حياة الله في علم الكلام

التعريف

اختلفوا في تعريف الحياة على أقوال:

  1. فذهب الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن الحياة: هي صحة اتصاف الذات المقدسة بالعلم والقدرة[١].
  2. وذهب آخرون إلى أن الحياة: صفة تقتضي اتصاف الذات بالقدرة والعلم. وبعبارة أخرى: الحياة: ما من شأنه أن يوصف الموصوف به بالقدرة والعلم.
  3. وقال العلامة الحلي: معنى كونه حيا هو أنه لا يستحيل أن يقدر ويعلم[٢].
  4. ويقول السيد الطباطبائي: الحي عندنا: هو الدراك الفعال ثم يقول مفرعا عليه: فالحياة: مبدأ الادراك والفعل، أي مبدأ العلم والقدرة، أو أمر يلازمه العلم والقدرة[٣] وكما ترى، فالكل علق الاتصاف بالحياة على الاتصاف بالعلم والقدرة لأن العلم والقدرة لا يتصف بهما الا من كان حيا، ولازم هذا أن من كان عالما قادرا كان حيا.

وهذا النمط من التعريف - كما هو بين - تعريف باللازم، والتعريف باللازم لا يكشف عن حقيقة الشئ ولا يوضح مفهومه، وانما يشير اليه إشارة[٤].

سبب الاختلاف في التعريف

ومرد هذا إلى أن مفهوم الحياة يماثل مفهوم الوجود في أنه أعرف من أن يعرف.

وهذا هو شأن أكثر المفاهيم التي تدرك بالوجدان ادراكا فطريا، فإنها مما تستحضرها الأذهان ويعجز عن تعريفها البيان، ولذا لا يقوى الانسان على الاعراب عنها بتعريف منطقي يقولب بالألفاظ.

ولأن ما ذكر قديما للحياة مثل:

  • الحياة: اعتدل المزاج النوعي.
  • أو أنها: قوة تتبع ذلك الاعتدال.

مما يتصور في حق الأحياء من الممكنات لا يتصور في حقه تعالى. كما يقول العضد الإيجي[٥].

ويؤكد ما ذكر من أن مفهوم الحياة من المفاهيم التي ليست في متناول التعريف، لأنها أعرف من أن تعرف، ما جاء في (موسوعة المورد) - وهي أحدث دائرة معارف عربية التزمت ذكر أحدث ما توصلت اليه المعرفة الانسانية من نتائج علمية - ونصه:

«الحياة Life: خاصية تميز الحيوانات والنباتات عن الأشياء غير العضوية وعن المتعضيات الميتة.

وإذا كان هذا التعريف ناقصا أو ساذجا فمرد ذلك إلى أن ظاهرة الحياة العجيبة لا تزال تنتظر من يعرفها تعريفا كاملا بعيدا عن السذاجة.

وأيا ما كان، ففي استطاعتنا أن نفهم الحياة إذا عرفنا أهم صفات الكائن الحي: يتميز الكائن الحي على وجه التعميم بأنه غير ساكن Static وبأنه يتكيف مع البيئة، وبانه يخضع لتغير داخلي مستمر. ومن أبرز مظاهر هذا التغير: النمو، والحركة، والتوالد أو التناسل، والأيض أو الاستقلاب Metabolism، والتأثيرية أو قبول الإثارة irriiabilty، وهي تتميز بها الحيوانات العليا في المقام الأول فتجعلها تستجيب لمختلف المنبهات أو المؤثرات»[٦].

ويعرفها معجم (الصحاح في اللغة والعلوم): الحياة - Life: مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل وغير ذلك[٧].

وأيضا نقول: هما تعريفان باللازم، وخاصان بالاحياء من الممكنات.

وننتهي من كل هذا إلى أن مفهوم الحياة هو ما يحضر في أذهاننا من معنى ومدلول عند سماعنا لكلمة حياة.

الا أنها في حقه تعالى تختلف عنها في حقنا، وذلك أن حياتنا يدركها الموت فيبطلها.

أما في حقه تعالى فحياته لا يدركها موت ولا يلحقها فناء، يقول السيد الطباطبائي: ان الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها، ولا يتصور ذلك الا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها، ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ[٨]. وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر[٩].[١٠]

الدليل على أنه حي

ووفقا لمنهجهم في الاستدلال على اتصاف الذات بالحياة باتصافها بالعلم والقدرة للملازمة بينهما وبينها، وكما يقول القاضي عبدالجبار المعتزلي: وهو حي لأن أحدنا متى خرج عن أن يكون حيا استحال أن يعلم ويقدر، ومتى صار حيا صح ذلك فيه، وأحواله كلها على السلامة. فإذا كان الله تعالى عالما قادرا فيجب ان يكون حيا لم يزل ولا يزال[١١].

أقول: إننا بعد أن أثبتنا وجود المبدأ الأول أو الذات الإلهية، وعرفنا أن معنى الإله هو الخالق المدبر.. والخالق هو الذي يفيض الوجود على مخلوقه.. والمدبر هو الذي يدبر المخلوق في متطلبات ومقتضيات وجوده.

ومن مخلوقاته - ومن غير شك - الاحياء. نؤمن بأنه حي لان فاقد الحياة لا يفيض الحياة[١٢].

قدمه وبقاؤه

وينسق على هذا: إنه تعالى قديم، وقدمه أزلي.

وأنه تعالى باق، وبقاؤه أبدي.

أي أن وجوده تعالى سرمدي لا أول له ولا آخر، فلم يسبق بعدم، ولم يلحق بعدم[١٣].

الدليل على سرمديته

والدليل على ذلك: ثبت - فيما تقدم - أنه واجب الوجود لذاته، فيستحيل عليه العدم مطلقا: سابقا ولاحقا، والا كان ممكنا.. وهذا خلف.

وإذا استحال العدم المطلق عليه، ثبت قدمه وأزليته وبقاؤه وأبديته، وهو المطلوب[١٤].

واليه أشار، وعليه دل، كلام امامنا أمير المؤمنين (ع): قال:«وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اَلْأَوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ وَ اَلْآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ » وقال: «فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ يَنَالُهُ حَدْسُ اَلْفِطَنِ - اَلْأَوَّلُ اَلَّذِي لاَ غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ وَ لاَ آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ» وقال:«اَلْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ اَلْعِبَادِ وَ سَاطِحِ اَلْمِهَادِ وَ مُسِيلِ اَلْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ اَلنِّجَادِ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ اِبْتِدَاءٌ وَ لاَ لِأَزَلِيَّتِهِ اِنْقِضَاءٌ هُوَ اَلْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَ اَلْبَاقِي بِلاَ أَجَلٍ»[١٥].

المراجع والمصادر

  1.   عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام

الهوامش

  1. المقداد السیوري، النافع یوم الحشر، ص 24
  2. العلامة الحلي، نهج المسترشدین، ص 35
  3. السید محمد حسین الطباطبائي، بدایة الحکمة، ص 235
  4. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 113 - 114
  5. العضد الإيجي، المواقف، ص 290
  6. موسوعة المورد، أنظر مادة: Life
  7. معجم الصحاح في اللغة والعلوم، أنظر مادة: حيي.
  8. سورة الفرقان: 58.
  9. السید محمد حسین الطباطبائي، تفسیر المیزان، ج 2، ص 330
  10. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 114 - 115
  11. قاضي عبدالجبّار المعتزلي، المختصر في أصول الدین، ص 328
  12. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 116
  13. عبد الهادي الفضلي|عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام (كتاب)|خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 116
  14. المقداد السیوري، النافع یوم الحشر، ص 27
  15. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 116 - 117