دليل النظام في القرآن

تمهيد

يذكر القرآن ظواهر طبيعية مختلفة في عدة آيات قرآنية ويمكن أن ندعي أنها آيات على وجود الله ويدعو القرآن الكريم الإنسان القويم على التدبر والتأمل في هذه الآيات عله يهتدي بها إلى معرفة الله. هذه المعرفة والتي يُعبر عنها أحياناً (بمعرفة الآية) هي كثيرة الشبه بما يُطرح في برهان النُظم. وقبل أن نستعرض أمثلة من الآيات، يُستحسن أن نتذكر الآراء المختلفة في تفسيرها:

يرى بعض المحققين أن الآيات عبارة عن مقدمات لتشكيل الاستدلال العقلي - يشبه ماذكرنا في برهان النظم- على وجود الله وعلمه وحكمته[١]، ويرى البعض الآخر أنها توجب التذكير بالمعرفة الفطرية الإنسانية بالله ولا شأن لها سوى التذكير وتمزيق حجاب الغفلة[٢]، وهناك من يرى أن هذه الآيات في صدد الجدال بالأحسن مع المشركين الذين يعتقدن بتأثير الأصنام وما كانوا يعبدون من دون الله في تدبير بعض الحوادث الكونية ولم يكن لديهم تصور صحيح للتوحيد الربوبي[٣]. بعد هذا البيان المختصر للآراء المختلفة في تعيين معنى الآية سنكتفي بذكر آية واحدة لكل مورد رعايةً للاختصار وانسجام البحث، كما سنذيِّل كل آية برواية تتلاءم معها، تحث بعض الآيات الإنسان على التفكر في آيات الله التكوينية الوجودية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[٤] وفي حديث جامع عن إمام الأمة الساطع الإمام الصادق(ع): «يَا مُفَضَّلُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَ تَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَ نَظْمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَ خَبَرْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ وَ الْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ وَ النُّجُومُ مُضِيئَةٌ كَالْمَصَابِيحِ وَ الْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ وَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ وَ الْإِنْسَانُ كَالْمَلِكِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَ الْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَا فِيهِ وَ ضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ وَ صُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَ مَنَافِعِهِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَ حِكْمَةٍ وَ نِظَامٍ وَ مُلَائَمَةٍ وَ أَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَ هُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَ نَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ جَلَّ قُدْسُهُ وَ تَعَالَى جَدُّهُ وَ كَرُمَ وَجْهُهُ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ»[٥] بعض الآيات والروايات تؤكد على انتظام وغائية نوع خاص من المخلوقات منها:

خلق الإنسان: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ[٦] كما يبين الإمام الصادق(ع) أن النظم الحاكم على وجود الإنسان يدل على وجود الله في قوله: «وَالعَجَبُ مِنْ مَخْلُوقٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَخْفى عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ يَرى أَثَرَ الصُّنْعِ فِي نَفْسِهِ بِتَركيبٍ يَبْهَرُ عَقْلَهُ، وَتَأْلِيفٍ يُبْطِلُ حُجَّتَهُ وَ لَعَمْرِي لَوْ تَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَعَايَنُوا مِنْ أَمْرِ التَّرْكِيبِ الْبَيِّنِ وَ لُطْفِ التَّدْبِيرِ الظَّاهِرِ وَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ مَخْلُوقَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ تَحَوُّلِهَا مِنْ طَبِيعَةٍ إِلَى طَبِيعَةٍ وَ صَنِيعَةٍ بَعْدَ صَنِيعَةٍ مَا يَدُلُّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَثَرُ تَدْبِيرٍ وَ تَرْكِيبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقاً مُدَبِّراً وَ تَأْلِيفٌ بِتَدْبِيرٍ يَهْدِي إِلَى وَاحِدٍ حَكِيمٍ»[٧].

اختلاف الألسن والألوان: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ[٨] وقال الإمام الصادق(ع) للمفضل بن عمر في كتاب التوحيد: «تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا الْمَنْطِقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ وَ بِهِ يَفْهَمُ عَنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً»[٩].

للعالم نظام زوجي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٠]، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[١١] ومن كلام الإمام علي بن موسى الرضا(ع) في التوحيد: «ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الصِّرَّ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا وَ مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا بِتَفْرِيقِهَا دَلَّ عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[١٢]»[١٣].

إيجاد الحياة: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ[١٤] ويقول أميرالمؤمنين(ع) تأكيداً لهذا الأمر أن خلق الموجد الحق من الآيات الإلهية الكبرى: «وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا وَ أَصْنَافِ أَشْبَاحِهَا وَ أَجْنَاسِهَا وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا وَ لَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ»[١٥].

نمو النباتات: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[١٦] ويروي عن الإمام الصادق(ع) في أسرار خلق النباتات ودلالتها على الرب الحكيم: «تَأَمَّلِ الْحِكْمَةَ فِي خَلْقِ الشَّجَرِ وَ أَصْنَافِ النَّبَاتِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى الْغِذَاءِ الدَّائِمِ كَحَاجَةِ الْحَيَوَانِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَفْوَاهٌ كَأَفْوَاهِ الْحَيَوَانِ وَ لَا حَرَكَةٌ تَنْبَعِثُ بِهَا لِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ جُعِلَتْ أُصُولُهَا مَرْكُوزَةً فِي الْأَرْضِ لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى الْأَغْصَانِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ وَ الثَّمَرِ فَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْأُمِّ الْمُرَبِّيَةِ لَهَا وَ صَارَتْ أُصُولُهَا الَّتِي هِيَ كَالْأَفْوَاهِ مُلْتَقِمَةً لِلْأَرْضِ لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ كَمَا تُرْضِعُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أُمَّهَاتُهَا»[١٧].

عالم الطيور: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[١٨] الموارد التي ذكرناها هي في الواقع غيض من فيض من الآيات والروايات التي أشارت إلى آيات وجود الله الكونية المحيلة إلى علمه وقدرته اللامتناهية، نكتفي بهذا المقدار منعاً من الوقوع في الإطناب.[١٩]

المراجع والمصادر

  1.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. يُمكن الرجوع: العلامة الطباطبائي، الميزان، ج۱۸، ص۱۵۴.
  2. يُمكن الرجوع: مصباح اليزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة، ج۱-۲، ص۶۸.
  3. يُمكن الرجوع: جوادي آملي، عبد الله، تبين براهين إثبات وجود الله، ص۴۳.
  4. سورة آل عمران: ۱۹۰؛ لمطالعة جامعة للآيات والروايات، يمكن الرجوع: مكارم الشيرازي، ناصر، بيام قرآن، ج۲، ص۶۱-۴۵۷؛ الطبيعة والحكمة، ص۱۶۹-۲۰۰. ويمكن الرجوع: سورة البقرة: ۱۶۴؛ سورة الجاثية: ۳-۶؛ سورة يونس: ۱۰۰ و۱۰۱؛ وسورة ابراهيم: ۱۰.
  5. توحيد المفضل، ص۴۸، ونقل عنه العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج۳، ص۶۱.
  6. سورة الروم: ۲۰.
  7. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۳، ص۱۵۲؛ الريشهري، ميزان الحكمة، ج۳، ص۷۳.
  8. سورة الروم: ۲۲.
  9. المجلسي، بحار الأنوار، ج۳، ص۸۲؛ العلامة آية الله الشيخ علي النمازي، مستدرك سفينة البحار، ج۱۰، ص۸۱؛ السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، تدوين السنة الشريفة، ص۱۶۲.
  10. سورة الروم: ۲۱.
  11. سورة الذاريات: ۴۹.
  12. سورة الذاريات: ۴۹.
  13. الأمالي للمفيد، ص۲۵۷؛ الشيخ الجليل الحسن بن أبي الحسن الديلمي، اعلام الدين في صفات المؤمنين، ص۷۰؛ الشيخ عزيز الله عطاردي، مسند الامام الرضا(ع)، ج۱، ص۴۲؛ أمالي السيد مرتضى، المجلس ۱۰، ص۱۰۴؛ البحار، ج۴، ص۲۲۹ و۳۰۵؛ ج۷، ص۷۳؛ الشيخ صدوق، التوحيد، الباب ۲، ح۲؛ وروي ما يشبه هذا المضمون عن الأمير(ع) في نهج البلاغة الخطبة ۱۸۶.
  14. سورة الأنعام: ۹۵.
  15. أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص۶۲؛ موسوعة الإمام علي بن أبي طالب(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ، ج۱۱، ص۹۳ و۱۰۵؛ البحار، ج۴، ص۲۵۵؛ ج۶، ص۳۳۰؛ ج۷۶، ص۳۱۳.
  16. سورة الأنعام: ۹۹.
  17. توحيد المفضل، ص۱۵۷؛ البحار، ج۳، ص۱۳۰.
  18. سورة النحل: ۷۹.
  19. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٩-٥٣.