مولد النبي الخاتم في التاريخ الإسلامي
تمهيد
ولد النبي الأعظم (ص) في عام الفيل (٥٧٠م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (٦٣٢م) عن ٦٢ أو ٦٣ عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الأوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الإثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.[١]
ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الإقرار بأنّ ما ينقله هؤلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (ص) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لأنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.
وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، ١٧ من ربيع الأوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.
وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو يقول: «الله أكبر والحمد لله كثيراً، سبحان الله بكرةً وأصيلاً»[٢] كما تساقطت الأصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد، وجفت بحيرة ساوة.
وهدفت هذه الأحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين مؤثرين:
- فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال، فيتساءلون عن الأسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الأحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنيةوزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.
- ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الأنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.
وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنه بكبش شكراً لله تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.
وقال عن تسميته النبي الكريم (ص) محمّداً (ص) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والأرض[٣]
وكانت أُمّه(ع) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه[٤] وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى ١٦ شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.
أمّا عن رضاعته (ص) فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:
- ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (ص) وزوجته خديجة(ع) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها. كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، و أبا سلمة بن عبد الله المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.
- حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الأولاد: «عبد الله»، «أنيسة»، «شيماء». وقامت «شيماء» بحضانة النبي (ص) أيضاً.
وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّص في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (ص) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.[٥]
الاحتفال بمولد النبي
ينبغي أن يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي (ص) بإقامة المهرجانات الكبرى والاحتفالات، تكريماً له (ص)، فهو أمر مطلوب ومحبّب في الشريعة المقدسة لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[٦] وعزّر بمعنى كرّم وبجّل.
فالاحتفال بمولده (ص) يعني ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والإشادة بشرفه وفضله، وهي أُمور مدحه بها القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[٧]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[٨]
فالاحتفال بمولده الكريم هو احتفالٌ بالقيم السامية، وشكرٌ لله على منّه، وإظهار للحبّ الكامن في النفوس له، وتكريم لمن كرمه الله تعالى وأمر بتكريمه واحترامه وحبّه ومودّته. وهو ردّعلى من يزعم بأنّذلك محرم لكونه بدعة، لا يخلو من منكرات ومحرمات كالرقص والغناء. فالمسلمون درِجوا في العصور الإسلامية الأُولى على الاحتفال بذكرى مولدهبإنشاد القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم أخلاقه وإظهار السرور والفرح، والشكر لله تعالى بلطفه وتفضّله به على البشرية.[٩]
ولذا كان لابدّ من أداء هذا الاحتفال في كلّ وقت وزمان، في حياته وبعد مماته.[١٠]
المراجع
الهوامش
- ↑ إمتاع الأسماع: ص ٣، وقد ذكر جميع الأقوال التي وردت في ميلاد النبي (ص) .
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٥؛ بحار الأنوار: ١٥/ ٢٤٨؛ السيرة الحلبية: ١/ ٦٧.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ٧٨.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ٨٢.
- ↑ البحار: ١٥/ ٣٤٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة القلم، الآية ٤.
- ↑ سورة الشرح، الآية ٤.
- ↑ للتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٣-٣٦.