النفخ في الصور في علم الكلام
تمهيد
تُشير مجموعة من الآيات والروايات أنه مع انهدام نظام العالم ودنو يوم القيامة، ستقع حادثتان عظيمتان ومتشابهتان، ينتج عن الحادثة الأولى صعق كل الموجودات الأرضية والسماوية – إلا ما شاء الله – وموتها، وينتج عن الحادثة الثانية بعثة الناس من القبور وحضورهم في المحشر بين يدي الله سبحانه وتعالى، أطلق القرآن على هاتين الحادثتين (النفخ في الصور).
مثَل الصور مع نفختيه مثل ما يصنع في القوافل من أجل الإعلان عن تحرّك القوافل أو توقفها، فينفخ في الصور مرة أن اسكتوا وتهيؤا للحركة وينفخ مرة أخرى أن قوموا وتحركوا، من هنا فإنّ ظاهر الآيات التي ذكرت (النفخ في الصور) تُشير إلى أنه سيتم الإعلان بصوت مُهيب وصيحة شديدة عُبِّر عنه بالنفخة الأولى أو نفخة الصعق، التي تُعلن توقف قافلة الحياة، فتموت كل الموجودات وينتهي عمر العالم ويدنو وقوع يوم القيامة، ثمّ يتم الإعلان عن استمرار قافلة الحياة من جديد بالنفخة الثانية والتي تسمي نفخة البعث. كما لا شكّ في أننا لا يُمكننا إدراك حقيقة هذه الأحداث إلا بهذه المفاهيم المحسوسة التي تقدّم لنا تصوراً مبهماً عن تلك الأحداث. أشار القرآن إلى النفختين في آية واحدة من سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[١] وتُشير آيات أخرى إلى أنّ انهدام العالم يبدأ بعد النفخ في الصور: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾[٢]، وبعد النفخة الثانية يبعث الناس على شكل جماعات ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾[٣] ويحضرون بين يدي الله عزّوجلّ[٤]، يمرّ الإنسان في أحوال وأهوال تنحلّ فيها حتى الروابط الأسرية[٥].
ذكر القرآن ستة تعابير مختلفة تعبّر عن هذه الواقعة منها: (الصيحة)﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾[٦]، (النقر)﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾[٧]، (الصاخة)﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [٨]، (الزجرة)﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [٩].
لم توضح الآيات القرآنية كيفية وقوع هاتين الحادثتين وماهيّة الصور إلا أنّ الروايات التي وصلتنا بيّنت جزئيات كثيرة، مثلاً: الرواية التي تُشير إلى أنّ الله عزّوجلَّ يأمر إسرافيل فيهبط إلى الدنيا ومعه الصّور، وللصّور رأس واحد وطرفان، وبين رأس كلِّ طرف منهما إلى الآخر مثل ما بين السماء والأرض، فإذا رأت الملائكة إسرافيل قد هبط إلى الدنيا ومعه الصور، قالوا: قد أذن الله في موت أهل الأرض، وفي موت أهل السماء، قال: فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت المقدس، وهو مستقبل الكعبة، فإذا رآه أهل الأرض قالوا: قد أذن الله تعالى في موت أهل الأرض، فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطّرف الذي يلي الأرض، فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات، ويخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماوات، فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق ومات إلا إسرافيل. قال: فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مُتْ، فيموت إسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثمّ يأمر السماوات فتمور، ويأمر الجبال فتسير[١٠] ... ثمّ ينفخ في الصور مرة أخرى[١١] فيعود الناس للحياة من جديد للحشر والحساب[١٢].[١٣]
النفخ في الصور
النفخ في الصور هو أحد المنازل الأخرى في الحياة بعد الممات، وهناك مرحلتان له الأولى قبل البعث والحساب (نفخة الموت)، والأخرى عند حدوث وقائع القيامة (نفخة الحياة).
النفخ في اللغة بمعنى إخراج الهواء من الفم، ونفخ النافخ في المزمار أو القصب ونحوهما ليخرج صوتاً؛ والصور هو قرن الحيوان أو ما يسمّى اليوم (بوق).
ويبدو أنّ المراد من النفخ المشار إليه في القرآن الكريم (النفخ في الصور) هو ذلك الصوت الرهيب الذي يصدر قبل قيام الساعة والحساب فيُصعق على إثره الأحياء، ومن ثمّ يصدر مرّةً أخرى لتبعث فيهم الحياة ليحشروا في عالم القيامة والحساب؛ لذلك هناك تعابير قرآنية عديدة أشارت إليه منها الصيحة، الصاخة، الناقور، الزجرة، الراجفة، الرادفة.
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الزمر: ۶۸.
- ↑ سورة الحاقة: ۱۳-۱۵.
- ↑ سورة النبأ: ۱۸.
- ↑ سورة يس: ۵۱.
- ↑ سورة المؤمنون: ۱۰۱.
- ↑ سورة يس: ۴۹-۵۰، ظاهراً أنّ التأكيد ب (واحدة) يفيد أنّ في كِلا النفختين تكفي صيحة واحدة من أجل تحقيق المطلوب، راجع أيضاً: ص۱۵، ق۴٢.
- ↑ سورة المدثر: ۸-۹.
- ↑ سورة عبس: ۳۳-۳۴.
- ↑ سورة الصافات: ۱۹.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۳۲۴.
- ↑ بعض الروايات تُشير إلى أن النفخة الثانية يتكفل بها الله سبحانه وتعالى، راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۶، ص۳۲۵.
- ↑ راجع: بحار الأنوار، ج۶، باب نفخ الصور وفناء الدنيا، ص۳۲۳ - ۳۳۱.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦١٣-٦١٦.