نفي الرؤية الحسية عن الله في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

المنكر لوجود الله تعالى يسأل عن دليل لإثباته، فإذا اقتنع بالأدلة انتقل إلى السؤال عن كيفية معرفته للخالق، وإذا تم ذلك لزم أن يعتقد بوحدانيته وأنه لا شريك له، وهذا ما انتهينا منه في بحوثنا السابقة. وإذا كان المألوف للإنسان أن يرى الشيء أو يلمسه أو يحسه بأي طريق معتبر لديه جاء دور السؤال:

- إذا كان الله موجوداً فلماذا لا أراه؟!

- وبعبارة أخرى: كيف نؤمن بإله لا نراه؟!

ويشترك مع هذا السؤال في الأساس، الأسئلة التالية:

- إذا كان الله موجوداً فأين يسكن؟

- وإذا كان الله موجوداً فمتى وجد؟

- وإذا كان الله موجوداً فلماذا لا نسمع صوته؟

للإجابة على هذا السؤال نقول:

ليست الرؤية ملاكاً للوجود، فهناك أشياء كثيرة موجودة ولا تُرى، وهناك أشياء ترى في حين أنها لا واقع لها.

فمثلاً: يقول علماء الفيزياء بوجود الذرة والألكترون والبروتون، في حين لانراها.

وبصورة عامة فإنَّ الحس (إما عن طريق الرؤية، أو السمع، أو اللمس) لايعطينا الكشف الصحيح عن الواقع لوحده. وإليك شواهد أخرى على ذلك:

  1. الصورة تشاهد في المرآة في حين أن لا وجود خارجي لها.
  2. حينما يسير القطار يشاهد الإنسان الأشجار والجبال تمر من أمامه بسرعة، والواقع يكذب ذلك.
  3. تبدو سكّتا الحديد متلاقيتين من بعيد، في حين أنهما متوازيتان، والمتوازيان لايلتقيان مهما مددناهما.
  4. يبدو السراب للمشاهد ماء في حين أنه لا يوجد ماء.
  5. يقال: إنَّ للفضاء بعداً رابعاً ولكنه غير محسوس.
  6. في الشتاء حيث الباب الخشبي وباب الحديد يكونان في درجة حرارة واحدة يحس اللامس أن باب الحديد أكثر برودة.
  7. في جميع التجارب العلمية لو لم تساعدنا الأدوات والآلات فإن حواسنا الظاهرية عاجزة عن درك كثير من الأشياء.

فليس كُلَّ غير محسوس معدوم ...

  1. الألم في الجسم لو لم تدل عليه علة ظاهرية غير محسوس للآخرين في حين أنه موجود.
  2. في المساء يحكم الإنسان بوجود النهار في الجانب الآخر من الكرة الأرضية في حين أنه غير محسوس.
  3. الأرض كروية ولكن الإنسان يحسها مسطحة.
  4. أمواج الراديو موجودة في الفضاء، ولكنها ليست محسوسة.
  5. إنَّ الأمواج الصوتية التي تكون درجة ذبذبتها بين ۲۰ و۲۰۰۰۰ مرة في الثانية هي التي يمكننا إدراكها، وأما الأمواج التي تكون درجة الذبذبة فيها دون هذا الحد أو فوقه فهي غير قابلة للسماع لنا.
  6. وما ندركه من الأمواج الضوئية هي التي يكون درجة اهتزازها بين ۴۵٨ مليون و۷۲۷ مليون مليون في الثانية، أما الأمواج التي دون ذلك أو فوقه في الفضاء فهي لا ترى.
  7. الطاقة موجودة ولكنها لا تحس ولا يعرف أحد حقيقتها.

هذه جملة من الحقائق العلمية المتفق عليها، مع أنها لا تخضع للحس، ولذلك فلا يصح مطلقاً أن نجعل الحس ملاكاً لتشخيص الواقع.

المحسوس هو الجسم

إنَّ ما يخضع للحس لا يكون إلا جسماً، والجسم محدود لا محالة، لأنه محصور بالطول والعرض والارتفاع ومحدود بالزمان.. ومن البديهي جداً إن الزمان والمكان مخلوقان.

إِنَّ الله هو الوجود المطلق، الذي لا يحده شيء، هو الوجود اللامتناهي وعليه فمن الخطأ أن نبحث له عن مكان. وإذا ألغينا المكان أصبح البعد والقرب تافهاً، وإذا انعدم الزمان فلا معنى للسريع والبطيء، كما لامعنى للماضي والمستقبل.

فمثلاً لو تسنى للإنسان أن يسير بسرعة الضوء فإنه يصل (أمس) بدلاً من (غد) وهذا قريب إلى المزاح لكنه بحث عميق في الفيزياء الحديثة[١].

يتضح من ذلك إنَّ المحسوس هو الجسم لأنه محدود، في حين أنَّ الوجود المطلق غير محدود.

لكل شيء مقياسه

من الأمور الواضحة والبديهية أنَّ لكل شيء مقياسه، وللوصول إلى كل شيء أدواته وأسبابه المناسبة له.

فليس هناك من يسمح بأن يقال لعالم الفلك: اكتشف لنا الميكروب الفلاني بمحاسباتك الفلكية، وليس من المتوقع من المتخصص في معرفة الميكروبات أن يكتشف لنا أقمار (المشتري) بأدواته الخاصة .. وانطلاقاً من ذلك لا يصح مطلقاً أن نصل إلى ما وراء الطبيعة بالوسائل الطبيعية، ومن الخطأ أن نتوقع رؤية الخالق من وراء المجهر أو التلسكوب أو تحت سكاكين التشريح.

فللمسافات مقياس هو الكيلومتر، وللأوزان مقياس هو الكيلوغرام، ولدرجة الحرارة مقياس هو الثرمومتر، وللضغط مقياس هو البارومتر ولا يمكن أن يُعرف الله تعالى عن طريق هذه الأدوات القياسية والاستدلال عليه وهكذا.

الاستدلال بالآثار

اقتفاء الآثار هو الطريق السليم لمعرفة موجود ما. ولهذا نجد علماء الكلام يهتمون بالبرهان الإني (وهو الاستدلال بالآثار على وجود المؤثر) في إثبات وجود الله تعالى. وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ[٢]، وقد سبق لنا في (دليل النظام) كلام مفصل في هذا الموضوع.

من استدلالات الأئمة(ع)

لعل من أفضل ما ينير الطريق في هذا البحث الاستئناس بما ورد عن أئمة الهدى حين سئلوا عن موضوع الرؤية.

  1. سأل ثعلب اليماني من الإمام أمير المؤمنين(ع). هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال(ع): أما أعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان قريب من الأشياء غير ملامس، بعيدٌ عنها غير مباين، متكلمٌ بلا رؤية، مريدٌ لا بهمة، صانعٌ لا بجارحة، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء، بصيرٌ لا يوصف بالحاسة، رحيمٌ لا يوصف بالرقة[٣]. و إذا كانت الأجسام ترى بالعين، فإنَّ اللهَ يرى بالقلب.
  2. قيل للإمام الصادق(ع): يزعم بعض الناس أنه يمكن أن يرى الله. فقال(ع): الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملؤوا عيونهم من الشمس ليس دونها سحاب)[٤]. و قد كتب الكاتب الروسي الشهير (تولستوي) قصة جميلة بعنوان (أريد أن أرى الله) يتركز استدلاله على مضمون الجملة الأخيرة من هذا الحديث[٥].
  3. عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر(ع): لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؟ فقال: يا أبا هاشم، أوهامُ القلب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك، وأوهام القلوب لاتدركه فكيف أبصار العيون[٦]؟.[٧]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. دين بنجكام، الدكتور مجذوب صفا، ص۴۶.
  2. سورة فصلت: ۵٣
  3. نهج البلاغة – الخطبة ١٨٠.
  4. الوافي، ج١، ص٨۴، نقلاً عن (الكافي).
  5. نقلت القصة باختصار في (دفاع عن العقيدة)، ص۵٣.
  6. الوافي، ج١، ص٨۵، نقلاً عن (الكافي).
  7. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ٩٦- ١٠٠.