النفخ في الصور عند أهل السنة
تمهيد
«الصور»: القرن، وبه فسّر المفسرون قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾[١] ونحوه، وأما أبو علي فالصور هنا عنده جمع صورة، قال أبو الهيثم اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصور قرناً، كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادعوا أن الصور جمع الصورة، كما أن الصوف جمع الصوفة .. ورووا ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم: وهذا خطأ فاحش وتحريف لكلمات الله عز وجل عن مواضعها، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾[٢] ففتح الواو قال: ولا نعلم أحداً من القراء قرأها "فأحسن صوركم". وكذلك قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾[٣]، أو قرأ: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾[٤].
فقد افترى الكذب وبدل كتاب الله. قال الفراء: كل جمع على لفظ الواحد الذكر سبق جمعه واحدته فواحدته بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن، فكل واحدة من هذه الأسماء اسم الجميع جنسه، فإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء، لأن جميع هذا الباب سبق واحدته.. أما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال: واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صوراً، لأن واحدته سبقت جمعه . وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: « كَيْفَ أَنْعَمُ وَ صَاحِبُ اَلْقَرْنِ قَدِ اِلْتَقَمَهُ صَاحِبُ اَلْحُوتِ وَ حَنَا جَبْهَتَهُ وَ أَصْغَى بِسَمْعِهِ وَ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُحَ قَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ قُولُوا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[٥]».[٦].
قال الأزهري: قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، قال: ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة[٧].
ولقد أورد الإمام الرازي الكلام السابق في "تفسيره" وعقب على ذلك بقوله: وأقول: ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه؛ لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾[٨] وقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾[٩]، وقال: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾[١٠].
وأما نفخ الصور بمعنى النفخ في القرن، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾[١١]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[١٢]. فهذا تمام القول في هذا البحث، والله أعلم بالصواب[١٣].
المراد بالصور في القرآن والسنة
الصور: "قرن ينفخ فيه يدعى به الناس إلى المحشر ... والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا، ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي العساكر[١٤].
وقال أيضاً في موضع آخر: "الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، روى عن رسول: «أنه قرن ينفخ فيه»[١٥] والنفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر[١٦].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه".
وأورد الإمام الرازي اختلاف العلماء في الوقت الذي ينقر في الناقور، أهو النفخة الأولى أم النفخة الثانية؟.
فالقول الأول: أنه هو النفخة الأولى. قال الحليمي في "كتاب المنهاج": وقد سمى الله عز وجل الصور باسمين أحدهما الصور، والآخر الناقور، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾[١٧].
وقول المفسرين: إن الناقور هو الصور، ثم لا شك أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان جميعاً، فإن نفخة الإصعاق تخالف نفخة الإحياء أو صيحة الإحياء .
ويذكر ما قاله الحليمي: "وجاء في الأخبار: أن في الصور تقُبا بعدد الأرواح كلها، وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حيّاً بإذن الله تعالى، فيحتمل أن يكون الصور محتوياً على آلتين ينقر في أحدهما وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أشد وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه، واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها لا تنقيرها من أجسادها، والنفخة الأولى للتنقير، وهو نظير صوت الرعد، فإنه إذا اشتد فربما مات سامعه والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. هذا آخر كلام الحليمي[١٨].
لكن الرازي لم يرتض كلام الحليمي حيث يقول معقباً على الكلام السابق: ولى فيه إشكال: وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق، وذلك اليوم غير شديد على الكافرين، لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين عند صيحة الإحياء ولذلك يقولون: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾[١٩] أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى.
والقول الثاني: إنه النفخة الثانية، وذلك لأن الناقور هو الذي ينقر فيه، أى ينكت، فيجوز أنه إذا أريد أن ينفخ في المرة الثانية نقر أولاً، فيسمى ناقورا لهذا المعنى. ويضيف الرازي: "وأقول: في هذا اللفظ بحث: وهو أن الناقور فاعول من النقر كالها ضوم ما يهضم به، والحاطوم ما يحطم به، فكان ينبغي أن يكون الناقور ما ينقر به لا ما ينقر فيه[٢٠].
الأدلة من القرآن والسنة
ذكر النفخ في الصور في عشر آيات من القرآن الكريم، وورد فيه عدة أحاديث منها ما ذكرنا، فوجب الإيمان به. وقد جاءت النصوص القرآنية بنفختين:
النفخة الأولى: وتسمى نفخة الصعق أو الفزع، ويشير إليها قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾[٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾[٢٢].
يقول الإمام الرازي: "أعلم أن هذا هو العلامة الثانية لقيام القيامة. أما قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾[٢٣]. أنه شيء شبيه بالقرن، وأن إسرافيل ال ينفخ فيه بإذن الله تعالى، فإذا سمع الناس ذلك الصوت وهو في الشدة بحيث لا تحتمله طبائعهم يفزعون عنده ويصعقون ويموتون، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾[٢٤] وهذا قول الأكثرين.
أما قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾[٢٥] فاعلم أنه إنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾، ولم يقل فيفزع للإشعار بتحقيق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضى يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به والمراد فزعهم عند النفخة الأولى[٢٦].
النفخة الثانية: وتسمى نفخة البعث أو النشر أو النشور، ويشير إليها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[٢٧]، وقوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾[٢٨] وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾[٢٩]. وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾[٣٠].
يقول الإمام الرازي: "لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى؛ لأن لفظ "ثم يفيد التراخي قال الحسن: دل على أن هذه النفخة الأولى، وروى عن النبي (ص): «أن بينهما أربعين»[٣١] ولا أدرى أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة.
قوله: (أخرى)، تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه نفخة أخرى. وإنما حسن الحذف الدلالة (أخرى) عليها ولكونها معلومة[٣٢].
وقال الحليمي: "وإذا أحيى الله تبارك وتعالى الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يراد بهم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[٣٣].
وقد أخبر الله عز وجل عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾[٣٤] وأنهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾[٣٥].
فتقول الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾[٣٦]. ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب، وهو الساهرة، قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾[٣٧].
والساهرة عند أهل اللغة: وجه الأرض، ويقال: إن الساهرة أرض معروفة عند بيت المقدس والمعنى: فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها[٣٨].[٣٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠١.
- ↑ سورة غافر، الآية ٦٤.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٩٩.
- ↑ سورة غافر، الآية ٦٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية 173.
- ↑ الحديث أورده البغوى في شرح السنة، كتاب الرقاق، باب النفخ في الصور. وهو في مسند الإمام أحمد، مسند أبي سعيد الخدرى. سنن الترمذى كتاب التفسير سورة آل عمران)، قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم...
- ↑ لسان العرب مادة صور.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٢٩.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٩١.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٤.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٨.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٨.
- ↑ التفسير الكبير: ج ١٣ / ٣٣ - ٣٤. ج ٢٢ / ١١٤.
- ↑ الرازي: التفسير الكبير ج ٢٢/ ١١٤.
- ↑ الحديث أورده أبو داوود في سننه، كتاب السنة، باب في ذكر البعث والصور . وأورده الألباني في الجامع الصغير وزيادته ح رقم ٧٣١٠، وقال: صحيح.
- ↑ التفسير الكبير: ج ١٢١/٢٣
- ↑ سورة المدثر، الآية ٨-١٠.
- ↑ الرازي: التفسير الكبير ج ١٩٦/٣. والحليمي: كتاب المنهاج في شعب الإيمان ج ١/ ٤٣٤، تحقیق حلمی محمد فوده، ط. أولى دار الفكر سنة ١٩٧٩م.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٧.
- ↑ التفسير الكبير: ج ١٩٦/٣-١٩٧.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٨.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٧.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٧.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٨.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٧.
- ↑ التفسر الكبير: ج ٢١٩/٢٤-٢٢٠.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٨.
- ↑ سورة يس، الآية ٥١-٥٢.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٩٩.
- ↑ سورة النبأ، الآية ١٨.
- ↑ الحديث أورده البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الزمر، قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن الأرض إلا من شاء الله)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين
- ↑ التفسير الكبير: ج ١٨/٢٧
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٨.
- ↑ سورة يس، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٢١.
- ↑ سورة الصافات، الآية ١٣-١٤.
- ↑ كتاب المنهاج: ج ١ / ٤٤٠-٤٤١.
- ↑ شوقي علي عمر، مقالة «النفخ في الصور»، موسوعة العقيدة الإسلامية، ص ١١٣١-١١٣٣.