المدائح والمراثي

لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

تمهيد

«المدائح »: جمع مدحة، بمعنى الثناء على الصفات الحميدة عند الممدوح والإشادة بها.

«المراثي »: هي شرح أوصاف الميّت والتوجّع عليه أو نظم الأشعار على الفقيد والبكاء عليه. وفي أيّام محرّم خاصّة تقام المجالس التي تقرأ فيها المراثي والقصائد في ذكر مصائب وكيفية استشهاد الأولياء وخاصّة شهداء كربلاء.

من جملة الامور التي كان الأئمة(ع) يولونها التشجيع ويدعون أتباعهم إليها من أجل تخليد تلك المواقف البطولية وأحياء مدرسة عاشوراء هي قراءة القصائد الحسينية، أي يكون النظم ذا وزن وقافية ولحن مؤثر. وقد اتّخذت قصائد الرثاء الحسيني كسلاح للدفاع عن الحقّ والثناء على الصدق والصادقين. وبرز على مدى تاريخ الشيعة شعراء بارزون من أمثال: الفرزدق، وعوف بن عبد الله، والكميت، وعبد الله بن كثير، ودعبل، والسيد الحميري و... غيرهم ممّن أبرزوا فضائل أهل البيت في أروع وابهى صورة، ونظموا أشجى الشعر وأكثره لوعة وحرقة على شهداء كربلاء [١].

من الطبيعي إن القصائد السياسية للشعراء الموالين في مدح ورثاء أهل البيت تتضمن بشكل ضمني نقداً لخلفاء وحكام الجور، لقد كان الشعر الديني يركز قبل كلّ شي على نشر مبادئ الدين وأحياء حقائق الإيمان في القلوب والنفوس، لكي تجري في الاوردة دماء ساخنة من التحمس والالتزام. ولهذا السبب كان شعراء الشيعة الكبار مصدر خطر دائمي على الحكام لأنهم يذكّرون حقائق الدين والصفات اللازم توفّرها في الحاكم الديني عبر مدحهم لآل محمد(ص)، وهم أنما يلفتون الأنظار والقلوب إلى الحق وحكومة الحق من خلال ذكرهم للصفات الحميدة التي يتّصف بها الأئمّة ومقارنتهم بمدى الضحالة والتفاهة التي يتّصف بها الحكام.

وهذا الأسلوب مستقى من توجيهات الأئمة بقولهم وعملهم حيث كانوا يؤازرون الشعراء الملتزمين، والمتديّنين ممن ينظمون القصائد والمراثي، ويتعاهدونهم بالتكريم والرعاية. ووردت في هذا المجال أحاديث جمّة تؤكد خاصة على نظم الأشعار في رثاء الحسين(ع) بقصد الذكر والاحياء وإبكاء المحبين على تلك المصائب.

قال الإمام الصادق(ع) في هذا: «مَنْ قَالَ فِينَا بَيْتَ شِعْرٍ بَنَى اَللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ ». [٢] ونقل عنه أيضاً: «مَا مِنْ أَحَدٍ قَالَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْراً فَبَكَى وَ أَبْكَى بِهِ إِلاَّ أَوْجَبَ اَللَّهُ لَهُ اَلْجَنَّةَ وَ غَفَرَ لَهُ» [٣]، واوصى الإمام الرضا(ع) دعبلاً بالقول: « يَا دِعْبِلُ اِرْثِ اَلْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَنْتَ نَاصِرُنَا وَ مَادِحُنَا مَا دُمْتَ حَيّاً فَلاَ تُقَصِّرْ عَنْ نَصْرِنَا مَا اِسْتَطَعْتَ». [٤]

وهذه التأكيدات تعكس بكل وضوح منهج الأئمّة في رعاية الشعر والمراثي التي تخلّد واقعة كربلاء وتذكر فضائل سيّد الشهداء ومناقبه وفداحة الظلم الذي لحق به. ووقف كبار علماء الشيعة نفس الموقف وحذوا حذو الأئمة في هذا المورد.

من البديهي ان السير على مثل هذا المنهج كان يجلب المشاكل والمصائب على شعراء أهل البيت، فقضوا أغلب ايّامهم إما في السجون مطاردين. وقد تواصل هذا المنهج المقدس الذي يضمن نقل فكر عاشوراء إلى الأجيال التالية، ولا زالت العواطف والمشاعر تثار بواسطة القصائد الحماسية والرثائية وبها تستذرف الدموع التي هي اللسان المعبر عن حالة القلب، وتعمل على تثبيت الإنسان الملتزم على خط الحسين وكربلاء.

ثمة جملة من النقاط الواجب مراعاتها في أشعار المدح والرثاء وهي:

  1. ان تخطى الأشعار بالرزانة والدقّة، وان تكون مسندة وموثّقة، وتتجنّب الكلام الواهن الذي لا يقوم على دليل، وأن تبتعد عن نقل المواضيع الكاذبة والملفّقة أو الضعيفة، والتي قد تنطوي احياناً على اساءة للأئمة المعصومين.
  2. لمّا كان الشعر والمدائح والمراثي أداة لنقل الثقافة، فلا بد وأن تكون قيما رفيعة ومضامين ذات مغزى عميق، لتمنح المجتمع الإسلامي ومحبّي أهل البيت البصيرة وعمق الرؤية وسعة الادراك في النظر إلى الأمور.
  3. في نفس الوقت الذي تتحلى به القصائد بالجزالة ومتانة السبك، يجب أن لا تكون مبهمة وغامضة على السامع والقارئ، فتفقد تأثيرها ولا ينتفع من مضامينها عامة الناس.
  4. يتعيّن عدم فسح المجال أمام الأشعار المبتذلة والضعيفة تحت ذريعة كونها أشعارا دينية، بل لا بد وان تكون قصائد المدح والرثاء في غاية البلاغة والفصاحة، مثلما يلاحظ على شعر رواد العصر الأول في أيّام الأئمّة والأدوار اللاحقة.
  5. يجب على شعراء المدائح والمراثي ادراك أهمية مكانتهم ليكونوا في غاية الاخلاص والتقوى والنزاهة والثبات على المبدأ وعلى محبّة أهل البيت، وليعلموا انهم ينتمون إلى مدرسة شخصيات كبرى من أمثال دعبل والكميت، واذا أرادوا لأنفسهم أن يشملهم دعاء الأئمة فما عليهم إلّا أن يلزموا انفسهم بما تتطلبه مكانتهم من لياقة في الفكر والعمل والاخلاق.
  6. يجب على شعراء أهل البيت إثبات التزامهم برسالتهم الأجتماعية وتمسّكهم بنهجهم الشيعي مع مراعاة ظروف الزمان والمكان. وان تكون أشعارهم رسالية وهادفة.
  7. أن نظم القصائد التي تليق بمكانة أهل البيت تستدعي ان يملك الشاعر المعلومات العميقة والوافية. وعلى هذا يجب على شعراء المراثي مطالعة النصوص والمصادر، وأن يمزجوا اشعارهم بالحماس والمشاعر، وينظموا القصائد الجزلة والغنية وذات الجوهر العميق.[٥]

المراجع والمصادر

  1.   جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء

الهوامش

  1. يتناول كتاب «أدب الطف» ويتألف من عشرة مجلدات دراسة الشعراء والأشعار من القرن الأول وحتّى القرن الرابع عشر، والتي نظموها حول الحسين وواقعة الطف.
  2. وسائل الشيعة ١٠: ٤٦٧، بحار الانوار ٧٦: ٢٩١.
  3. رجال الشيخ الطوسي: ٢٨٩.
  4. جامع أحاديث الشيعة ١٢: ٥٦٧.
  5. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ٤١٥.