الأمن
التعريف
«الأمن» لغةً واصطلاحاً
«الأمن» مصدر، يدلّ في الأصل على معنيين متقاربين، الأوّل: اطمئنان القلب، والآخر: التصديق ؛ لأنّ الإنسان يصدّق الشيء فيما إذا اطمأنّ قلبه إليه.
يقول ابن فارس في هذا المجال: الهَمزَةُ وَالميمُ وَالنّونُ أصلانِ مُتَقارِبانِ، أحَدُهُما: الأَمانَةُ الَّتي هِيَ ضِدُّ الخِيانَةِ، ومَعناها سُكونُ القَلبِ، وَالآخَرُ: التَّصديقُ. وَالمَعنِيانِ كَما قُلنا مُتَدانِيانِ... رَجُلٌ اُمَنَةٌ إذا كانَ يَأمَنُهُ النّاسُ ولا يَخافونَ غائِلَتَهُ.[١]
وكتب الراغب في المفردات قائلاً: أصلُ الأَمنِ: طُمَأنينَةُ النّفسِ وزَوالُ الخَوفِ، وَالأَمنُ وَالأَمانَةُ وَالأَمانُ فِي الأَصلِ مَصادِرُ.[٢]
لكنّ موضوع البحث هنا ليس مطلق الأمن، بل أحد مصاديق معناه الأوّل، أي الأمن الاجتماعي.[٣]
الأمن في الكتاب والسنة
استخدم «الأمن» ومشتقّاته في الكتاب والسنة في معانٍ مختلفة، مثل: الأمانة، الإيمان، الأمن من الأخطار التي تهدّد الإنسان في الآخرة[٤]، والأمن في مقابل المخاطر التي تهدّد الاستقرار الاجتماعي للإنسان..[٥]
موقع الأمن الوطني في النظام الإسلامي
يمثّل الأمن الاجتماعي من منظار النصوص الإسلامية، أحد أكبر النعم الإلهية وأهنأها حيث تعادل نعمة الصحة والسلامة، وجميع الناس بحاجة إليها، وبدونها يفقد الفرح مفهومه في الحياة، مع ذلك فإنّ أغلب الناس لا يعرفون قدر هذه النعمة: نِعمَتانِ مَكفورَتانِ: الأَمنُ وَالعافِيَةُ. [٦]
وفي المقابل، فإنّ انعدام الأمن هو أحد أشد النقم الإلهية، فالحياة مع فقد الأمن فاقدة للذّة، والمعيار في تقويم الوطن هو مدى تمتّعه بالأمن، كما روي عن الإمام علي (ع): «شَرُّ الأَوطانِ ما لَم يَأمَن فيهِ القُطّانُ» [٧].[٨]
البلد المثاليّ في الأمن
تبلغ أهمّية الأمن الاجتماعي في الإسلام حدّا بحيث اُطلق على مركز بزوغ الشمس المشرقة لهذه الديانة السماوية أي مكّة المكرّمة اسم «البلد الأمين»، ووضعت المقرّرات الشديدة لاجتناب أيّ نوع من النزاع والصراع والحرب وسفك الدماء في هذه الأرض المقدّسة[٩]، بحيث إنّ الإنسان ليس هو الوحيد الذي يجب أن يتمتّع فيها بالأمن المطلق، بل إنّ الحيوانات والطيور والنباتات يجب أن تتمتّع أيضا بالأمن والأمان، ولا يحقّ لأحد أن يتسبّب بأيّ أذى لها.
يمكن القول إنّ قيمة الأمن المطلق في مكّة في الحقيقة بمثابة عرض للمدينة الإسلامية النموذجية، فعلى مسؤولي الحكومة الإسلامية أن يوفّروا الأمن اللّازم في البلاد الإسلامية الاُخرى، كما هو الحال في عصر حكم الإمام المهدي (عج)، إذ سيعمّ الأمن المطلق العالم..[١٠]
مسؤولية النظام الإسلامي في إقرار الأمن
إنّ الملاحظة الاُخرى الدالّة على أهميّة الأمن الاجتماعي في الإسلام، هي ربط الأمن بفلسفة الرسالة والإمامة في الروايات الإسلامية، كما يقول رسول الله (ص) جوابا على سؤال عن فلسفة رسالته: «بِأَن توصَلَ الأَرحامُ وتُحقَنَ الدِّماءُ وتُؤمَّنَ السُّبُلُ» [١١]
كما يشير حفظ حدود البلاد الإسلامية وحراستها وإيجاد الأمن للمظلومين، في بيان فلسفة ولاية أئمّة أهل البيت (ع) إلى مسؤولية الحكّام المسلمين الكبيرة في إقرار الأمن الاجتماعي.[١٢]
أخطر التهديدات الأمنية
أهمّ الأخطار التي تهدّد أمن المجتمع البشري من وجهة نظر القرآن والأحاديث الإسلامية هي: الخلافات السياسية والاجتماعية والاعتداء على حقوق الآخرين، وكفران النعم الإلهية.
ويعدّ هذا درسا هامّا للحكومات، وهو أنّ أمن المجتمع لا يمكن تأمينه من خلال الاعتماد على القوّة الاستخباراتيه والعسكرية فقط، فالمسؤولون الحكوميون الذين يريدون أن يتمتّع مجتمعهم بالأمن الكامل، يجب أن يسعوا إلى الحدّ من الخلافات الداخلية والخارجية، وأن ينشروا العدل والقسط، ويحثّوا الناس على شكر النعم الإلهية ومعرفة قدرها، فكلّما كانت الخلافات والاعتداء على حقوق الآخرين أقلّ وكان شكر النعم الإلهية أكثر، فإنّ المجتمع سوف يتمتّع بأمن واستقرار أكثر.[١٣]
السياسات الأمنية للإمام عليّ (ع)
من القضايا البالغة الأهمّية في مجال الأمن الاجتماعي، السياسات الأمنية من منظار الإسلام، سوف نقوم بدراسة هذه السياسات بشكل مفصّل في الأبواب المختلفة لهذه الموسوعة، مثل: الجهاد، والصلح والحرب، والتجسّس، والتعذيب والعداوة ؛ لذلك نكتفي هنا بالإشارة إلى المحاور الرئيسة للسياسات الأمنية في الإسلام ولأجل الوقوف على هذه السياسات سوف نلقي نظرة عابرة على السياسات الأمنية للإمام عليّ (ع)، وهي بصورة اجمالية تمثل ما يلي:
- التخطيط للحصول على المعلومات المطلوبة اللّازمة عن التهديدات الأمنية وعواملها.
- التمتّع بالوسائل والإمكانيات الرادعة للعدوّ.
- الدعم المادي والمعنوي للقوات المسلحة.
- التخطيط لتحويل التهديدات الأمنية إلى فرص أمنية.
- تجنّب الاصطدام مع الأعداء دون ضرورة.
- الحذر واليقظة إزاء المؤامرات التي تهدّد أمن المجتمع.
- الالتزام بالقيم الأخلاقية في الكشف عن المؤامرة المهدّدة للأمن ومواجهة مسبّبيها.
- التعامل الحازم والجذري مع العوامل والآفات التي تهدّد الأمن الاجتماعي.[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم مقاييس اللغة: ج ١، ص ١٣٤.
- ↑ مفردات ألفاظ القرآن: ص ٩٠.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٣.
- ↑ المراد هو الأمن من العذاب الالهي الذي وردت الاشارة اليه في القرآن الكريم والروايات الكثيرة.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٤.
- ↑ الخصال: ص٣٤ ح٥ عن إسماعيل بن مسلم عن الإمام الصادق عن آبائه (ع)، بحار الأنوار: ج ٨١ ص ١٧٠ ح١.
- ↑ غرر الحكم: ج٤ ص١٧١ ح ٥٧١٢، عيون الحكم والمواعظ: ص ٢٩٥ ح ٥٢٧٩.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٤.
- ↑ راجع: المصادر الفقهية للاطلاع على هذه الضوابط.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٥.
- ↑ مسند ابن حنبل: ج ٦ ص ٥٣ ح ١٧٠١٣، مسند الشاميّين: ج ٢ ص ٣٠ ح ٨٦٣، تاريخ دمشق: ج ٤٦ ص ٢٦٢.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٥.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٦.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٥، ص ١٠٦.