الحياة في معارف الإمام الحسين وسيرته
التمهيد
مفهوم الحياة في قاموس عاشوراء من جود الإنسان فوق الأرض وكونه يتنفّس، بل ان امام عاشوراء لا يستسيغ إلّا «الحياة الطيبة» التي تتسم بالشرف والعزّة، انّ الموت بعزّة في هذا القاموس «حياة» والحياة الذليلة موت.
هذا الرأي في الحياة مستورث من قول علي(ع): «اَلْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَ اَلْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ»[١]، ولما رأى تسلط الجور على حياة المسلمين، قال أبو عبد الله(ع): «لاَ أَرَى اَلْمَوْتَ إِلاَّ سَعَادَةً وَ اَلْحَيَاةَ مَعَ اَلظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً»[٢]، وكان(ع) لا يرى الموت إلّا قنطرة: «فَمَا اَلْمَوْتُ إِلاَّ قَنْطَرَةٌ ...».
ولما عزم على السير من مكة إلى العراق حذّره اشخاص كثيرون من عواقب هذا المسير ومن غدر أهل الكوفة، فكان هو يردد هذا الأبيات:
| سأمضي وما بالموت عار على الفتى | اذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما | |
| وواسى الرجال الصالحين بنفسه | وفارق مثبورا وخالف محرما[٣] |
وهو ما يدل على انّه(ع) لا يرى الموت في طريق الحق والجهاد والتضحية اقتداء بالصالحين، عارا، بل انّه يرحّب بمثل هذا الموت الذي هو عين الحياة. واتباع هذه المدرسة يرون الحياة في الموت، والبقاء في الفناء، فالقاسم(ع) يرى الموت احلى من العسل، وعلي الأكبر(ع) لما سمع اباه يسترجع سأله: «أَ لَسْنَا عَلَى اَلْحَقِّ»؟!. قال: نعم، قال: «إِذاً لاَ نُبَالِي؛ نَمُوتُ مُحِقِّينَ!».
وفي ليلة عاشوراء اذن لأصحابه بالإنصراف، وقال لهم: «انتم في حلّ منّي». فكان قولهم جميعاً: انذهب لنحيى بعدك؟ لا أتى الله بذلك اليوم. وقال ابناء مسلم بن عقيل: نقاتل بين يديك حتّى نقتل، تعسا للحياة بعدك[٤].
وفي نهار عاشوراء تكلّم زهير بن القين مع الشمر، فهدده الشمر، فقال له زهير: «أبالموت تهددني؟ والله للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم»[٥].
فان كانت الحياة غير هذه، فهي في ظاهرها حياة ولكنّها في حقيقتها الموت بعينه، من مزايا الحياة ان تزخر بمعالم الحياة وخصائصها، وان يسير الإنسان قدماً في ظل العقيدة والإيمان، كما وصفها الشاعر بالقول:
| قف دون رأيك في الحياة مجاهداً | إنّ الحياة عقيدة وجهاد |
والقرآن الكريم يعبّر في وصف الشهداء بالقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[٦]؛ أي انّ أجسادهم وان دفنت تحت التراب إلّا ان اسمهم وهدفهم باق، وهذا هو معنى الحياة.[٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة للشيخ صبحي الصالح: الخطبة ٥١.
- ↑ المناقب لابن شهر اشوب ٤: ٦٨.
- ↑ مقتل الحسين للمقرّم: ١٩٩.
- ↑ الكامل لابن الاثير ٢: ٥٥٩.
- ↑ نفس المصدر السابق: ٥٦٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
- ↑ جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ١٤٩.