الآخِر في نهج البلاغة
التعريف
الآخِر: الأخير، ضِدُّ الأوّل، وهو إسم لَفَرْد لاحق لمن تقدّمه ولم يعقبه مثله، وجمعه: آخِرون، والاُنثى: آخِرة، وجمعها: أُخْريات، وأواخِر. والآخِر: الأبعد المتأخِّر عن الخير والآخِر: المُؤَخّر المطروح، وهو من أسماء الله تعالى، وهو الباقي بعد فناء خلقه كلّه ناطقه وصامته. واليوم الآخِر: يوم القيامة، وهو النشأة الثانية، وكذلك الآخِرة، ودار الآخِرة، والدار الآخِرة[١]، ويقال: أوّلهم، وآخِرهم، ويراد به شمول الجميع.
قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[٢]. أي يختمون دعاءَهم بالتحميد[٣].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[٤]. الباقي بعد فنائها[٥].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾[٦]. يوم القيامة[٧].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾[٨]. أي لمن يأتي بعدنا[٩].
وقال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾[١٠]. أي ثناءً حسناً، وذكراً جميلاً، وصيتاً وقبولاً في الاُمم الآخرين باقياً إلى يوم القيامة[١١].
من مواعظه(ع): «فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ»[١٢].
أي ينتظر بالبعث الأكبر والقيامة الكبرى للذين ماتوا أوّلاً، وصول الباقين وموتهم.
ومن حكمه(ع): «تَوَقَّوُا الْبَرْدَ في أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ في آخِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ في الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ في الْأَشْجَارِ؛ أَوَّلُهُ يُحْرِقُ، وَ آخِرُهُ يُورِقُ»[١٣].
أراد به فصل الربيع منبع النمو وبث الروح الكامنة والمحفزة في النبات والحيوان.
بين «أَوَّلُهُ يُحْرِقُ» و«آخِرُهُ يُورِقُ» طباق لفظي ومعنوي على التوالي، جمع لهما جناساً وإيقاعاً مسجّعاً من طرفي الجملتين المتقابلتين؛ لمنحهما دقّة وقوّة في دلالتهما. وفي تكرار «آخِرِهِ» تنبيه على توقّي البدن وتلقّيه الذي هو وجه الشبه بين الإنسان والنبات.
ومن مواعظه(ع) البليغة: «مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَ آخِرُهُ جِيفَةٌ، وَلَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ حَتْفَهُ»[١٤]. أي نهايته.
ومن حديثه(ع) عن وجه قبوله لتولّي الخلافة: «لَوْلَا حُضُورُ الْحَاضِرِ... وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا»[١٥].
أي تركتها آخراً كما تركتها أوّلاً، وخلّيت الناس يشربون من كأس الحيرة والجهالة بعد عثمان، ويعمهون في سكرتهم، كما شربوا في زمن الثلاثة قبله(ع)[١٦]. وهذا الترك استوجب تقديم لفظة «الآخر» على لفظة «الأوّل».
ومن كتابه(ع) إلى الحارث الهمداني: «وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا؛ فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً، وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا»[١٧]. أي زائل مفارق.
ومثله قوله(ع): «إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا»[١٨].
وذلك أنّ المقدّمات تدلّ على النتائج، والأسباب تدلّ على المسبّبات، فإذا اشتبهت أمور على العاقل الفطن ولم يعلم إلى ماذا تؤول، فإنّه يستدل على عواقبها بأوائلها وعلى خواتمها بفواتحها[١٩].
ومن حديثه(ع) عن عاقبة الخوارج: «كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ؛ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِينَ»[٢٠]. أي قُطّاعاً للطرق.
ومن تحذيره(ع) من فتن الظلمة: «يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ، أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ»[٢١]. أي جميعهم على مستوى وصعيد واحد.
ووصف(ع) مقدار معرفته بتجارب السابقين قائلاً: «بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ»[٢٢].
ومن تزهيده(ع) في الدنيا وترغيبه في الآخرة: «وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالْآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ»[٢٣].
المقابلة بين «الدُنْيَا. أعْلَى هِمَّتِهِ» و«الآخِرَةِ. أدْنَى سُهْمَتِهِ» إذ قايس بينهما من خلال الطباق «الدُّنْيَا» و«الآخِرَةِ» والجناس بين «هِمَّتِهِ» و«سُهْمَتِهِ» بأن لا مناسبة بين من ظفر من الدنيا بكلّ ما يأمله، وبين من ظفر من الآخرة بأدنى نصيب؛ وذلك لعظم ثواب الآخرة وشرفها، فكيف من يظفر من الآخرة بأعلى قسط!!
ومن هذا الباب قوله(ع): «رَحِمَ اللهُ امْرَءَ اً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، وَاعْتَبَرَ فَأبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِن الآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ»[٢٤].
الإتيان بلفظ «كَأَنَّ» في المقامين للتقريب وتشبيه وجود الدنيا بعدمه في الأوّل، وتنزيل عدم الآخرة منزلة الوجود في الثاني؛ تأكيداً ومبالغة في قصر زمان تصرّم الدنيا، وقلّة زمان لحوق الآخرة.
ومن تحذيره(ع) من التملّق للاُمراء والسلاطين: «وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ في دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ في آخِرَتِكُمْ»[٢٥].
أي في نشأتكم الثانية؛ وهي يوم القيامة. وأفاد التقابل بين الشقّ على أنفسهم في هذه الدنيا والشقاء الأبدي في الآخرة، بيان حالتهم المتّسمة بالضعف والنفاق.
ومن حكمه(ع): «مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ»[٢٦]. أي أتى بما هو صالح نافع.
وقال(ع) في مساوئ البخل: «وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ»[٢٧].
أي بادله آخرته بدنياه. لقد بيّن لنا الامام(ع) في حكمته هذه أثر مرض البخل على الفرد والمجتمع.
وقال(ع) في عظمة الباري سبحانه: «وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا»[٢٨].
قصد الإمام(ع) من التقابل بين «الدُّنْيَا» و«الآخِرَةِ» بيان قدرة الله تعالى على تدبير أمرهما وإخضاعهما له عزّ وجلّ[٢٩].
ومن حديثه(ع) عمّا به قوام الدين والدنيا: «قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ: عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ، وَجَاهِلٍ لَايَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لَايَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وَفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ...»[٣٠].
أي لا يتخلّى عن آخرته، ولا يقبل أن تكون دنياه ثمناً وعوضاً له عن آخرته.
وفيه فنّ التقسيم إذ قسّم قوام الدين والدنيا إلى أربعة أقسام، ثمّ أضاف إلى كلّ قسم ما يليق به. وقال(ع) في صفة من هو أبغض الرجال إلى الله تعالى: «وَإنَّ مِنْ أبْغَضِ الرّجَالِ إلَى الله لَعَبْداً وَكَلَهُ الله إلى نَفْسِهِ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً، بغَيْرِ دَلِيلٍ، إنْ دُعِيَ إلى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإنْ دُعِيَ إلى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ»[٣١].
استعار حرث الدنيا للأفعال والأعمال المتوقّع نفعها وثمرتها من تجارة، وزراعة، ونحوها. واستعار حرث الآخرة للطاعات والعبادات التي ترجى ثمرتها فيها. وفي النصّ سجع مرصّع؛ لتوافق ألفاظ كلّ من الفقرتين «جَائِراً» و«سَائِراً» وزناً وتقفية، وكذا الفاصلتان «السَّبِيلِ» و«دلِيلِ» والفاصلتان «عَمِلَ» و«كَسِلَ» فاختيار السجعات الحسنة والملاءمة بينها وتقابل أجزاء الجمل، أضفت على النصّ قوّة في الدلالة وجمال التعبير.
ومن وصفه(ع) للمتقين: «فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا في دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا في آخِرَتِهِمْ»[٣٢].
أي أنّهم شاركوا أهل الدنيا في حلالها، ولم يتوانوا في ابتغاء مرضاة الله وثوابه، فلم يفرّطوا في شيء من آخرتهم مقابل هذه الدنيا.
وفيه طباق السلب بين «شَارَكُوا» و«لَمْ يُشَارِكُوا» والمقابلة بين «دُنْيَاهُمْ. شَارَكُوا» و«آخِرَتِهِمْ. لَمْ يُشَارِكُوا». إذ أثبتت تناقض الفئتين في ممارساتهم في هذه الدنيا.
ومن وصفه(ع) للمتقين أيضاً: «وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللهِ غَداً في آخِرَتِهِمْ؛ لَاتُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ»[٣٣].
أي جاوروا أنبياءه وأولياءه في يوم القيامة.
وفيه فنّ الاستقصاء للمعنى واستيعاب ما يجازى به المتقون؛ بحيث لم يترك شيئاً ينقص من جزائهم، فلهم خصوصية أنّ دعوتهم لا تردّ إذا دعوا، ولا ينقص لهم نصيب أو حظّ من لذّة، بل لذائذهم كاملة تامّة.[٣٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم مفردات القرآن، ج١، ص٢٩؛ الراغب الأصفهاني، مادّة: (أخر).
- ↑ سورة يونس، الآية ١٠.
- ↑ الكشاف، ج٢، ص٣٢٠.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٣.
- ↑ الكشاف، ج٤، ص٤٦٠؛ مجمع البيان، ج٥، ص٣٤٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨.
- ↑ مجمع البيان، ج١، ص١٣٢.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١١٤.
- ↑ مجمع البيان، ج٢، ص٤٠٩؛ الكشاف، ج٢، ص٦٧٨.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٨٤.
- ↑ مجمع البيان، ج٤، ص٣٠٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٢٨.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٥٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٣.
- ↑ منهاج البراعة، ج٣، ص٩٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٦٩.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٧٦.
- ↑ شرح النهج، ابن ابي الحديد، ج١٨، ص١٩١؛ شرح حكم نهج البلاغة، عباس القمي، ص١٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٦.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٨٩.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٣٣.
- ↑ التقابل الدلالي في نهج البلاغة، (رسالة ماجستير) تغريد الخالدي، ص٢٦.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٢٣-١٢٨.