↑ انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ابن قاسم ٩/٥، الإمامة العظمى، الدميجي ص٢٢٢.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩١.
- ↑ جامع البيان، ١٧/٢٨١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٥٩٨.
- ↑ فتح القدير، ٣/٢٢٧.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب بيعة النساء، ٩/٨٠، رقم ٧٢١٤.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٩٩.
- ↑ انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٩/٣٩٤.
- ↑ الأم، ٤/٢١٩.
- ↑ انظر: بيعة النساء، محمد علي قطب ص٦٤.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ تفسير ابن رجب ٢/ ٤١٩.
- ↑ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢/٣٠١، رقم ٢٢٥٩.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٢٥/ ٨٩، رقم ١٥٧٩٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب قول النبي (ص): (سترون بعدي أموراً تنكرونها)، ٩/ ٤٧، رقم ٧٠٥٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٧٠، رقم ١٧٠٩.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١١.
- ↑ انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٢٦٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ٢/٣٩١.
- ↑ البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٥٠٩.
- ↑ البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٥٠٨.
- ↑ إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/١٠٤.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٦/ ٤٠٩.
- ↑ انظر: التيسير في القراءات السبع، أبوعمرو الداني ص٩٣، النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢/٢٤٦.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٦/٤٠٩.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب قول النبي (ص): (أحلت لكم الغنائم)، ٤/ ٨٥، رقم ٣١٢٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٥، رقم ١٨٧٦.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٣٩١.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الجنة تحت بارقة السيوف، ٤/ ٢٢، رقم ٢٨١٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، رقم ١٧٤٢.
- ↑ انظر: الوسيط، طنطاوي ٦/ ٤٠٩.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ٢/٣٩١.
- ↑ البحر المحيط ٥/٥٠٩.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٢٢/٢٢٣.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥/٣٠٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء، رقم ١٣٠٦.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٩٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب القضاء على الغائب، رقم ٧١٨٠.
- ↑ التحرير والتنوير ٢٨/١٦٦.
- ↑ مفاتيح الغيب، ٢٩/٢٦٦.
- ↑ أخرجه أبو داوود في سننه، رقم ٢١٥٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/٢٥٦: «إسناده جيد».
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٦/١٥١. قال محقق المسند ٤٢/٩٥: «حديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين».
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٣٢.
- ↑ سورة النور، الآية ٢.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٨/ ١٠٠.
- ↑ التحرير والتنوير ٢٨/١٦٦.
- ↑ فتح الباري ١/٦٤.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ صفوة التفاسير، الصابوني ٣/٣٤٢.
- ↑ الكشاف، الزمخشري ٤/٥٢٠.
- ↑ انظر: فتح الباري ١/٦٥.
- ↑ أخرجه الطبري في تفسيره ٢٣/٣٤٠. وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/١٠٠.
- ↑ في ظلال القرآن ٦/٣٥٤٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي (ص) بمكة، وبيعة العقبة، ٥/ ٥٥، رقم ٣٨٩٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، رقم ١٧٠٩.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أضواء البيان ٥/٣٣٠ بتصرف.
- ↑ النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣/٢١٦.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب(إذا جاءك المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
- ↑ سورة التغابن، الآية ١٦.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله (ص)، ٩/ ٩٤، رقم ٧٢٨٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توقيره (ص)، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، ٤/١٨٣٠، رقم ١٣٣٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/٧٧، رقم ٧٢٠٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، رقم ١٨٦٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/٧٧، رقم ٧٢٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ١/٧٥، رقم ٥٦.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس ٩/ ٧٨- ٧٢٠٥.
- ↑ انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/٢٢٠.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (إذا جاء المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٢.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢٣/٣٤١.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، رقم ٩٣٤.
- ↑ الطبقات الكبرى، ٨/ ١٤.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن ص٧٩٥ بتصرف.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ روح البيان، إسماعيل حقي ٩/٣٩٦.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٤٤/٥٥٦، رقم ٢٧٠٠٦، والنسائي في سننه، كتاب البيعة، بيعة النساء، ٧/١٤٩، رقم ٤١٨١، وابن حبان في صحيحه، باب بيعة الأئمة وما يستحب لهم، ١٠/٤١٧، رقم ٤٥٥٣، والطبراني في الكبير، ٢٤/١٨٦، رقم ٤٧١. وصححه الألباني في الصحيحة، رقم ٥٢٩.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب (إذا جاءك المؤمنات مهاجرات)، ٦/ ١٥٠، رقم ٤٨٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ٣/١٤٨٩، رقم ١٨٦٦.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (إذا جاء المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٢.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب (إذا جاءك المؤمنات مهاجرات)، ٦/ ١٥٠، رقم ٤٨٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ٣/١٤٨٩، رقم ١٨٦٦.
- ↑ فتح الباري، ١٣/٢٠٤ بتصرف.
- ↑ شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٣/١٠.
- ↑ أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ٨/ ١٦٨- ٦٨٣٠.
- ↑ انظر: المفصل في أحكام المرأة، عبد الكريم زيدان، ٤/٢٩٩ - ٣٥١.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب التحريض على القتال، ٤/ ٢٥، رقم ٢٨٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، ٣/ ١٤٣٢، رقم ١٨٠٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، ٤/٥٠، رقم ٢٩٦٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، رقم ١٨٦٠.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، ٣/ ١٤٨٣، رقم ١٨٥٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٦، رقم ١٨٦٠.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٣٥/٤٠١، رقم ٢١٥٠٩. قال محقق المسند: «إسناده ضعيف، لكن يشهد له قوله: (أن لا تسأل الناس شيئًا)، حديث عوف بن مالك عند مسلم ١٠٤٣».
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب بيعة النساء، ٩/ ٧٩، رقم ٧٢١٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، ٣/ ١٣٣٣، رقم ١٧٠٩.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٢٣/ ٢٢، رقم ١٤٦٥٣.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١.
- ↑ انظر: الشرح الكبير، الشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٩٨، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، الحطاب ٦/ ٢٧٩.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٣، رقم ١٨٥٦.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي، ٧/ ٤٩، رقم ٥٢٨٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ٣/ ١٤٨٩، رقم ١٨٦٦.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ٣٤/٣٩٤، رقم ٢٠٧٩٧.
- ↑ شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٢/٢٠٥.
- ↑ الاعتصام، ٢/ ١٢٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١.
- ↑ شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ١٢/ ٢٣٨.
- ↑ فتح الباري ١٣/٥.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب إذا بويع لخليفتين، ٣/١٤٨٠، رقم ١٨٥٣.
- ↑ انظر مسببات العزل في: الأحكام السلطانية، الماوردي ص١٧-٢٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب البيع والشراء مع النساء، ٣/ ٧١، رقم ٢١٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، ٢/ ١١٤١، رقم ١٥٠٤.
- ↑ مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢١.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ١١/ ٢٢٧، رقم ٦٦٤٧.
- ↑ مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٩٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ٨/ ١٦٨، رقم ٦٨٣٠.
- ↑ إعلام الموقعين، ابن القيم ٣/ ٦٢.
- ↑ إعلام الموقعين، ابن القيم ٣/ ٦٢.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ زاد المعاد، ابن القيم ٣/٢٧٧.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٦٩، رقم ٣٤٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، رقم ١٨٤٢.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ٩/ ٥١، رقم ٧٠٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٥، رقم ١٨٤٧.
- ↑ الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء، ص ٢٠- ٢٣.
- ↑ انظر: نظام الإسلام الحكم والدولة، محمد المبارك، ص٣٠ بتصرف.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٥.
- ↑ انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢/٢٣٨، السيرة النبوية، ابن هشام ٦/٨٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤١.
- ↑ الفصل في الملل والأهواء والنّحل، ٤/١٢٨.
- ↑ شرح صحيح مسلم، ١٢/٢٢٩.
- ↑ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ٧/ ٤١٠.
- ↑ روضة الطالبين ٣/٤٣٤.
- ↑ غياث الأمم ص٧٤.
- ↑ غياث الأمم ص٧٣.
- ↑ روضة الطالبين ١٠/٤٣.
- ↑ الإرشاد، الجويني ص٤٢٥.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب إذا بويع لخليفتين، ٣/١٤٨٠، رقم ١٨٥٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة، ٩/٨٨، رقم ٧٢٥٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، ٣/١٤٦٩، رقم ١٨٤٠.
- ↑ انظر مسببات العزل في: الأحكام السلطانية، الماوردي، ص ١٧-٢٠.
- ↑ انظر: البيعة في النظام السياسي الإسلامي، أحمد صديق عبد الرحمن، ص٣٤- ٣٥.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر ٧/ ٤٩٤.
- ↑ شرح صحيح مسلم، ١٢/ ٧٧.
- ↑ تحرير الأحكام، ابن جماعة ص٥٣.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر ٧/ ٤٩٤.
- ↑ شرح صحيح مسلم ١٢/ ٧٧.
- ↑ الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء ص٢٣.
- ↑ انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي ص٦ - ٧.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن ١/٢٧٢.
- ↑ نهاية المحتاج ٧/ ٤١٠.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، ٣/ ١٤٨٠، رقم ١٨٥٢.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٠٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٤٦.
- ↑ انظر: نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد ص٢٤٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١.
- ↑ أخرجه أحمد في المسند، ١١/ ٢٢٧، رقم ٦٦٤٧.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٩١.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر ١٣/ ١٩٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/٧٨، رقم ٧٢٠٥.
- ↑ فتح الباري ١٣/ ١٩٤.
- ↑ فتح الباري ١٣/ ١٩٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، ١/١٤٠، رقم ٦٩٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ٩/٦٣، رقم ٧١٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم ١٨٣٩.
- ↑ فيض القدير ١/ ٥١٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/٧٧، رقم ٧١٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٧٠، رقم ١٧٠٩.
- ↑ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ص٨٦.
- ↑ انظر: الفروع، ابن مفلح، ٢/١٢٠، الإنصاف، المرداوي، ٢/ ٣٩٨.
- ↑ انظر: الفروع، ابن مفلح، ٢/١٢٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، ص٧٩٢.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٥٧.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١١.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/٣٠٦.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٢.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ في ظلال القرآن ٦/ ٣٣١٥.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٤٣.
- ↑ سورة يونس، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٠.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٥٥٩.
- ↑ في ظلال القرآن ١/ ٣٧٢.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢/٣١٥، السيرة النبوية، ابن كثير ٣/٣١٩.
- ↑ انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٧٢.
- ↑ سورة الفجر، الآية ٢٨.
- ↑ انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٦/ ١٥٦٣.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ١٣/ ٢٧٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٥٣.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٢٦.
- ↑ انظر: الوسيط، طنطاوي ١٣/ ٢٧٥.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٧٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) ووفاته، ٦/ ٩، رقم ٤٤٣١.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٧٥.
- ↑ فتح الباري، ٧/ ٤٤٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، ٤/٥٠، رقم ٢٩٥٨.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، ١٣/ ٤١٧.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٩.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٩.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٧٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٥٨.
- ↑ انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٩٣.
- ↑ في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٢٦.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ٥/ ١٢٣، رقم ٤١٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، رقم ١٨٥٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة، ٤/ ١٩٤٢، رقم ٢٤٩٦.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٤٩.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢١.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ انظر: أضواء البيان ٣/ ٥٢ بتصرف.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم