نقاش:عصمة الأنبياء في علم الكلام
عصمة الأنبياء
عصمة الأنبياء اتفق الجميع على لزوم عصمة الأنبياء في أداء الرسالة وتبليغها. واختلفوا فيما عدا ذلك، والأقوال هي:
- العصمة في التبليغ وأداء الرسالة فقط.
- العصمة عن صدور المعصية مطلقاً كبيرة كانت أو صغيرة، عمداً كان صدورها أو سهواً، وفي جميع السلوك تبليغا وغيره. وهو قول الإمامية.
- العصمة عن صدور المعصية الكبيرة، عمداً كان صدورها أو سهوا. ذلك أن صدور الصغيرة - في رأيهم - لا يخل بالعصمة. وهو قول المعتزلة.
- العصمة عن صدور المعصية كبيرة وصغيرة عمداً. أي أن صدور المعصية سهواً لا ينافي العصمة. وهو قول الأشاعرة.
وكما اختلفوا في مدى شمول مفهوم العصمة سعة وضيقاً - كما رأينا - اختلفوا في أمدها على قولين، هما:
- العصمة مدة التبليغ وأداء الرسالة فقط، وهو قول أهل السنة. جاء في «الفرق بين الفرق» [١]: وقالوا «يعني أهل السنة» بعصمة الأنبياء عن الذنوب، وتأولوا ما روي عنهم من زلاتهم على أنها كانت قبل النبوة.
- العصمة من الولادة حتى آخر العمر. وهو قول الإمامية. قال العلامة الحلي [٢]: إنه «يعني النبي» معصوم من أول عمره إلى آخره، لعدم انقياد القلوب إلى طاعة من عهد منه في سالف عمره أنواع المعاصي: الكبائر والصغائر وما تنفر النفس منه.
وفي بيان حقيقة العصمة يقول الشيخ المفيد [٣]: العصمة: لطف يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث يمنع من وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما. ويقول النصير الطوسي: العصمة: هي أن يكون العبد قادراً على المعاصي غير مريد لها مطلقاً. وعدم إرادته أو وجود صارفه يكون من الله تعالى لطفاً في حقه، فهو لا يعصي الله، لا لعجزه، بل لعدم إرادته، أو لكون صارفه غالباً على إرادته. فوقوع المعصية منه ممكن بالنظر إلى قدرته، وممتنع بالنظر إلى عدم إرادته، أو لكون صارفه غالباً على إرادته [٤]. ويقول العضد الإيجي: وهي «يعني العصمة» عندنا «يعني الأشاعرة»: أن لا يخلق الله فيهم «يعني الأنبياء» ذنباً. وعند الحكماء: ملكة تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي، ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي [٥].[٦]
الاستدلال على ثبوت العصمة
واستدل لثبوت عصمة بأدلة، منها:
- إن النبوة عهد الله تعالى، وهو يقول: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[٧]، والمعصية ظلم.
- لو لم يكن الأنبياء معصومين لانتفت فائدة البعثة. واللازم «وهو انتفاء فائدة البعثة» باطل. فالملزوم «وهو عدم عصمة الأنبياء» مثله، أي باطل أيضاً. بيان الملازمة: أنه إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم لجواز الكذب حينئذ عليهم. وإذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم، ونهيهم، فتنتفي فائدة بعثهم، وهو محال، لأن بعثهم فعل الله تعالى وهو الحكيم العادل.
- إننا ملزمون باتباع الأنبياء لدلالة الاجماع والنقل على وجوب اتباعهم. فلو كانوا غير معصومين - حسب الفرض - لكان الأمر حينئذ باتباعهم من المحال لأنه قبيح. فيكون صدور الذنب عنهم محالاً، وهو المطلوب [٨].
وبتقرير آخر: إنه لو جاز أن يفعل النبي المعصية أو يخطأ وينسى، وصدر منه شئ من هذا القبيل. فإما أن يجب اتباعه في فعله الصادر عنه عصيانا أو خطأ. أو لا يجب. فإن وجب اتباعه فقد جوزنا فعل المعاصي برخصة من الله تعالى، بل أوجبنا ذلك. وهذا باطل بضرورة الدين والعقل. وإن لم يجب اتباعه فذلك ينافي النبوة التي لا بد أن تقترن بوجوب الطاعة أبدا. على أن كل شئ يقع منه من فعل أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية أو الخطأ فلا يجب اتباعه في شئ من الأشياء فتذهب فائدة البعثة، بل يصبح النبي كسائر الناس ليس لكلامهم ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد عليها دائما. كما لا تبقى طاعة حتمية لأوامره ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله [٩].
وما ورد في الكتاب العزيز والأخبار مما يوهم صدور الذنب عنهم فمحمول على ترك الأولى جمعا بين ما دل العقل عليه وبين صحة النقل. مع أن جميع ذلك قد ذكر له وجوه ومحامل في مواضعه.
وعليك في ذلك بمطالعة كتاب «تنزيه الأنبياء» الذي رتبه السيد المرتضى علم الهدى الموسوي (ره) وغيره من الكتب[١٠] مثل كتاب «المواقف في علم الكلام» لعضد الدين القاضي الإيجي - المقصد الخامس من المرصد الأول من الموقف السادس.[١١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ص ٣٤٣.؟؟؟
- ↑ الباب الحادي عشر 63.
- ↑ النكت الاعتقادية 407 - 408.
- ↑ تلخيص المحصل، رسالة العصمة 525.
- ↑ المواقف 366.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص291-292.
- ↑ سورة البقرة، الآية 124.
- ↑ النافع يوم الحشر 63.
- ↑ عقائد الإمامية 81.
- ↑ النافع يوم الحشر 63 - 64.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص292-294.