حياة الله في معارف الإمام الحسين وسيرته
تمهيد
قال الإمام الحسين (ع): «سُبْحَانَ اَللَّهِ اَلْمَلِكِ اَلْحَيِّ اَلَّذِي لاَ يَمُوتُ»[١].
لكي يتضح اتصاف الباري تعالى بالحياة، ينبغي أن نعرف معنى الحياة وأقسامها ضمن المباحث الآتية: [٢].
أولاً: معنى الحياة
مفهوم الحياة من المفاهيم الواضحة والتي يُدركها الإنسان بوجدانه، وقد ذُكر للحياة معنيان، أحدهما عامّ والآخر خاصّ:
المعنى العام: الحياة هي المبدأ الذي يترتب عليه النمو _ التغذية والتوليد _ وهذا المعنى من الحياة يشمل الحيوان والنبات مقابل الجماد، ويُستعمل هذا المعنى من الحياة عند علماء الطبيعة.
المعنى الخاص: إنَّ الشيء الذي يتصف بالحياة يستوجب الاتصاف بالعلم والقدرة، بمعنى أنَّ أيّ شيءٍ لا يتصف بصفة العلم والقدرة إلّا إذا اتصف بالحياة، فكلّ عالم قادر فهو حي[٣]. قال الطباطبائي في تعريف الحياة بأنَّها: «نحو وجود يترشح عنه العلم»[٤] . نعم، حقيقة الحياة مجهولة الكنه، وهذا ما أجمع عليه الباحثون من الفلاسفة والمتكلّمين[٥].
ثانياً: الحياة الحقيقية مختصّة بالله تعالى
قال الإمام الحسين (ع): «سُبْحَانَ اَللَّهِ اَلْمَلِكِ اَلْحَيِّ اَلَّذِي لاَ يَمُوتُ»[٦].
يشير الإمام الحسين (ع) في كلمته العظيمة هذه إلى أنَّ الحياة الحقيقية، هي حياة الباري تعالى دون غيره من أنحاء وأقسام الحياة، كحياة الكائنات في هذه الدنيا؛ لأنَّ حياة الدنيا حياة زائلة، كما أشارت لذلك النصوص القرآنية من قَبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾[٧]، وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[٨]، وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾[٩]. فعدّ القرآن الكريم الحياة بأنَّها متاع، ومن الواضح أنَّ المتاع هو ما قُصد لغيره، وعدّها لهواً، ومن المعلوم أنَّ اللهو هو ما يُلهي الإنسان ويشغله عمّا يهمّه، وعدّها لعباً، واللعب هو الفعل الذي يصدر لغاية خيالية لا حقيقية، ونحو ذلك من الأوصاف التي وصفت بها الدنيا كالزينة والعرض، كلّ ذلك ليُبيّن أنَّ الحياة الدنيا ليست هي الحياة الحقيقيّة؛ لأنَّها حياة زائلة[١٠]، أمّا الحياة الحقيقيّة فهي حياة الباري تعالى؛ لأنَّها حياة غير زائلة ولا موت فيها، كما أشار الإمام الحسين(ع) بقوله: «اَللَّهُمَّ سُبْحَانَكَ يَا قَيُّومُ سُبْحَانَ اَلْحَيِّ اَلَّذِي لاَ يَمُوتُ».
سؤال وجواب
بناءً على ما تقدَّم من أنَّ الحياة الحقيقيّة هي الحياة التي لا موت فيها، وهي حياة الباري تعالى، ينبثق هذا السؤال: هل أنَّ الحياة الأُخرويّة أيضاً حياة لا موت فيها؟ كما أشارت لذلك النصوص القرآنيّة والروائيّة المُتضافرة، من قَبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾[١١].
والجواب عن هذا السؤال: إنَّ الحياة الأُخرويّة وإن كانت حياة لا يطرأ عليها الموت أبداً، لكن عدم طروّ الموت عليها ليست بذاتها، بل بإفاضة منه تعالى، فهو تعالى المُفيض للحياة الأُخرويّة، فالحياة الأُخرويّة مملوكة له تعالى.
فالحياة الحقيقيّة هي التي لا يطرأ عليها الموت لذاتها. وهذا المعنى من الحياة لا يُمكن تصوّره إلّا أن تكون الحياة مُتحققة لموجود بذاته، ليس بتمليك وإفاضة غيره، وهذا ما نلمس الإشارة إليه من كلام الإمام الحسين(ع) حينما يقول: «سُبْحَانَ اَللَّهِ اَلْمَلِكِ اَلْحَيِّ اَلَّذِي لاَ يَمُوتُ»[١٢]. مضافاً إلى أنَّ الحياة صفة كمال، وعدم اتصاف الباري تعالى بها لذاته، يعني أنَّه مُحتاج إليها، وقد تبيّن أنَّ الله تعالى غنيٌّ بذاته غير مُحتاج، كما قال الإمام الحسين: «إِلَهِي أَنْتَ اَلْغَنِيُّ بِذَاتِكَ»[١٣].
ونطوي هذه الفقرة بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة الله تعالى؛ لأنَّها حياة غير زائلة، وأنَّه تعالى حيّ بذاته لا بغيره[١٤].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ٨٧.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٩٥.
- ↑ اُنظر: المحقق الحلي، جعفر بن الحسن، المسلك في أُصول الدين: ص٤٥. العلّامة، الحسن بن يوسف، كشف المراد: ص٤٠١.
- ↑ الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٢، ص٣٢٨.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني (كتاب)|أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٩٥-٩٦.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ٨٧.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٢٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٣٢.
- ↑ اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٢، ص ٣٢٩.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٥٦.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ٨٧.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢٢٦، مقطع من دعاء عرفة.
- ↑ علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٩٦-٩٧.