التبليغ
التعريف
لفظ «التبليغ» مشتقّ من كلمة «البلوغ» و«البلاغ»[١]؛ بمعنى الإيصال التامّ الكامل للرسالة أو الخبر أو الفكرة أو الكلام إلى الطرف الآخر.
والمبلِّغ: هو من يسعى بكلّ جهده لإيصال مادّة التبليغ إلى مقصدها النهائي الذي هو فكر المخاطب وقلبه.
وقد جاءت كلمة التبليغ ومشتقّاتها في القرآن الكريم ٢٨ مرّة[٢]. وتوجد هناك، بطبيعة الحال، مصطلحات اُخرى ـ كالهداية، والدعوة، والموعظة، والتبشير، والتخويف، والإنذار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ـ ذات صلة وثيقة بمعنى التبليغ، إلّا أنّ أيّا منها لا يحمل ذات المغزى الثقافي لكلمة التبليغ في ما تعنيه من نقل الرسالة إلى المخاطب. ويُعتبر تبليغ رسالات الله سبحانه وترسيخها في قلوب الناس وعقولهم من أهمّ واجبات الأنبياء ومن يضطلعون بمهمّة مواصلة نهجهم، وأداء هذه الرسالة على درجة بالغة من الأهمّية، بحيث أكّد القرآن الكريم في خطابه للرسول (ص) بالقول: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾[٣]
فكان رسول الله (ص) يصف نفسه بالمبلِّغ قائلاً: «إنَّما أنَا مُبَلِّغٌ»[٤].[٥]
عوامل نجاح المبلّغ
إنّ نجاح أو فشل المبلّغين والمعنيّين بوضع الخطط التبليغيّة في تحقيق أهدافهم، يتوقّف على العوامل الخمسة التالية:
- دافع المبلِّغ.
- المادّة التبليغيّة.
- خصائص المبلِّغ.
- وسائل التبليغ.
- اُسلوب التبليغ.
وجميع هذه العوامل تحظى في الدين الإسلامي بالرعاية والاهتمام.
ويهدف هذا العنوان من خلال الاستلهام من القرآن والحديث ـ علاوةً على تقوية دافع التبليغ ـ إلى توعية المبلّغ وتعريفه بأهمّ ماينبغي إيصاله إلى المخاطب، وبالصفات والخصائص الضروريّة التي تضمن نجاح المبلّغ في أداء مهمّته، بالإضافة إلى تعريفه بوسائل التبليغ والأساليب المؤثّرة في نجاح المبلّغ. وفي مايلي نقدّم نبذة موجزة عن النصوص الإسلاميّة الواردة بشأن عوامل نجاح المبلّغ.[٦]
دافع المبلّغ
لا شكّ أنّ الدافع الذي يسعى إليه المبلّغ هو الذي يضمن ـ قبل أيّ شيء آخر ـ نجاحَ المبلّغ والخطّة التبليغيّة. وكلّما كان الدافع أقوى، كان الأمل بالنجاح أكبر. والتأمّل في النصوص الواردة بشأن مكانة التبليغ والمبلّغ في الإسلام يساعد على تقوية دافع كلٍّ من المبلّغ والمكلّف بوضع الخطّة التبليغيّة.
وتتحدّث هذه النصوص عن التبليغ كواجب إلهي ورسالة دينيّة، وتؤكّد على معطياته وبركاته على المبلّغ من جهة، وعلى عموم المجتمع من جهة اُخرى، وتصف التبليغ بأنّه قاعدة لإحياء الناس معنويّاً، وأنّه نصرة لله.
كما اعتبرت المبلّغ مندوبا عن الله، ومبعوثا عن الرسول، وممثّلاً لكتاب الله، وحجّةً لله على خلقه.
وأنّه ترجمان الحقّ، وسفير الخالق، وداعي الناس إلى الله. [٧]
وأنّه مجاهد يهبّ لنصرة الله بسلاح القول والقلم؛ أي إنّه ينهض بمهمّة الذود عن القيم الإنسانيّة ومكافحة الرذائل، ويدعو الاُمّة إلى السير نحو الغاية العليا للإنسانيّة.
وهكذا يتّضح لنا أنّ المبلّغ أفضل من آلاف العبّاد؛ وذلك لأنّ العابد همّه نجاة نفسه، وهمّ المبلّغ نجاة الناس وخدمة الخلق. ولذلك يُقال للعابد يوم القيامة: «اِنطَلِق إلَى الجَنَّةِ». [٨]
بينما يقال للمبلّغ: قِف ! تَشفَع لِلنّاسِ بِحُسنِ تَأديبِكَ لَهُم.
وهذه الفضائل ينالها كلّ مبلّغ تتوفّر فيه شروط المبلّغ الصالح، إلّا أنّ للمبلّغين الذين يقدّمون جهداً وإبداعاً أكثر في هداية الناس درجاتٍ من الكمال أكبر. والمبلّغ الذي يوافيه الأجل في أثناء أدائه لمهمّة تبليغ الإسلام في بلاد الشرك والكفر، يُحشر يوم القيامة كإبراهيم الخليل؛ اُمّة واحدة.
وعلاوةً على ذلك، فإنّ ما ورد في النصوص الإسلاميّة بشأن حقوق المبلّغ وثواب التبليغ إنّما جاء بصدد تقوية دوافع المبلّغين والمعنيّين بوضع الخطط التبليغيّة.
ومن المؤكّد أنّ المكانة الرفيعة للمبلّغ تُلقي على كاهله مسؤوليّة ثقيلة جدّا، والنصوص الواردة في هذا المجال وفي ما يخصّ المبلّغ المثالي، فيها من التحذير الشديد للمبلّغين. [٩]
رسالة المبلّغ
يُعتبر محتوى التبليغ ركناً آخر من أركان نجاحه، فكلّما كان محتوى التبليغ أكثر انسجاماً مع الموازين العقليّة والفطريّة، وكلّما كان يتمتع بثروة أكبر من الناحية الثقافيّة والفكريّة، فإنّ مدى نجاحه وتأثيره في النفوس سيكون أكبر.
وما جاء في الفصل الثالث تحت عنوان «رسالة المبلّغ» فهو ـ إلى جانب تعريف المبلّغ بأهمّ واجباته التبليغيّة والاتّجاهات الصحيحة في إبلاغ رسالته ـ يعكس ثراء الثقافة الإسلاميّة، وانسجامها مع المعايير الفطريّة والعقليّة.[١٠]
صفات المبلّغ
الركن الثالث من أركان نجاح المبلّغ هو صفاته وخصائصه الذاتيّة؛ فالمبلّغ يستطيع أن يتبوّأ مكانته الحقيقيّة كامتداد لطريق الأنبياء والذود عن القيم الدينيّة فيما لو توفّرت فيه الشروط العلميّة والأخلاقيّة والعمليّة التي يرى الإسلام ضرورة توفّرها في الدعاة إلى طريق الله والقيم الإنسانيّة والإسلاميّة. وسيأتي تفصيل هذه الصفات في الفصل الرابع من هذا العنوان.
وإذا لم يتوفّر في المبلّغ الحدّ الأدنى من هذه الصفات، فإنّ جهوده التبليغيّة سوف لا تعطي أيّة ثمرة، بل تنعكس عليه وعلى المجتمع بأضرار ومخاطر جمّة[١١]
وسائل التبليغ
إلى جانب الدافع القوي، والرسالة الثقافيّة الثرّة، والصفات الذاتيّة، التي يجب أن تتوفّر في المبلّغ، فهو يحتاج إلى الوسيلة من أجل النجاح في هذه المهمّة. والكلام أهمّ وسائل التبليغ، وهو ـ بمفهومه العام ـ الوسيلة التبليغيّة الوحيدة على امتداد التاريخ، وبواسطته ينقل المبلّغ رسالته إلى مخاطبيه على شكل موعظة، أو خطبة، أو مناظرة، أو نثر، أو نظم.
والمثير في هذا المجال هو أنّ الأحاديث الشريفة عدّت الكتابة من مصاديق الكلام، معتبرةً الخطّ لسان اليد. وعلى هذا الأساس، فإنّ وسائل الإعلام الحديثة، كالسينما والمسرح، تدخل أيضاً في عداد الأشكال المختلفة للكلام.
ويركّز الفصل الخامس من هذا العنوان على القدرة الخارقة والسحريّة للكلام، ولوسائل الإعلام، ولأساليب مخاطبة الناس. وأهمّ نقطة في هذا الفصل هي أنّ الكلام يعتبر من وجهة نظر الأحاديث الشريفة أقوى وسيلة لتحقيق الأهداف الثقافيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والعسكريّة.
إنّ وسائل الإعلام وشبكات الاتّصال الثقافي والمعرفي تعدّ اليوم أكثر تأثيرا وأمضى سلاحا من تأثير الآلات والمعدّات العسكريّة والاقتصاديّة، وقوّتها تفوق القوّة العسكريّة والاقتصاديّة. وهذا الأمر على درجة عالية من الأهمّية، وهو جدير بالالتفات إليه وأخذه بنظر الاعتبار من قِبل دعاة الإسلام، والمعنيّين منهم بالدراسة والتخطيط للعمل التبليغي، ودوائرِ الإعلام بصورة عامّة. ولكن ممّا يؤسف له أنّ هذا الأمر لم يحْظَ لحدّ الآن بالاهتمام المطلوب، واليوم يستخدم أعداء الإسلام هذا السلاح أكثر ممّا يستخدمه دعاة الإسلام.
يقول الإمام الخميني في هذا المجال: الإعلام مسألة حسّاسة، وهو ذو أهمّية بالغة؛ أي إنّ العالم كلّه يسير بالإعلام.
وأعداؤنا لا يستغلّون شيئاً كاستغلالهم لسلاح الإعلام، ونحن يجب علينا أن نعطي هذا الجانب اهتماماً فائقاً، ونهتمّ به أكثر من اهتمامنا بأيّ شيء آخر.[١٢]
الشيء المهمّ اليوم بالنسبة للمبلّغين والحوزات العلميّة ودوائر الإعلام الإسلامي ـ إضافة إلى استخدام الأساليب التقليديّة في التبليغ ـ هو مواكبة الزمن، وعدم تجاهل الأنماط الجديدة في التبليغ والإعلام، والتسلّح بالوسائل الحديثة في حقل الإعلام. [١٣]
اُسلوب التبليغ
وهذا هو الركن الخامس من أركان نجاح عمل المبلّغ؛ فالتبليغ فنّ باهر، والمبلّغ الكامل فنّان بارع. ومن هنا يجب على المبلّغ ـ إضافةً إلى الاهتمام بالعناصر الأربعة التي سبق ذكرها ـ الاهتمام بهذا العنصر الخامس؛ وهو اُسلوب التبليغ، وإلّا فهو غير جدير بحمل هذا العنوان.
فنّ التبليغ معناه: استخدام الأساليب الفاعلة والمؤثّرة وتجنّبُ الأساليب العقيمة في إيصال الرسالة المطلوبة إلى ذهن المخاطب. وسيأتي شرح هذا المعنى بالتفصيل في الفصلين السادس والسابع من هذا العنوان.[١٤]
أهمّ ملاحظة تبليغيّة
وفي الختام، فإنّ أهمّ ملاحظة يجب أن يهتمّ بها المبلّغون، هي أنّ فاعليّة الكلام لا تكاد تمثّل شيئاً في إبلاغ الرسالة الربّانيّة في مقابل فاعليّة العمل؛ فالكلام ذو طابع سحري، بيد أنّ للعمل مسحة إعجازيّة. وانطلاقاً من هذا الفهم كان أئمّة أهل البيت (ع) وكبار أعلام الإسلام يؤكّدون على التبليغ بالعمل أكثر من التبليغ بالقول. وقد جاءت في الفصل الثامن من هذا العنوان أمثلة من التأثيرات ذات الطابع الإعجازي للعمل في اجتذاب الناس نحو الإسلام والقيم الإسلاميّة.[١٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ البلوغ والبلاغ: الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى؛ مكانا كان أو زمانا أو أمرا من الاُمور المقدّرة. وربما يعبّر به عن المشارفة إليه وإن لم ينته إليه (مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٤٤ «بلغ»).
- ↑ آل عمران: ٢٠، النساء: ٦٣، المائدة: ٦٧ [مرّتين] و٩٢ و٩٩، الأنعام: ١٤٩، الأعراف: ٦٢ و٦٨ و٧٩ و٩٣، هود: ٥٧، الرعد: ٤٠، إبراهيم: ٥٢، النحل: ٣٥ و٨٢، الأنبياء: ١٠٦، النور: ٥٤، العنكبوت: ١٨، الأحزاب: ٣٩، يس: ١٧، الشورى: ٤٨، الأحقاف: ٢٣ و٣٥، القمر: ٥، التغابن: ١٢، الجنّ: ٢٣ و٢٨.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٤٨.
- ↑ مسند ابن حنبل: ج ٦ ص ٣٣ ح ١٦٩٣٤، المعجم الكبير: ج ١٩ ص ٣٨٩ ح ٩١٤ وص ٣٩٠ ح ٩١٥، كنز العمّال: ج ٦ ص ٣٥٠ ح ١٦٠١٠.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣٠٥-٣٠٦.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣٠٦.
- ↑ غرر الحكم: ج ٤ ص ٩٩ ح ٥٤٣٣.
- ↑ علل الشرائع: ص ٣٩٤ ح ١١، بصائر الدرجات: ص ٧ ح ٧، بحارالأنوار: ج ٢ ص ١٦ ح ٣٦.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣٠٧.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣٠٨.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣٠٩.
- ↑ صحيفه نور (بالفارسية): ج ١٧ ص ١٥٧.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣١٠.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣١١.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٩، ص ٣١١.