نبذة

الحسن بن أبي الحسن يسار[١]، «أبو سعيد البصري»، وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأُمّه خيرة مولاة أُمّ المؤمنين أُم سلمة.

ولد بالمدينة، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في زمن معاوية، وسكن البصرة.

روى عن: عمران بن حصين، و المغيرة بن شعبة، و عبد الرحمن بن سمرة، و النعمان بن بشير، وغيرهم.

روى عنه: أيوب، و شيبان النحوي، و يونس بن عبيد، و ابن عون، و ثابت البُناني، و مالك بن دينار، وآخرون.

وكان عالماً، فقيهاً، فصيحاً. له تفسير رواه عنه جماعة، وكتاب في فضائل مكة.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» إحدى وستين فتوى.

عن أبي سلمة التبوذكي، قال: حفظت عن الحسن ثمانية آلاف مسألة.

وعن عمران القصير، قال: سألت الحسن عن شيء، فقلتُ: إنّ الفقهاء يقولون كذا وكذا، فقال: وهل رأيت فقيهاً بعينك! إنّما الفقيه: الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربّه.

وأخبار الحسن كثيرة، وله مع الحجاج الثقفي مواقف، وقد سلم من أذاه، وكان تكلّم في القدر بالمعنى الذي خالف ما اعتمده وفرضه حكام بني أُميّة، ولمّا خوّفه بعض أصدقائه من السلطان وعد أن لا يعود.

عن أيوب، قال: نازلتُ الحسن في القدر غير مرة حتى خوّفته السلطان، فقال: لا أعود فيه بعد اليوم[٢]

وكان الأمويون يتخذون من مسألة القدر (المستلزم للجبر) أداة تبريرية لأعمالهم السيئة، وكانوا ينسبون وضعهم بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر.

وقد بعث الحسن برسالة إلى عبد الملك بن مروان يصف فيها القدر، وكان الأخير كتب إليه يسأله عنه.

وممّا جاء في هذه الرسالة: فلو كان الكفر من قضائه وقدره لرضي به ممّن عمله وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[٣] وقال: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى[٤]. ولم يقل والذي قدّر فأضلّ... وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى[٥] ولم يقل إنّ علينا للضلال، ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في السر، ربُّنا أكرم وأرحم، ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ[٦] ولقال: اعملوا ما قدرت عليكم... وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[٧] أي بيّن لها ما تأتي وما تذر، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[٨] فلو كان هو الذي دسَّاها ما كان ليخيب نفسه، تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.

وقال في رسالته: واعلم أيّها الأمير: إنّ المخالفين لكتاب الله تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثم لا يرضون في أمر دنياهم إلاّ بالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالجزم فيه، وذلك لثقل الحق عليهم، ولا يعوّلون في أمر دنياهم وفي سائر تصرّفهم على القضاء والقدر، فلو قيل لأحدهم: لا تستوثق في أُمورك، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك واتّكل على القضاء والقدر لم يقبل ذلك، ثم يعولون عليه في الذي قال[٩]

روى عبد الرزاق بن همام عن معمر قال: أخبرني من سمع الحسن يقول: يكفيك أن تمسح رأسك بما في يديك من الوضوء[١٠]

وروى أيضاً بسنده عن عكرمة والحسن قالا في هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[١١] قالا: تمسح الرجلين[١٢]

ومن كلام الحسن: ما أعزّ أحد الدرهم إلاّ أذلّه الله.

وقال: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لبٍّ فرحاً.

وقال: فضل الفَعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة.

وكان إذا دخل المقبرة قال: اللهمّ ربّ هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روْحاً مِنك وسلاماً منّا[١٣]

توفي بالبصرة سنة عشر ومائة.[١٤]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء ج ١

الهوامش

  1. الطبقات لابن سعد ٧: ١٥٦، التاريخ الكبير ٢: ٢٨٩، المعارف ٢٥٠، المعرفة والتاريخ ٢: ٣٢، الجرح والتعديل ٣: ٤٠، مشاهير علماء الأمصار ١٤٢ برقم ٦٤٢، الثقات لابن حبان ٤: ١٢٢، فهرست ابن نديم ٢٠٢، ذكر أخبار اصبهان ١: ٢٥٤، حلية الأولياء ٢: ١٣١، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ١٦٣ برقم ٢٣١، طبقات الفقهاء للشيرازي ٨٧، المنتظم ٧: ١٣٦، صفة الصفوة ٣: ٢٣٣، تهذيب الأسماء واللغات ١: ١٦١، وفيات الأعيان ٢: ٦٩، تهذيب الكمال ٦: ٩٥، تذكرة الحفّاظ ١: ٧١، سير أعلام النبلاء ٤: ٥٦٣، ميزان الاعتدال ١: ٥٢٧، العبر للذهبي ١: ١٠٣، تاريخ الإسلام للذهبي (سنة ١١٠) ص ٤٨، دول الإسلام ١: ٥٣، مرآة الجنان ١: ٢٢٩، البداية والنهاية ٩: ٢٧٨، غاية النهاية ١: ٢٣٥، النجوم الزاهرة ١: ٢٦٧، تهذيب التهذيب ٢: ٢٦٣، تقريب التهذيب ١: ١٦٥، طبقات الحفّاظ ٣٥، طبقات المفسرين للداوري ١: ١٥٠، شذرات الذهب ١: ١٣٦.
  2. طبقات ابن سعد ٧: ١٦٧، ترجمة الحسن بن أبي الحسن.
  3. سورة الإسراء، الآية ٢٣.
  4. سورة الأعلى، الآية ٣.
  5. سورة الليل، الآية ١٢.
  6. سورة فصلت، الآية ٤٠.
  7. سورة الشمس، الآية ٨.
  8. سورة الشمس، الآية ٩-١٠.
  9. راجع بحوث في الملل والنحل للشيخ السبحاني: ج١، تجد فيه بحثاً وافياً عن القدرية، وفيه أيضاً نص رسالة الحسن البصري.
  10. المصنّف: ١: ٩ برقم ١٧.
  11. سورة المائدة، الآية ٦.
  12. المصنّف: ١: ١٨ برقم ٥٣.
  13. العقد الفريد: ٣: ١١، القول عند المقابر.
  14. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٣٢٣.