دليل النظام في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

تعد التجربة من طرق معرفة الله، والمقصود من طريق التجربة هنا أن الإنسان وبالتأمل في العالم من حوله يهتدي إلى وجود الله. لقد اهتم القرآن بهذا الطريق اهتماماً خاصاً لتميزه عن غيره بعدة مميزات – ستأتي - بحيث نجد آيات عديدة تحثُّ الإنسان على التدبر في كل ظواهر العالم، كآيات وعلامات تكوينية لله عزوجل. مع ذلك، نعتقد أن الحكماء والمتكلمين الإسلاميين لم يؤكدوا على هذا الطريق العام لمعرفة الله كما ينبغي.

معرفة الله المبتنية على المطالعة التجريبية للظواهر وموجودات عالم الوجود عادة تطرح في قالب «دليل النظام». وقبل البدء في توضيح هذا البرهان يلزم ذكر عدة نقاط: بنظرة مختصرة إلى آراء الحكماء والمتكلمين المسلمين في هذا الباب سيتضح الاختلاف الشديد في ماهية، مقدمات ونتائج ما يسمى عادة بـ«دليل النظام»، أو برهان «إتقان الصنع» فيما بينهم.

فيعتقد البعض أنه استدلال عقلي مقدماته تجريبية والبعض الآخر يرى أنه مجرد بيان لإيقاظ الفطرة وتذكير الإنسان بمعرفته الفطرية بالله. كما نشهد لهذا البرهان آراء مختلفة بين الأعلام في صياغة مقدماته (المبادئ التصورية والتصديقية)، كاختلافهم في معنى النظام، كما اختلفوا في بيان كيفية الوصول لمعرفة الله من خلال وجود الظواهر المنظمة. ويستعمل البعض هذا البرهان لإثبات بعض صفات الله مثل العلم والحكمة[١].

لدليل النظام مميزات خاصة جعلته مورد توجه الخاص والعام سواء عُد برهاناً استدلالياً أو مجرد دليل إقناعي أو جدلي، ومن مميزاته:

  1. قرب العلاقة بين مقدمات هذا البرهان والشواهد التجربية الملموسة.
  2. خلو دليل النظام من المفاهيم والقواعد الفلسفية المُعقدة مما يُسهل فهمه بالنسبة لعموم الناس ويحفظه من التعقيدات الشائعة في الأدلة الفلسفية.
  3. قرب مضمون هذا البرهان إلى محتوى الكثير من الآيات القرآنية فمن جهة كان سبباً في أنس وألفة المتدينين به، ومن جهة أخرى يُعد ذلك تأكيداً على انسجام وتطابق ما يدركه العقل وتنزَّل بالوحي.
  4. تُعد اطلاعات العلوم التجربية الجديدة والتي تكشف عن جزء من أسرار الوجود، وتظهر إلى الملأ وجود نظم وتدبير في زوايا متعددة من العالم، مؤيداً جيداً لدليل النظام.
  5. مع الأخذ بعين الاعتبار هذه المميزات المذكورة، فإن لدليل النظام (بالقياس إلى براهين معرفة الله الأخرى) الدور الأكثر تأثيراً في تقوية الإيمان الديني. لم يلتفت المتكلمون إلى دليل النظام في المنابع الكلامية القديمة التفاتاً جاداً بالرغم من امتيازاته العديدة، ولم يُذكر في كثير من المنابع الكلامية. ممن أشار إلى دليل النظام في كتبه: فخر الرازي من متكلمي الأشاعرة والمحقق اللاهيجي من متكلمي الإمامية. ذكر فخر الرازي في كتاب «المطالب العالية» تقريرات مختلفة لدليل النظام ولكنه يعتقد أن هذه الأدلة لا توجب اليقين بوجود الله إلا في حالة ضمها إلى الأدلة الأخرى الدالة على معرفة الله[٢]، ويرى المحقق اللاهيجي كذلك، في كتاب «گوهر مراد»، بعد إثبات أن نظام الوجود هو النظام الأحسن، أن ذلك دليل على حكمة الله (و لا يثبت أصل وجوده سبحانه)[٣].[٤]

ما هو النظام؟

قبل البحث في دليل النظام يلزم أن نبحث حول معنى النظام[٥]، وبالتأمل في المعنى اللغوي والاستعمالات اللفظية لكلمة «النظام» نصل إلى هذه النتيجة وهي أنه لتحقق النظام، توجد ۳ عناصر ضرورية:

  1. وجود مجموعة أشياء.
  2. وجود عامِل يربط الأشياء المذكورة ببعضها.
  3. وجود ترتيب خاص بين تلك الأشياء.

بعبارةٍ أخرى: عندما نتكلم عن النظام، فإننا نتكلم عن المجموعة التي لها عامل خاص يربط أجزاءها ببعضها البعض ويرتبها ترتيباً معيناً[٦]. وعلى أساس هذا المعنى العام، يقسم النظام إلى أقسام كلية، أحدها هو ما نحتاجه في دليل النظام، ولتحققه يجب أن:

  1. يكون لدينا مجموعه من الأشياء المادية.
  2. تكون أعضاء هذه المجموعة بشكل طبيعي (بدون تدخل عوامل إنسانية أو مخلوقات أخرى ذات شعور).
  3. كما تكون أعضاء هذه المجموعة مُنسجمة مع بعضها البعض، ولها هدف وغاية خاصة، فعندما نتكلم في دليل النظام عن النظام الموجود في العالم، فإننا نعني النظام الذي له هذه الخصوصيات المذكورة أعلاه.[٧]

تقرير بسيط لدليل النظام

تتشكل أبسط صور دليل النظام من مقدّمتين:

  1. عالم الطبيعة هو ظاهرة منظمة.
  2. لكل ظاهرة منظمة ناظم مدبر وذي شعور.

نتيجة تركيب هاتين المقدمتين أن العالم الطبيعة ناظماً مدبراً وذا شعور (و هو الله سبحانه وتعالى). هناك اختلاف بين المتكلمين في تفسير كل مقدمة من مقدمات الاستدلال وفي تعيين

النتيجة، سنشير إلى بعضها حسب ما يتناسب مع البحث[٨]:

تمهيد الأولى لدليل النظام

فُسرت المقدمة الأولى للاستدلال بصور عديدة، فقيل أن المقصود من نظام عالم الطبيعة هو أن يكون العالم (ككل) يحكمه نظام واحد بحيث يكون بين كل أجزائه انسجام واتحاد ولهذا الكل هدف واحد يبتغيه ويسير نحوه.

بناء على هذا فإن كل أجزاء عالم الطبيعة تعمل بشكل متناغم ومُنظم وفيما بينها علاقات متقابلة وتتطلع إلى هدف واحد تماماً كما يعمل الإنسان بكل أعضائه وجوارحه؛ بل كل خلايا بدنه لتحقيق غرض واحد.

وقيل: المقصود منها هو أن العالم مجموعة من المجموعات المنسجمة والمنظومة، فكل ظاهرة من الظواهر الكونية - بلا استثناء - ذات نظام. وعندما نتأمل في كل ظاهرة على حدى نجد مجموعة منظمة من تلك الأجزاء، وعندما نمعن النظر ولتدقيق في طيات هذا الانسجام نجد أنها فيما بينها تبتغي هدفاً واحداً تسعى إليه. من أصغر ذرة مادية إلى النجوم والمجرات والجبال والبحار والنباتات والحيوانات وفي الأخير بدن الإنسان. يمثل كل منها وتراً في آلة هذا العالم لكل منها صوت خاص منظم وهادف، كما أن هناك لطائف خفية تُحرك هذه الأوتار بشكل متناغم وتستمر معزوفة النظام وتزداد جمالاً كلما غصنا في غور هذه المجموعة حيث نجد أنها في انسجامها الداخلي أحسن جمالاً وجلال.

وقيل: أن المقصود منها هو أن بعض ظواهر الطبيعة منظمة، وذلك بناء على أنه يوجد في عالم الطبيعة - في الجملة - ظواهر منظمة. هذا التفسير لا يُصر على إثبات نظام كل الظواهر الكونية ويعتقد أنه للحصول على نتيجة من دليل النظام لا يلزم أن نعتقد بأن كل العالم هو مجموعة واحدة منظمة ومنسجمة (التفسير الأول) أو حتى مجموعة من الظواهر منظمة (التفسير الثاني)، بل يكفي أن نثبت هذا الادعاء: وهو أنه في زاوية من هذا العالم توجد أشياء وظواهر منظمة. على كل تقدير يُدعى في المقدمة الأولى - على أساس الشواهد التجريبية والمشاهدات العينية للعالم الخارجي - أن العالم مُنظم بأحد المعاني السابقة الذكر.

تمهيد الثانية لدليل النظام

يدعى في المقدمة الثانية[٩] أن وجود كل ظاهرة مُنظمة يستلزم وجود موجود ذي شعور ومُدبر هو من يوجد - بعلمه - الانسجام بين أجزاء هذه الظاهرة للوصول إلى هدف مُشخص، فيرتبها على أساس برنامج مرتب وحكيم ومنظم، فالمدعى في المقدمة الثانية هو وجود تلازم بين النظام والناظم ذي الشعور والحكمة. هذه الملازمة ليست بديهية، ويجب إثباتها بدليل آخر، واختلف المحققون في كيفية إثبات هذه الملازمة [١٠].

سنُشير إلى الطريق الفعلى من بين الطرق المختلفة لإثبات الملازمة بين وجود ظاهرة مُنظمة ووجود ناظم ذي شعور:

لإثبات المقدمة الثانية عقلياً يمكن الاعتماد على أصل العلية، فإن وجود المعلول لا يحكي وجود العلة فقط، بل إن خصائص المعلول كذلك تحكى أوصاف العلة[١١]. إن عقل الإنسان (بالتوجه إلى قانون العلية) لا يحكم بأن الظاهرة المنظمة ليس لها علة وحسب، بل يجب أن تكون علتها موجود له شعور وحكيم ومدبر، لأن لأجزاء المجموعة المنظمة ترتيباً وتأليفاً يُساعد على انسجام أجزائها وبالتالي يحقق الهدف المطلوب. من البديهي، أن يُعتمد هذا التأليف على برنامج مدبَّر، لكثرة عدد الحالات التأليفية المحتملة ولا يتيسر اختيار إحدى هذه الحالات بدون تدخل الشعور والعلم.

النتيجة

اتضح حتى الآن وضع مقدمتي دليل النظام الأساسيتين: ذكرنا في المقدمة يلزم البحث في الظواهر الطبيعية المنظمة بدون تدخل إنساني، والتي تبتغي عناية خاصة من انسجامها الداخلي (الباطني) من هذه الجهة، وبانضمام المقدمة الثانية يُمكن إثبات وجود ناظم ذي شعور وحكيم أضفى النظام على كل عالم الطبيعة أو على الأقل الظواهر المنظمة الموجودة في هذا العالم.

والآن يُطرح السؤال التالي: هل يُعتبر إثبات هكذا موجود يساوي إثبات وجود الله؟ يعتقد البعض أن هذا الاستدلال غير كافٍ لإثبات أصل وجود الله، فكل ما يُمكن أن يفيده هو أن الله عالم حكيم ومُدبر. ولكن هناك رأي آخر: وهو أن هذا البرهان كافٍ لإثبات وجود الله، ولكن ليس بعنوان أنه (واجب الوجود) أو (المحرك الأول) أو (المُحدث للعالم)، بل بعنوان أنه (ناظم العالم) وبالتالي فإن نتيجة دليل النظام هي إثبات هذا المطلب وهو أن هناك موجوداً ماوراء الطبيعة قد نظم عالم الطبيعة والظواهر الموجودة فيه بناء على علمه. كما أنه يختار حالة خاصة من بين الحالات المُمكنة غير المحصورة، فيصور العالم بصورة مُنظمة ومُنسجمة للوصول إلى أهداف خاصة، وهذا الموجود هو الله، وبالتوجه إلى ما قيل، يُعلم أن دليل النظام، لا يثبت أوصاف الله الأخرى مثل «وجوب الوجود» أو «التوحيد "الوحدانية"». ولكن لا ينبغي أن يُعد هذا الأمر من نواقض البرهان لأن البرهان لا يهدف إلى إثبات كل الصفات الإلهية، وأساساً لا يتوقع ذلك من أي برهان آخر.

إذا أردنا أن نلخص النتيجة النهائية للبحث ينبغي أن نقول: أن عالم الطبيعة أو جزء من ظواهره، مجموعة مُنظمة بمعنى أن أجزاءها مرتبة وعلاقتها ببعضها البعض تؤهلها للوصول للغاية الخاصة والهدف المنشود. الظواهر المُنظمة في عالم الطبيعة كثيرة جداً بحيث يجد الإنسان دائرة النظام والهدفية واسعة! من أصغر ذرة وجودية إلى أكبر مجرة، كلها تعمل وفق نظام خاص، الجبال والبحار والنباتات والحيوانات، وتتجلى في انسجام خاص... هذا الانتظام الفاني الذي يمكن مشاهدة تجلياته في كل مرتبة من مراتب الكون يحكي عن وجود ناظم مُدبر متعال عن الطبيعة والطبيعيات، أضفى عليه هذا الانتظام، وهو لا يمكن أن يكون إلا الله العلي القدير.[١٢]

دليل النظام في القرآن

دليل النظام في اثبات وجود الله تعالى

أوضح الأدلة على إثبات الله تعالى الذي يحكم به العقل، ويقضي به الوجدان، ويحسه كل إنسان، هو دليل النظام والتدبير. فالجميع يرى العالم بسماواته وأراضيه، وما بينهما من مخلوقاته ورواسيه من المجرة إلى النملة. في خِلقة التكريم و سير التنظيم و تناسب عظيم.

فالإنسان نراه بأحسن كيفية، والحيوان نراه بالمواهب الفطرية والنباتات والأشجار والأزهار والأعشاب نراها ذات المناظر البهية والخصائص النفعية، وكذلك غيرها من الموجودات الأخرى التي لا تعد ولا تحصى فيما بين السماء إلى أطباق الثرى.

نرى أجزاءها وجزئياتها مخلوقة بأحسن نظام، وأتقن تدبير، وأحسن صنع، وأبدع تصوير.

ومن المعلوم بالبداهة لكل كبير وصغير، ولكل ذي عقل وإحساس أن الإهمال لا يأتي بالصواب والخطأ لا يأتي بدقيق الحساب، والإتفاق لا يأتي بهذا العجب العُجاب.

فيحكم العقل بالصراحة، ويذعن الوجدان بالبداهة أنه لابد لهذا التدبير من مدبر، ولهذا التنظيم من منظم، ولهذا السير الحكيم من محكِّم.

ويدرك جميع أولي الألباب أنه لابد لهذا النظام الدقيق من خالق حكيم، ولابد لهذا التدبير العميق من مدبر عليم، خلقها وقدرها وأدام بقاءها، وأحسن خلقها وتدبيرها، وهو الله تعالى شأنه وجلت قدرته. فوجود الخالق مما يدرك بالبداهة ويحس بكل يقين.[١٣]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة

الهوامش

  1. للمقارنة بين آراء بعض العلماء المعاصرين يمكن الرجوع إلى: العلامة الطباطبائي: الميزان، ج۱۸، ص١۵۴؛ الشهيد مطهري، علل الميل إلى المادية (مجموعة الآثار)، ج۱، ص۵۳۷-۵۵۱؛ مصباح اليزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة، ج۱-۲ ص۶۶-۷۱؛ السبحاني، جعفر، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، ج۱، ص۳۳-۵۹؛ وجوادي آملي، عبد الله، تبيين براهين إثبات وجود الله، ص۲۳۸-٢۴٣.
  2. الفخر الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، ج۱، ص۲۳۹-۲۴۸.
  3. لاهيجي، كوهر مراد، ص۲۲۳.
  4. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤١-٤٣.
  5. للقراءة في معنى وأقسام النظام يمكن الرجوع إلى: الديلمي، أحمد، الطبيعة والحكمة؛ التحقيق في دليل النظام، الفصل الثاني، ص۵۷-۷۶.
  6. بعبارة أكثر فنية: النظام من المعقولات الثانية الفلسفية، وتهيئة منشأ انتزاعه يجب أن تتحقق الأمور المذكورة أعلاه.
  7. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٣-٤٤.
  8. للمطالعة أكثر يمكن الرجوع إلى: الطبيعة والحكمة، الفصل الثالث إلى الخامس، ص۸۳-۱۶۴.
  9. باصطلاح المناطقة، فإن المقدمة الثانية هي (كبرى) دليل النظام، كما أن المقدمة الأولى في حكم (صغرى) البرهان.
  10. استعان البعض لإثبات الكبرى بأسلوب التمثيل، يعني بالمقارنة بين مصنوعات الإنسان والروابط الطبيعية وعللها واستنتجوا أن العلل الموجدة للظواهر المنظمة يجب أن تكون موجودة وذات شعور وعلم (كالإنسان)، واستعان آخرون بأسلوب الاستقراء، وادعوا أنه باستقراء ظواهر مختلفة ومتعددة يُمكن استنتاج أن كل ظاهرة منظمة تحتاج في وجودها إلى ناظم ذات شعور، ويخرج شرح ونقد هذه الطرق عن وسع هذا الكتاب.
  11. يُقال في الفلسفة الإسلامية أن أحد فروع أصل العلية (أصل مسانخة العلة والمعلول)، بمعنى أنه دائماً يوجد تناسب بين العلة والمعلول ولذلك فلا يمكن صدور أي معلول من أي علة، وبهذا فإن خصوصيات المعلول يمكن أن تحكي عن خصوصيات العلة.
  12. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٤٤-٤٩.
  13. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 36-37.