دليل النظام
تمهيد
يتألف هذا الدليل من المقدمتين التاليتين:
إذن: العالَمُ مِنْ صُنْعِ مُنَظِّمٍ قَدِيرٍ.
أما دليلنا على سيادة النظام المتقن للعالم فيشهد له الاستقراء والوجدان، إذ ما من موجود في هذا الكون، وما من جزء من أجزاء العالم، وما من ذرة في هذه الموجودات إلا وهو خاضعٌ لنظامٍ دقيقٍ كاملٍ يربط بين مختلف الأجزاء.
هذا الترابط يمكن مشاهدته في المجرات والسدم والمجموعة الشمسية والكواكب المختلفة، كما يمكن مشاهدته في أصغر جزء من المادة وهو (الذرة) بما فيها البروتون والالكترون والنيوترون.
و كما يسود النظام في الأحياء، كذلك الأمر في المادة المجردة عن الحياة ... في هذا النظام نرى الدقة المتناهية في الإنسان والحيوان والنبات، في البحار والأنهار، في السباع المفترسة والحشرات الضعيفة، في الشمس والقمر، في الليل والنهار ... وبصورة موجزة في كل جزء من أجزاء الخليقة.
و أما دليلنا على أنَّ كل ما يسوده النظام المتقن فهو من صنع منظم قدير، فهو إن النظام نقيض الفوضى، فهو يعني الانسجام والترابط، وهذان لا يمكن أن يحصلا من تلقاء نفسيهما (لبطلان الصدفة) بل منبعثان من إرادة وشعور وقدرة.
وكلما كان الترابط أوثق، والانسجام أشمل والنظام أدق دل على صدوره من إرادة مطلقة غير محدودة، وقدرة عظيمة تفوق كل القدرات والقوى في الوجود ... .
إذن فكل ما يسود النظام الدقيق فهو من صنع مُنَظِّمٍ عظيمٍ ذي إرادة مطلقة وقدرة عظيمة لا يحدها شيء.
و هنا يطرح سؤال: لماذا لا يُسند النظام المتقن إلى فعل الطبيعة؟
و الجواب على هذا السؤال بسيط جداً، لأننا لو نظرنا نظرة تأملية في الطبيعة نرى أنها إما المادة نفسها، أو حالة ثانوية للمادة. وإذا كانت المادة قائدة للوعي والشعور والإدراك يعرض لها العدم والتغير، ويطرأ عليها الفقر والحاجة، وتؤثر فيها المؤثرات المختلفة، فالطبيعة (و هي حالة ثانوية للمادة) فاقدة للشعور، ولا يمكن إسناد النظام المتقن إلى علة فاقدة الشعور.
أما إذا كان المقصود من الطبيعة إثبات قدرة عظيمة واعية مدركة لا تؤثر فيها المؤثرات ويستند إليها النظام المتقن السائد في جميع الموجودات، فذلك إثبات للخالق بأسلوب يحمل في طياته الروح الانهزامية التي تخشى من تسميته بالله، فتعبر عنه بالطبيعة.
و لزيادة الإيضاح نقتبس نصاً من كتاب «المعارف العالية» للعلامة «السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني»: الله وبرهان الطبيعة[١] إذا كان الله في كل جسم آية توحيد، وبرهان علم وحكمة، فالطبيعة أنطق الآيات دلالة على الخالق الحكيم.
فالطبيعة اسم للحالة الذاتية في كل شيء ومبدأ الذاتي الصادر منه لا بغرض، ولا بقصد عوض، كالشمس في إشراقها، والنار في إحراقها. فالمصدر الذاتي لفعل جامد بدون تصور الغاية وبدون تدخل العلم في البداية هو طبع الشيء وطبيعته.
فأفعالك الطبيعية تبدأ من ذاتك وتنسب إليها من دون أن يؤثر في إنشائها علمك واختيارك، كجوعك وعطشك، وموتك وحياتك، بخلاف أفعالك التي يؤثر في صدورها منك علمك وقصدك كالمشي والسباحة والكتابة والصعود على السطح، ففعل مثل سقوط الجسم من حبل فعل طبيعي، ومصدره الذاتي الوحيد طبيعة لا تعلم الغاية منها والغرض.
أما الفعل المشتمل على مزية القصد والشعور فقصدي، ومصدره العلم بالشيء عن قصد فيه، وتصور للغاية منه، فهل خالق الكون خالقه وخالق كل حي فيه عن علم وقصد، أو عن مجرد اقتضاء الذوات بدون لحاظ الغايات.
وفي هذا وجهان، بل قولان.
ذهب بعض الطبيعيين إلى انحصار العالم كله في الأجسام وقواها والطبايع التي هي فيها غير منفكة عنها، وهي الكل في الكل، ولا مؤثر في الوجود غيرها. لكنما الجمهور يذهبون إلى أنَّ الخليقة فعل ما فوق الطبيعة، فعل عالم بما خلق، قاصد منه الغاية والغرض.
وحجتنا على الطبيعيين من الطبيعة أنَّ العلة في التغيرات العالمية أن كانت الطبيعة وحدها، وكانت ذات علم بالأثر وشعور بالغرض فهي التي يسميها المتدين (الله) باختلاف اسمي ونزاع لفظي، وإذا كانت فاقدة الشعور بما صدر، غير قاصدة الأثر كالشمس في الإشراق والنار في الإحراق لزمها:
- أن لا يختلف أثرها، وهي مختلفة الآثار، وأن لا يتخلف عنها أثرها ولايشذ وشواذ الطبيعة ثابتات.
- يلزمها أن لا تخلق الأعضاء لوظائفها الخاصة بها كما ينبغي، وقد خلقتها كذلك.
- يلزمها أن لا تخلق مخلوقات عالمة وقاصدة، وقد خلقت من الأحياء العالمة القاصدة ما لا يحصر.[٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المعارف العالية، ص۶٢.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٥١-٥٤.