عصمة الأنبياء في علم الكلام

تمهيد

للحديث عن العصمة وبيان أهميتها ووجوب أن يكون النبي معصوماً، نحاول أن نركز البحث حول النقاط التالية التي لها علاقة بالموضوع.

  1. ما معنى العصمة؟!
  2. هل معنى العصمة أن يكون النبي مصوناً من ارتكاب المعصية؟!
  3. هل المعصوم لا يقترب من الذنوب كبائرها وصغائرها؟ أم الكبائر فقط؟! أم أنها لا تصدر منه عمداً فقط، وأما سهواً فليس هنالك مانع.

اختلفت أقوال علماء المسلمين والمذاهب المختلفة حول هذه المسألة على معتقدات شتى!

ولكن قبل أن ندخل في تفاصيل ذلك، نذكر الأقوال المعروفة في عصمة الأنبياء، وهي أربعة:

أولاً: العصمة في التبليغ وأداء الرسالة فقط، ومعنى ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون النبي معصوماً من الذنب في حياته العادية.

معنى ذلك أنَّ دعاة هذا القول وهذا الرأي يذهبون إلى أنه حينما يؤدي الرسول رسالته ويبلغ أحكام الله تبارك وتعالى ففي هذا المقدار يجب أن يكون أميناً، فإذا طلب منه شيء أن يبلغ حليته من حيث أنه حلال، وإذا طلب منه أن يبلغ حرمة شيء فيبلغ عنه أنه حرام، فهو لا يخطأ في هذه الناحية ولا يتعمد الكذب ولا يغير ما أنزل الله، أي إنه يبلغ عين ما أنزل عليه من الله تعالى ولكنه في حياته العملية لا يوجد مانع أن يكون على سبيل المثال مرتكباً للمعاصي، فلو صدر منه كذب أو فسوق أو أي لون من ألوان المعصية، بناء على هذا القول فإنه لا يضر والعياذ بالله -!!

فهذا القول ليس كافياً لإثبات الحدث والهدف من الرسالة!

فإذن هو معصوم في التبليغ وأداء الرسالة فقط.

ولكننا نقول بأنَّ هذا القول لازمه سلب الثقة والاطمئنان والاعتماد من أفراد الأمة تجاه النبي، فكيف تكون ثقتهم بهذا النبي ويطمئنون بأنه يؤدي الرسالة بشكل كامل ولكنه يقارب الذنوب مثلهم؟!

ثانياً: العصمة عن صدور المعاصي مطلقاً الكبائر منها والصغائر، عمداً أو سهواً، لأن ملاك المعصية في الجميع واحد.

وهو القول الذي يلتزم به علماء الإمامية[١].

ثالثاً: العصمة عن صدور المعاصي عمداً فقط فهي تضر وتنافي، أما إذا كانت سهواً فهي لا تنافي ذلك، وهذا قول الأشاعرة من المسلمين.

ومعنى ذلك إنَّ الإصرار وسبق العلم والعمد أمور أساسية في إخلال المعصية بمقام النبوة، وعليه إذا كان النبي يصدر منه شيء سهواً وما كان متعمداً فلا بأس، أما إذا كان عمداً فينافي العصمة.

رابعاً: العصمة عن صدور الكبائر، وأما الصغائر فلا تضر، وهذا قول المعتزلة.

فهذه مجمل آراء المسلمين حول العصمة.

وأما ما ورد في حقيقة العصمة أو التعاريف الموجودة بالنسبة للعصمة فنذكر منها:

١. يقول الشيخ المفيد في كتابه (النكت الاعتقادية) إنَّ العصمة لطف يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث يمنع من المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما.

نلاحظ هذه الدقة في عبارة الشيخ المفيد ونجد التزام جميع علماء الإمامية بهذا اللون من التعبير. فنرى أنها أولاً لطف، أي صحيح أن عمل النبي والتزامه بالتقوى والفضيلة والتزامه بالسلوك المهذب له دور، ولكن الأهم من ذلك والذي يعطي سمة بارزة للعصمة هي أنها لطف، لأنها الغرض من الخلق والغرض من البعثة والغرض من التكليف، وكل هذه الأمور لا تتحقق إلا إذا كان النبي المبلغ معصوماً.

والسؤال الذي قد يُسأل: إنَّ النبي أو الإمام المعصوم هل يستطيع أن يعصي ولكنه لا يعصي، أو لا يستطيع ذلك؟ فإذا لم يكن قادراً على المعصية فأي فخر في هذا؟! فمثلاً لو أراد أن يكذب، فهل ينعقد لسانه عن أن يكذب، أو إذا أراد أن يضرب أحداً فهل أنَّ يده لا يمكنها فعل ذلك!

فما قيمة هذا اللون من العصمة؟! لكن تظهر عظمة ذلك إذا كان قادراً على ارتكاب المعصية ولا يفعلها، فهنا تكمن العظمة والجوهر الصقيل للنفس الإنسانية، والفخر بالفعل.

٢. يقول المحقق الطوسي في شرح تجريد الاعتقاد: العصمة هي أن يكون العبد قادراً على المعاصي غير مريد لها مطلقاً. كما أن الشخص قادر على فتح علبة القاذورات مثلاً، ولكنه لا يريد الأكل منها، لأنه ليست له رغبة بذلك، بل يشمئز من الاقتراب منها وتناول شيء. وبنفس الترتيب فالمعصوم له مقدرة على ارتكاب الذنب لكنه في نفس الوقت يشمئز منه وينفر، لأنَّ ما عند الله خير وأبقى، وهذا المعنى يتجسد ويتجلى في نفس المعصوم إلى درجة أنَّ هذه الأمور الزائلة وهذا اللون من اللذة الذي يدعو إلى المعصية، لا قيمة ولا أهمية له عنده إلى درجة أنّ له المقدرة على ارتكاب المعاصي لكنه لا يرتكبها، بل يشمئز وينفر ويأبى ذلك.[٢]

من صفات الأنبياء الإلهيين عصمتهم من الذنوب والأخطاء، وهي سمة بادر المتكلمون المسلمون إلى تبيينها وإثباتها. ويحتل مقام النبوة في رأي علماء الإسلام مكانة مهمة تعارض إتيان الصغائر أو الكبائر والأخطاء على سبيل السهو أو العمد.

وقبل الولوج في ماهيّة العصمة وأدلتها المثبتة، هناك سؤال مهمّ يطرح نفسه حول نشأة العصمة؛ مفاده: ما هو المنبع والمنشأ لنظريّة العصمة بين المسلمين؟ ومتى تبلورت هذه الفكرة عندهم؟

لا ريب في أنّ هذه النظرية الإسلامية تنبع من القرآن الكريم، وقد ظهرت معالمها منذ صدر الإسلام؛ فقد أشار الله سبحانه وتعالى في آيات عديدة إلى مسألة العصمة؛ حيث يقول بخصوص عصمة الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[٣].

وفيما يخصّ عصمة القرآن الكريم قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[٤].

كما ورد أيضاً في بيان عصمة بعض الناس على لسان الشيطان قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[٥].

من هنا، فإنّ الشبهة القائلة بأنّ نظريّة العصمة قضيّة روّج له بعض حديثي العهد بالإسلام ممن كانوا على دين اليهودية، ليست على صواب؛ فاليهود لم يكونوا يؤمنون بعصمة أنبياء بنيإسرائيل، وكان من ديدنهم الافتراء على أنبيائهم وقذفهم بارتكاب المعاصي الكثيرة.

ومن جهة أخرى، فإنّ المتكلمين من الإمامية والمعتزلة ليسوا هم أوّل مَن جاء بهذه النظرية؛ فقبل نشوب الخلاف بين المسلمين حول قضيّة الإمامة، كانت نظرية العصمة شائعة بين أتباع رسول الله .مستفيدةً من الآيات القرآنية [٦].[٧]

الأدلة على العصمة

الدليل الأول

النبوة عهد من الله تبارك وتعالى. وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن ابْتَلَى إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ ومِن ذُرِّيَّتي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ [٨]، إنَّ الأمر الذي نحتاج لإثباته من خلال هذه الآية هو أنَّ المعصية ظلم. لأنّ الله تعالى يقول: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ فالذي يرتكب المعصية هو ظالم، ظالم لنفسه، وظالم لربه ولرسالته، وظالم لأبناء أمته، فمن الطبيعي أنَّ عهد الله تعالى لايصل إلى الشخص الذي يرتكب المعاصي. والنبوة عهد من عند الله تبارك وتعالى، لأنَّ العهد عبارة عن مسؤولية محمولة من الله تعالى إلى بشر ما لأداء الرسالة.

إذن النبوة عهد والعهد لا يناله الظالم والذي يرتكب المعاصي ظالم. وبالتالي لا تصل النبوة إلى من يرتكب الذنوب. وبما أنَّ الكلام مطلق لم يقيد بشيء، إذ لا داعي لتقييده بالصغيرة والكبيرة أو بالسهو والعمد!

الدليل الثاني

لو لم يكن الأنبياء معصومين، لانتفت فائدة البعثة

إن في كل قياس استثنائي لا بد من إثبات الملازمة وإثبات بطلان التالي.

أما بطلان اللازم وهو انتفاء فائدة البعثة، باطل بلا إشكال. حيث أقمنا الأدلة سابقاً على ضرورة إرسال الأنبياء وإثبات ذلك بقاعدة اللطف وقواعد أخرى، فإذا انتفت فائدة البعثة يكون نقضاً للغرض ونقصاً لا يصدر من حكيم.

إذن عدم عصمة الأنبياء أيضاً باطل للتلازم بين المقدم والتالي في القضية الشرطية، ولكن يجب إثبات الملازمة، أي إذا لم يكن الأنبياء معصومين كيف تنتفي فائدة البعثة؟

نقول: إذا جازت المعصية على الأنبياء، وقلنا أنه لا يوجد إمكان واحتمال أن تصدر المعصية من النبي والرسول يصدر منه الخطأ والسهو ويذنب ويخالف، فحينئذ لا يحصل الوثوق بكلامه لجواز الكذب وإذا لم يحصل الوثوق لا يحصل الانقياد لأمرهم ونهيهم. فما الفائدة من بعثة النبي إذا كان يُبلّغ ولا أحد يستمع إليه ولا يلتزم بتعاليمه، فإنَّ مثل ذلك يؤدي إلى انتقاء الفائدة من البعثة، والله تبارك وتعالى لا يفعل ما ينافي الغرض والحكمة، لأنه حكيم عادل.

فعلى أساس ذلك لو لميكن الأنبياء معصومين لانتفت فائدة البعثة فلابد أن يكونوا معصومين.

الدليل الثالث

إننا يجب علينا اتباع النبي(ص)، فكيف نتبع مَنْ يرتكب المعصية؟ ولبيان ذلك نقول إنَّ هذا بديهي سواء بدليل العقل أو النقل

أما العقل: فإنَّ النبي هو المبلغ عن الله تبارك وتعالى وهو المرشد والهادي، فإذا أراد الإنسان أن ينجو ويتمسك بخط الهداية، فلابد أن يطبق ما يقول ويتبع ما يأمر به من قبل الحكيم العادل الذي لا يريد به إلا خيراً.

وأما من النقل: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا [٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيمُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [١٠]، وغيرها من الآيات المباركة، والأدلة كلها متقنة من ناحية النقل في الكلام في لزوم اتباع الأنبياء، فلو كانوا غير معصومين لكان الأمر باتباعهم محال لأنه قبيح، فالله تبارك تعالى يريد أن يرشد الناس إلى الهداية وطريق الصلاح لا الفساد فإذا كان النبي - والعياذ بالله - مرتكباً للمعصية، ونحن بحكم العقل والنقل مطلوب منا اتباع النبي، معنى ذلك أننا نتبعه في الاتجاه المنحرف - لو كان يعصي ويذنب – وهذا محال على الله تعالى.

نقول: فإذا جاز أن يرتكب النبي المعصية ويسهو.. و... فإما أن يجب اتباعه أو لا يجب. فإذا كان واجباً فمعنى ذلك أنه يهدي الناس إلى الانحراف بدلاً من أن يهديهم إلى سواء السبيل، وهذا لا يمكن القول به.

فعلى هذا فإنَّ اتباع الرسول يتحقق متى ما كان معصوماً من الخطأ.

الدليل الرابع

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنَّ من ضرورة الشرائع وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأى فرد من أفراد الأمة النبي –و العياذ بالله - يرتكب معصية، فهل يجب على هذا الشخص أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟! أم لا؟!

بطبيعة الحال هذا الوجوب ليس ساقطاً!

فإذا وجب النهي عن المنكر فمعناه أن يُنهى الرسول عن المنكر من قبل أفراد أمته. وفي هذه الحالة:

  1. يسقط احترامه.
  2. تنعكس المسؤولية. فهو جاء ليرشد الآخرين وإذا به يُرشد من قبل الآخرين! ﴿أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [١١].

فإذا وجدنا في هذه الأدلة الأربعة بأنَّ الملاك واحد يشمل المعصية الكبيرة والصغيرة عمداً وسهواً.

وبعبارة أخرى يكون مطلقاً وعاماً لحالات تبليغ الرسالة وغير تبليغ الرسالة. وما قيده الأشاعرة والمعتزلة من أنه لا توجد ضرورة للعصمة في الصغائر أو في حالة السهو أو في غير حالات التبليغ، هذا لا مبرر له على الإطلاق، وإنما لابد أن يكون النبي أو الرسول المبلغ عن الله تبارك وتعالى معصوماً في جميع الجهات حتى لا تنتفي فائدة البعثة.. وحتى يحصل الوثوق بكلامه.. وحتى يتسنى للناس اتباعه.. وحتى يتحقق ذلك اللطف الإلهي بشأنه.. وحتى لا يمس بكرامته ولا يشك في مصداقيته.

ولتوضيح ذلك يمكن أن نطرح السؤال التالي وهو كيف يكون الإنسان معصوماً ولا يصدر منه الذنب؟

وقبل الإجابة على ذلك نقول هل تقدر على تناول السمك المهلك أم لا؟

يمكن أن نقسم السؤال على قسمين:

  1. هل تقدم على تناول السمك المهلك؟
  2. هل تقدر على ذلك؟

الجواب على السؤال الأول هو قطعاً لا!

والجواب على السؤال الثاني هو نعم!

فإذا أردت أن تمدَّ يدك إلى قارورة السم فهل يوجد أحد يمنعك أو يصدك عن ذلك؟ وهل يوجد من يؤثر على إرادتك؟ وكذلك هل تمد يدك إلى سلك الكهرباء ذي التيار القوي؟

هل تقدر على ذلك؟

إذن إذا كان هناك شيء يؤدي إلى الموت والخطر الحتمي وهو مهلك ١٠٠٪ بلا إشكال، فلا أحد من الناس العقلاء الواعين يُقدم على هذا العمل. لكن هل يا ترى هو قادر على ارتكاب العمل؟!

الجواب نعم! فلماذا لا يقدم؟

لأنه يعرف النتيجة فلا يخاطر بحياته وإنما يحافظ على وجوده وكيانه.

فالنبي أو المعصوم بشكل عام رغم قدرته على ارتكاب المعصية لا يقوم بها أبداً!

وهناك نتيجة عملية متقنة وهي: إنَّ كل عمل في هذه الحياة له ظاهر وله باطن، له وجهٌ دنيوي ووجهٌ وراء هذا الستار المادي الدنيوي الظاهري، فإذا استطاع أحد أن يعرف المعادلة بين الظاهر والباطن ويعرف الصلة بينهما وأنَّ هذا الشيء الظاهر هو عين الشيء الباطن، فالرؤية والبصيرة عنده تتفتح آفاقها ويطل على عالم أرحب من هذا العالم المحدود، فإذا أزيح الستار واطلع على ذلك العالم الواسع سيكون كل شيء محصي بشكل دقيق ومطروح أمامه بوجهه الحقيقي كما أشار تعالى بقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً ولَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [١٢]، فماذا يصنع الشخص، هل يقدم على الذنب؟ وهل يقدم على العمل الذي تجسم أمامه بوجهه الباطني؟ فهذا ليس شيئاً نخترعه ونختلقه كما يزعم البعض، وليس محاولة لرفع مستوى الأنبياء والأئمة، فنقول بأنهم معصومون وأنهم قادرون على الذنب ويمتنعون عنه، وإنَّ معرفتهم لحقائق هذه الأمور هو الذي يمنع من ارتكاب المعاصي، لا بل هناك حقائق وشواهد تأريخية.

فمثلاً نلاحظ أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في إحدى خطبه فيما يتعلق بموضوع أخيه عقيل، لما سأل منه شيئاً إضافياً من بيت المال، قال له: «وَ اَللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اِسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَ رَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ اَلْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ ... وَ اَللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ اَلسَّعْدَانِ مُسَهَّداً وَ أُجَرُّ فِي اَلْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اَللهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ اَلْعِبَادِ»، هكذا ينظر المعصوم إلى الظلم! وعنده الظلم قبيح ومستهجن إلى درجة أنه يستعد أن يتحمل كل هذه المصائب ولا يظلم أحد، لأنَّ عنده آثار سلبية مترتبة على الظلم، وأن يقف أمام الله تبارك وتعالى ظالماً لبعض العباد أشد بكثير من الذي يلاقيه ومستعد أن يلاقيه اليوم.

إذاً فالمعصوم سواء كان نبياً أو إماماً حينما يمتنع عن المعصية كبيرة أو صغيرة عمداً أو سهواً في شؤون الرسالة وفي غيرها، يؤمن إيماناً قاطعاً بمذهبه وبخطه وبرسالته من جانب، ومن جانب آخر يعلم علماً قاطعاً بالآثار السيئة المترتبة على الذنب والمعصية.

فعلى أساس ذلك نجد الصلة وثيقة بين الإيمان العميق والعلم القاطع بالأثر السلبي وما يساوي العصمة.

ولقد تناول بعض علماء الفرق الإسلامية مسألة السهو والغفلة على الأنبياء وإمكان ذلك عليهم، وأشار إليها علماؤنا (رض) فنقول: ما دام النبي(ص) والأنبياء كلهم معصومين عن الخطأ والزلل والمعاصي والذنوب وسار كبيرها وصغيرها، عمداً وسهواً، لكن هل يمكن للنبي أن يغفل أو يسهو وينسى مثلاً لأنه إنسان عادي.

فهنالك روايات في بعض كتب الصحاح وفي بعض المتون القديمة تشير إلى أنَّ النبي(ص) على سبيل المثال كان يريد القيام بعمل ويتصور أنه عمله، وفي الواقع لميكن قد عمله، ومعنى ذلك أنَّ النبي قد يسهو وقد يخطئ. فهل يمكننا أن نتصور أنَّ النبي يغفل ويسهو أو لا؟

إنَّ الاتجاه الأغلب والذي يدعمه الدليل أنَّ النبي كما هو معصوم، فكذلك أنه لا يغفل ولا يسهو. وقد روي في حديث عن الإمام الصادق(ع) إلى تلميذه المفضل بن عمر الجعفي- الحديث المعروف بتوحيد المفضل - يقول(ع): «رُوحَ الْقُدُسِ فَبِهِ حَمَلَ النُّبُوَّةَ رُوحُ الْقُدُسِ لَا یَنَامُ وَ لَا یَغْفُلُ وَ لَا یَلْهُو وَ لَا یَسْهُو»، إذاً فالنبوة هي المسؤولية، والرسالة تكون مدعومة ومسندة وتحملها روح القدس!

ومزايا روح القدس هي: لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو.

فما دام النبي مدعوماً بهذه الأمور، فلا شك ولا ريب أنه لا يغفل ولا يسهو. فهو مدعوم بالتسديد الإلهي، وهذا التسديد الإلهي يحفظه ويصونه من كل زلل أو اشتباه. وهذا ليس غلو وإنما الرسول من جانب متصل بالسماء والوحي وبالوجود الكامل والكمال المطلق لله تبارك وتعالى.

ومن جانب آخر يتعامل مع البشر حتى يرشدهم، فلابد أن يكون من الكمال ومن الصيانة والدقة والتسديد بدرجة بحيث لا يكون مثل الأفراد العاديين فتنطبق عليه المواصفات الرديئة ولابد من الإشارة أيضاً إلى نقطتين أخيرتين:

  1. العلم والإحاطة الواسعة: فإنَّ النبي(ص) إضافة إلى الإعجاز والوحي والعصمة، لابد أن يكون أفضل أهل زمانه وإحاطته بالعلوم والكمالات كلها. وهذا واضح جداً، لأنه لو وجد في المجتمع من هو أعلم منه، فعندما يُسأل يجيب ولايعرف الإجابة، ومن ثم يكون في أفراد المجتمع من هو أفضل وأعظم منه، وهذا نقض الغرض.
  2. الخلو من النقائض والعيوب: فلا بد للنبي المرسل من أن يكون خالياً من النقائض والعيوب والعاهات الجسدية، فإذا كان من باب المثال مصاب بعاهة أو آفة فإنه يسقط عن أنظار الناس، لأنَّ الناس يتوقعون ويريدون ويتأثرون بالحالات الجسدية كاملة.

بعد هذا يمكننا أن نبين نقطتين مهمتين لهما علاقة بالعصمة وحقيقتها وأثرها:

  1. الإنسان القدوة.
  2. التسديد الإلهي.[١٣]

الإنسان القدوة

المفروض أنَّ النبي إنسان قدوة بعث لهداية الآخرين إلى الطريق الصحيح، وإذا كان قدوة فهو يكون داعية إلى الخير بأفعاله وبسلوكه قبل أقواله، لأنَّ النصيحة والدعوة تؤثر متى ما كان الإنسان القدوة الآمر والناهي يتجلى ذلك في سلوكه قبل أقواله، فلو لميكن كذلك كأن يطلب من الغير أن يمتنع عن الشيء وهو يرتكبه، أو يأمر بشيء وهو لا يعمل به فإنَّ ذلك يؤدي إلى التناقض السلوكي وسوف لن يحصل التأثير المطلوب في الآخرين ولا يمكنه أن يؤثر في أدنى شيء يريد أن يغيره فيهم.[١٤]

التسديد الإلهي

التسديد الإلهي مسألة مهمة جداً، لأنَّ الله تبارك وتعالى اختار شخصاً لتحمل هذه الأمانة الإلهية ليبلغ رسالة السماء إلى الناس، فطبيعة الحال يحتاج إلى شيء من التسديد، وإلا لكان مثل الأفراد العاديين، أي يُترك وشأنه، يصيب في مواضع ويخطأ في غيرها، بينما التسديد، يعني التوفيق يعني والتسهيل والعناية الخاصة، وبطبيعة الحال فالله تبارك وتعالى يؤيده ويدعمه بالمعجزة التي لها دور في إثبات دعوته بين الناس والإيمان بأنه رسول من عند الله تعالى، وقد ذكر القرآن الكريم على ذلك شواهد عدة منها قوله تعالى في آية التبليغ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الكَفِرِينَ [١٥]، فالتسديد الإلهي هو العصمة من الله تبارك وتعالى. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ الناس يعني لا تترك وحدك. وقوله تعالى: ﴿وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رمى [١٦]، كل ذلك يؤكد على التسديدات الإلهية الدائمة والإمداد الغيبي المستمر.

فإذا كان الإمداد الغيبي أمراً وارداً ومعقولاً، فلماذا لا يُسدد الله تبارك وتعالى أنبياءه بشيء من العزم والقوة والإرادة بحيث يجعلهم بمرحلة من السلوك الذي يكون الإقرار اللساني والاعتقاد القلبي ينعكسان على الجوارح، فتكون تصرفات النبي وأعماله كلها تجسيداً حقيقياً لكل مظاهر الإيمان، العدل، الحكمة، الإنفاق، العفو وكل القيم الأساسية التي يدعو لها الرسول، نراها تتجسد في سلوكه وفي حياته. فيكون قدوة وفي نفس الوقت يكون مسدداً بالتسديد الإلهي.[١٧]

البراهين العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء

إن من بين شبهات المخالفين إنكارهم لعصمة النبي الأكرم صلي الله عليه وآله وسلم، وقد استندوا في ذلك إلى آيات وروايات يبدو من ظاهرها نسبة الذنب والمعصية إلى النبي الأكرم (ص)[١٨] . وسيأتي تفصيل الآيات في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى.

وهناك من ذهب إلى الاعتقاد بأن النبي محمد (ص)كان بشراً اعتيادياً، ولذلك لم يكن يتصف بصفات خاصة من قبيل علم الغيب أو العصمة، كما أنه لم يدّع لنفسه مثل هذه الصفات، ومما جاء في كلام هذا البعض: «يُفهم من النصوص القرآنية الصريحة التي لا تقبل الشك، أنّ النبي لم يكن يدعي لنفسه العصمة والمراتب التي تفوق البشر - مما أثبته له الآخرون فيما بعد - وكان يرى نفسه غير معصوم من الخطأ»[١٩].

المقام العلمي والمعنوي للنبي الأكرم (ص)(التجرّد التام)

إن أول مسألة يجب التدقيق فيها هي مسألة التعارض بين العقل والنقل، بمعنى لو أن الدليل العقلي خالف الدليل النقلي بحسب الظاهر، فهل نقدّم الدليل العقلي على الدليل النقلي أم العكس هو الصحيح؟

يذهب الإخباريون إلى تقديم الدليل النقلي، أما أتباع المنهج العقلي فيقدّمون الدليل العقلي، ويعملون على تأويل الدليل النقلي.

وعليه لو دلّ الدليل النقلي في مسألة العصمة على وقوع المعصية والخطأ والنسيان من المعصومين وعلى رأسهم النبي الأكرم، فإن العقل سيقوم بتأويل هذا الدليل النقلى؛ وذلك لثبوت العصمة للمعصومين بالأدلة العقلية القاطعة.

فقد بلغ النبي الأكرم (ص)- من خلال تربيته وتهذيبه لنفسه - مرتبة خاصة من المعرفة والقرب الإلهي، حتى عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: «قاب قوسين»، وهي التي يعبّر عنها في المصطلح الفلسفي بمقام «التجرّد المحض». وإن الذي يمتلك مثل هذه النفس يسيطر على جميع أعضائه وجوارحه - الأعم من القوة النظرية والفعلية - ويسعى إلى تعديلها وليس إلى تعطيلها. ولمّا كان النبي - من خلال نفسه القدسية والإلهية ولارتباطه بمقام الحقيقة المحمدية - يطلع على جميع الأمور الماضية والآتية، فإن إمكان صدور الخطأ والنسيان عنه سوف يتعارض مع مقامه العلمي، كما أن إمكان صدور المعصية والذنب سوف يتعارض مع مقامه المعنوي ونفسه النبوية الكاملة. وطبقاً لمبنى أتباع المنهج العقلي، عندما يقع التعارض بين العقل والنقل يُصار إلى تأويل النقل، لا إلى إلغاء العقل[٢٠].

اقتضاء فلسفة البعثة للعصمة

يمكن بيان هذا الدليل من خلال تقريرين، نشير إليهما على النحو الآتى:

العصمة لازمة للدور التعليمي للنبوّة

إنّ بعثة الأنبياء وإرسال الرسل من الأمور الضرورية لهداية الناس، ونشر التعاليم والمعارف الدينية.

وعليه لو فرض أن الأنبياء كانوا معصومين عن الخطأ في تلقي الوحي وإبلاغه، وفي تفسير الدين وهداية الناس، فإن هؤلاء الناس سيطيعونهم ويتبعونهم بمزيد من الطمأنينة، وسوف يؤمنون ويلتزمون موقنين بسماوية التعاليم الدينية التي جاء بها الأنبياء. وأما إذا صدر الخطأ والزلل والمعاصي والذنوب عن الأنبياء، فإن ثقة الناس بهم سوف تنهار، وبذلك يتهاوى اتباعهم وتضعف طاعتهم، وهذا الأمر لا ينسجم مع الفلسفة والغاية من البعثة[٢١].

حاصل القول إن البرهان اللمي يقتضي عصمة الأنبياء وخاصة خاتمهم.

العصمة لازمة للدور التربوي للنبوّة

يتولى الأنبياء مهمة تربية الناس وتزكية النفس والعمل على إزالة الخبائث والأدران النفسية عن صفحة النفس الإنسانية، حيث قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ[٢٢]، وإن هذه المهمة لا تنسجم مع إنكار عصمة الأنبياء؛ لأن الناس عندما يشاهدون سفير السماء وهو يرتكب المعاصي والأخطاء، لن يكون لمواعظه وتوجيهاته تأثير عليهم.

بعبارة أخرى إن لازم كون النبي قدوة وأسوة للآخرين - على ما هو مذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[٢٣] هو أن يكون منزهاً عن جميع أنواع المعاصي والأخطاء، كي لا يبقى لدى الناس من قلق وشك في الاقتداء والتأسّي به في جميع المجالات؛ لإمكان الخطأ والمعصية عليه

الآيات

وعلاوة على الدليلين المتقدمين يمكن لنا أن نقتنص صفة العصمة للنبي الأكرم من بعض الآيات القرآنية أيضاً:

كل ما يقوله النبي الأكرم أو يفعله هو عين الوحي

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[٢٤].

إن هذه الآية الشريفة صريحة في أن كل قول أو فعل لرسول الله مخالف للأهواء النفسية، وأنه من الوحي السماوي، وهو أمرٌ يدلّ على عصمته مطلقاً. وبالالتفات إلى الآيات والشواهد الأخرى - التي سنأتي على ذكرها - يتضح أن لا خصوصية لنطق الرسول في هذا الأمر، وإن العصمة تشمل حتى أفعاله وسلوكه.

تطهير أهل البيت من جميع أنواع الرجس والآثام

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٢٥].

تتحدّث هذه الآية الشريفة عن أصل وقاعدة إلهية، تعلقت إرادة الله ومشيئته بموجبها برفع جميع أنواع الرجس والذنوب عن ساحة أهل بيت النبوة. وإن التعبير بـ ﴿يُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ[٢٦]، و﴿َيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٢٧]، صريحة الدلالة في إثبات العصمة لأهل البيت (ع) .

وقد اختلف علماء الإسلام في تحديد مصداق أو مصاديق أهل البيت. وقد ذهب الشيعة إلى القول بأنهم الخمسة من أصحاب الكساء (النبي الأكرم(ص)، والسيدة فاطمة الزهراء(ع)، و الإمام علي(ع)، و الحسن و الحسين(ع). أما أهل السنة فذهبوا إلى رأي آخر. إلا أن القدر المتيقن من ذلك هو شمول الآية الشريفة للنبي الأكرم (ص)بوصفه المصداق الأبرز لأهل بيت النبوة. وهناك في تفسير هذه الآية وحملها على عصمة أهل البيت (ع)، روايات مأثورة عن النبي الأكرم نفسه، سوف نأتي على ذكرها في الصفحات القادمة إن شاء الله .

الضمانة الإلهية بعصمة النبي الأكرم (ص)

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً[٢٨].

تحكي هذه الآية الشريفة عن سعي أعداء النبي الأكرم (ص)إلى إضلال النبي، إلا أن صدر الآية يؤكد على أن فضل الله الخاص ورحمته قد تعلقت بصيانته وعصمته من الضلال، كما تؤكد الآية على أن أعداء النبي لن يتمكنوا من إلحاق الضرر والأذى برسول الله أبداً.

علم النبي اللدني هو السر في العصمة

لقد أشار الجزء الأخير من الآية المتقدمة إلى بيان فضل الله على النبي الأكرم، وتعرّض إلى فلسفة عصمة النبي، وقال إن هذه العصمة ناشئة عن علم خاص لم يسبق للنبي أن حصل عليه، إذ يقول تعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ[٢٩]

وقد أشارت آيات أخرى إلى هذا العلم اللدني للنبي الأكرم (ص)بوصفه واحداً من أهم عناصر عصمته صلوات الله عليه، من قبيل قوله تعالى:

  1. ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[٣٠]
  2. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ[٣١]

تشير الآية الأخيرة إلى أن العلم اليقيني يساوق رؤية الجحيم، وكفى بذلك عاصماً من اقتراف المعاصي والذنوب.

المخلصون هم المعصومون

قال الله تعالى حكاية عن لسان إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[٣٢].

تحكي هذه الآية الشريفة عن قدرة الشيطان على إضلال جميع البشر، بيد أنها قد استثنت جماعة خاصة منهم، وهم «المخلصون» الذين بلغوا بعبادتهم ومعرفتهم وإيمانهم بالله أسمى مدارج الإخلاص. وقد اختلف العلماء في تحديد مصاديق المخلصين، إلا أن القدر المتيقن منهم هم الأنبياء وعلى رأسهم النبي الأكرم محمد بن عبد الله (ص).

وعليه طبقاً لصريح هذه الآية الشريفة، لا قدرة لإبليس على إضلال النبي الأكرم، بعد أن تمّ استثناؤه في هذه الآية بفضل الله، ولاذ بقلعة العصمة الحصينة.

عدم وصول الظالمين إلى مقام النبوة والإمامة

قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٣٣].

نزلت هذه الآية جواباً على سؤال النبي إبراهيم من الله سبحانه وتعالى أن يمنح ذريته مقام الإمامة الذي هو فوق النبوة؛ فقالت الآية إن الظالم غير جدير بمنصب الإمامة، وبذلك دلّت بمفهومها على أن الإمامة لا ينالها إلا الصالحون الذين لم يرتكبوا في حياتهم أدنى ظلم، ولمّا كانت المعاصي والذنوب من أبرز مصاديق الظلم في حق الفرد وفى حق الله، فلا يمكن لمرتكب المعصية والذنب أن يبلغ منصب الإمامة والنبوّة. ولمّا كان النبي محمد (ص)هو أشرف الكائنات وأفضل الأنبياء، يتضح أنه لم يرتكب ظلماً، وبعبارة أخرى لم يرتكب معصية، وباختصار إنه معصوم من الخطأ.

الأمر بإطاعة النبي الأكرم (ص) مطلقاً

إنّ العقل والعقلاء يحكمون بعدم التبعية والطاعة العمياء لشخص، إلا إذا حصل اليقين بأن الشخص «المطاع» لا يحيد عن الطريق القويم مقدار أنملة، وكان أمره كاشفاً عن المصلحة الواقعية.

وقد تمّت مراعاة هذه المسألة وهذا الأصل في الأوامر والأحكام الإلهية الصادرة عن الله بوصفه سيد العقلاء أيضاً. ومن خلال النظر في الأوامر الإلهية في الكتب السماوية ندرك أنه يطلب من العباد أن يطيعوا الأنبياء طاعة مطلقة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ[٣٤].

كما تمّ التأكيد في القرآن الكريم على ضرورة اتباع وطاعة النبي بوصفه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإن أمره مقدم على أوامرهم، مراراً وتكراراً، كما في قوله تعالى:

  1. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٣٥]
  2. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٣٦]

إن نفس الأمر بإطاعة النبي محمد (ص)طاعة مطلقة، واعتباره أولى بالمؤمنين من أنفسهم لخير دليل على عصمته في جميع شؤون حياته.

وقد بيّن الإمام علي (ع) فلسفة الأمر بإطاعة «أولي الأمر» بشكل مطلق، هو عصمتهم وطهارتهم من كل معصية.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً[٣٧]

إنّ هذه الآية الشريفة، أولاً جعلت إطاعة النبي الأكرم (ص)في مرتبة إطاعة الله. وثانياً ذكرت بإن إطاعته إنما هي إطاعة للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن ثَمَّ فإنه ستؤدي إلى العاقبة الحسنة، ومثل هذا التحليل لا ينسجم إلا مع عصمة النبي الأكرم (ص)[٣٨].

الروايات المأثورة عن النبي الأكرم (ص)

لقد صرّح النبي الأكرم (ص)سواء في تفسير الآيات الدالة على العصمة أو بشكل مستقل بعصمة مقام النبوة والإمامة، وقال في بعض الموارد إن أهل البيت هم مصاديق العصمة، فعلى سبيل المثال أشار النبي إلى الخمسة من أصحاب الكساء في آية التطهير ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٣٩]، وقال «اَللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ عِتْرَتِي وَ خَاصَّتِي وَ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ اَلرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً»[٤٠].

وقال النبي الأكرم الأكرم (ص) في رواية أخرى بشأن أهل بيته «فَإِنَّهُمْ مَعَ اَلْحَقِّ وَ اَلْحَقُّ مَعَهُمْ وَ هُمُ اَلْأَئِمَّةُ اَلرَّاشِدُونَ بَعْدِي وَ اَلْأُمَنَاءُ اَلْمَعْصُومُونَ»[٤١].

وقال النبي (ص) بشأن بيان فلسفة الإطاعة المطلقة لـ «أولي الأمر» التي تقدم ذكرها: «هُمُ اَلْمَعْصُومُونَ اَلْمُطَهَّرُونَ اَلَّذِينَ لاَ يُذْنِبُونَ وَ لاَ يَعْصُونَ وَ هُمُ اَلْمُؤَيَّدُونَ اَلْمُوَفَّقُونَ»[٤٢].

وإن دلالة هذه الروايات على عصمة النبي الأكرم (ص)نفسه تكون بالأولوية، وقد تقدّم بيان ذلك. وفي رواية أخرى تحدّث النبي عن عصمته الخاصة صراحة، حيث قال: «أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ وَ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ مُطَهَّرُونَ مَعْصُومُونَ»[٤٣].

الروايات المأثورة عن الأئمة الأطهار(ع)

أمّا الطريق الآخر لإثبات عصمة النبي الأكرم (ص)فيأتي من الطرق الخاصة، أي التصريح بعصمة النبي (ص)على لسان الأئمة الأطهار (ع) . وقد وردت هذه الروايات في كتب التفسير الروائي في معرض تفسير الآيات الموهمة لخلاف عصمة النبي الأكرم (ص).

وفي بعض الروايات صرّح الأئمة الأطهار (ع) باتصاف النبي الأكرم (ص)بالعصمة بشكل مستقل، ومن ذلك ما روي عن الإمام علي (ع) مع أنه قال: «فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ اَلْأَطْيَبِ اَلْأَطْهَرِ»[٤٤].

ففي هذا الحديث تمّ وصف النبي الأكرم (ص) بـ «اَلْأَطْيَبِ اَلْأَطْهَرِ» بشكل مطلق، وهو أمرٌ يدلّ على عصمته. وعلاوة على ذلك فإن الأمر باختيار الأسوة والقدوة المتمثلة بشخص يتصف بالطهر وطيب السجية، يتناسب مع التأسي به، وإلا فإن الأمر بمطلق التأسي والاقتداء لن يكون له محلّ من الإعراب.

وقد وصف الإمام علي (ع) سيرة النبي في موضع آخر، منذ ولادته إلى آخر لحظة من حياته بالطهر والطيب، حيث قال: «بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْكَ طِبْتَ حَيّاً وَ طِبْتَ مَيِّتاً»[٤٥].

وقال (ع) فى خطبة أخرى: «وَلَقَدْ قَرَنَ الله بِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المكارم، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ العالم»[٤٦].

وقد ذكر الإمام علي أن فلسفة أمر الله بإطاعة رسول الله وأولي الأمر تكمن فى العصمة، وقال في وصفهم: «لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ لاَ يَأْمُرُونَ بِمَعْصِيَةِ»[٤٧].

وروي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: «لاَ تَصْلُحُ اَلْإِمَامَةُ لِمَنْ قَدِ اِرْتَكَبَ مِنَ اَلْمَحَارِمِ شَيْئاً صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً وَ إِنْ تَابَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ»[٤٨].

كما روي عنه (ع) أنه قال في موضع آخر: «اَلْأَنْبِيَاءُ وَ أَوْصِيَاؤُهُمْ لاَ ذُنُوبَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ»[٤٩].

وروي عن الإمام أبي الحسن الرضا (ع)، أنه قال: «الْإِمَامُ الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُبَرَّأُ عَنِ الْعُيُوبِ، مَعْدِنُ الْقُدْسِ وَ النُّسُكِ وَ الزَّهَادَةِ وَ نَسْلِ الْمُطَهَّرَةِ، فَهُوَ مَعْصُومُ مُؤَيَّدُ مُسَدَّدٍ» [٥٠].[٥١]

المراجع والمصادر

  1.   السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية
  2.   محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. هناك تمييز بين الصغائر والكبائر، حيث يذكر عادة في الفقه ويتلخص ذلك في مجموعة من المعايير، من هذه المعايير أنَّ مسألة الصغائر والكبائر نسبية وأنَّ المعصية لو قيست بما هي أشد أصبحت صغيرة ولو قيست بالنسبة لما هي أدنى فهي كبيرة. ولكن القول الآخر يقول بأنَّ كل معصية توعد عليها بالنار في القرآن الكريم فهي كبيرة!
  2. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٨٠- ١٨٣.
  3. سورة التحريم، الآية ٦.
  4. سورة فصلت، الآية ٤٢.
  5. سورة ص، الآية ٨٢.
  6. لاحظ: مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)، جعفر السبحاني، ج ٥، ص ٦؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، السبحاني ص ١٠؛ الإلهيّات على هدي الكتاب والسنة والعقل، السبحاني،ج٢، ص ١٥٤؛ أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم، السبحاني ص ٢٨٩؛ رسائل ومقالات، السبحاني، ص ٢٩٤؛ سيرة الرسول الأكرم في القرآن الكريم (بالفارسية: سيره رسول اكرم در قرآن) الجوادي الآملي، ج ٥،ص ٦؛ عصمة الأنبياء في القرآن الكريم، الجوادي الآملي، ص ١٠.
  7. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٥٨-١٥٩.
  8. البقرة: ١٢٤.
  9. الحشر: ٧.
  10. آل عمران: ١٣٢.
  11. يونس: ٣٥.
  12. الكهف: ٤٩.
  13. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٨٣-١٩٠.
  14. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٩٠.
  15. المائدة: ٦٧.
  16. الأنفال: ١٧.
  17. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٩٠-١٩١.
  18. أُنظر: مسعود انصاري (روشنگر)، الله أكبر، ص ١٦٣ و٣٠٦.
  19. علي دشتي، بيست وسه سال، إعداد وتنقيح بهرام چوبينه، ص ٩١ .
  20. أُنظر: عبد الله جوادي آملي، أدب فناي مقربان، ج ٣، ص ٢٦٨.
  21. أُنظر: الحسن بن يوسف الحلي، كشف المراد، مبحث النبوة؛ جعفر سبحاني، الإلهيات،ج ٣، ١٦٧؛ محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقيدة (دروس في العقيدة)، الدرس الخامس والعشرون.
  22. سورة البقرة، الآية ١٢٩.
  23. سورة الأحزاب، الآية ٢١.
  24. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  25. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  26. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  27. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  28. سورة النساء، الآية ١١٣.
  29. سورة النساء، الآية ١١٣.
  30. سورة البقرة، الآية ١٤٣.
  31. سورة التكاثر، الآية ٥-٦.
  32. سورة ص، الآية ٨٢-٨٣.
  33. سورة البقرة، الآية ١٢٤. ولمزيد من التوضيح، أُنظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، تفسير الآية أعلاه؛ محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقايد (دروس في العقيدة)، الدرس السادس والعشرون .
  34. سورة النساء، الآية ٦٤.
  35. سورة الأحزاب، الآية ٦.
  36. سورة النساء، الآية ٥٩.
  37. سورة النساء، الآية ٦٩.
  38. أُنظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، تفسير آيات العصمة؛ جعفر سبحاني، الإلهيات، ج ٣، ص ١٥٥ - ١٨٨؛ محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقايد (دروس في العقيدة)، الدرس الخامس والعشرون.
  39. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  40. جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج ٥، هامش الآية أعلاه.
  41. علي بن محمد الخزاز القمي، كفاية الأثر، ص ١٠٤؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٦، ص ٢٨١ و٣٢٠ و٣٢٣ و٣٤٦.
  42. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٣، ص ١٩.
  43. سليمان القندوزي، ينابيع المودة، ج ٢، ص ٣١٦؛ إبراهيم الجويني الخراساني، فرائد السمطين، ج ٢، ص ٣١٣؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٢٠١ .
  44. نهج البلاغة الخطبة، الخطبة رقم ١٦٠ .
  45. محمد باقر المحمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٣.
  46. نهج البلاغة، الخطبة رقم ١٩٢.
  47. الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج ١، ص ١٢٣.
  48. الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص ٢٠٠.
  49. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٠، ص ٢٢٦ .
  50. محمد بن يعقوب الكليني، ح١، ص ٢٠٠.
  51. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٩٦.