حسن الظن بالله في علم الأخلاق
تمهيد
«حسن الظن بالله» من أفضل مراتب «حسن الظن» وقد رغب إليه في الوحي والحديث وقد مرّ الكلام عنه في البحث عن الرجاء كما روينا هناك بعض الآيات والرّوايات الرّاجعة إليه فراجع، وسيأتي نقل بعض الرّوايات تأكيداً وترغيباً.
وقلنا هنا انه يكفي للالتفات إلى ذلك ان الله تعالى خلق موسى (ع) خارقاً للعادة، ثمّ جعله في بيت عدوه وربّاه هناك.
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[١]
ثمّ أرسله إلى شعيب (ع) ليعلّم عنه ما يحتاج إليه.
قال تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾[٢]
ثمّ بعثه رسولًا وأعطاه معجزات باهرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾[٣]
ثمّ امره أولا بالذهاب إلى عدوّه الاذي دعى الربوبية، وأوصاه ان يتلطف به ليعلم انه يريد ان يرجع ويتذكر ويخشى وذلك لهدايته وصلاحه.
قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[٤]
وأهمّ من ذلك كله ان الله تعالى انزل كلمتيه التشريعيّة وهي القرآن، والتكوينيّة وهي الرّسول (ص) وعترته الطاهرة (ع) من الأفق الأعلى إلى أدنى مراتب الوجود، وهو هذه الدنيا الدنيّة تحت حجب النور والظلمة من الكرسي إلى العرش، ومن العرش إلى القلم، ومنه إلى اللوح، ومنه إلى السماوات السبع والأرضين السبع، فبذلك الحجب مكّن الإنسان من أن يدركهما بعض الادراك، ولم يكن ذلك كله إلّا لهداية الإنسان.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[٥]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾[٦]
وقال رسول الله (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»[٧]
هذا مع أن الله علم أن النّاس سيقتلونهم صبراً وزجراً ويهجرون القرآن هجراً ولكن مع ذلك كلّه حبّاً لهم قد أنزل الكتاب إليهم كما أرسل الرسول لهدايتهم.
قال تعالى: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾[٨].[٩]