الأمن في نهج البلاغة
التعريف
الأمْن
الأمن: الأمان، والسلامة، وحالة اطمئنان النفس وسكونها، أو زوال الخوف[١]، يقال: أمِنَ يأمَنُ أمْناً وأماناً وأمَنَةً وأمْنَةً: اطمأنّ، ولم يخف، ولم يتوقّع مكروهاً، فهو آمِنٌ وأمِنٌ، وأمِنَ من الشرِّ: سلم منه، وأمِنَهُ على كذا: جعله أميناً عليه، ووثق به، واطمأنّ إليه فيه[٢].
قال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[٣]. أي بعدم الخوف[٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾[٥]. أي أمر ممّا يوجب الأمن أو الخوف أفشوه[٦].
قال(ع) في ذمّ الدنيا: «لَا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَيْتَها رَغَبَاً إلَّاأَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَبَاً، وَلَا يُمْسِي مِنْهَا في جَنَاحِ أَمْنٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ»[٧].
أراد به عدم ثبات أمنها؛ وسرعة انتقاله إلى الخوف. شبّه الأمن بطائر ذي جناح، وحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو الجناح، مع بقاء المشبّه؛ على سبيل الاستعارة المكنيّة، وفي الاستعارة الثانية شبّه الخوف بحيوان ذي قوادم، وحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو القوادم؛ على سبيل الاستعارة المكنيّة أيضاً.
ومن حديثه(ع) عن الشهداء والصدّيقين: «قَدْ - وَاللهِ - لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ»[٨]. أي أنزلهم منزلاً يأمنون فيه من جميع المكاره.
ومن وصفه(ع) للسالك إلى الله سبحانه: «وَثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمْأَنِينَةِ بَدَنِهِ في قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ»[٩].
أي إلى قرار مكين وأمين من عذاب الله؛ أي كانت الراحة الكلّية والسعادة الأبدية مستثمرة من ذلك التعب الذي تحمّله لمّا استعمل قلبه وراضَ جوارحه ونفسه حتّى وصل[١٠].
ومن وصفه(ع) لجنود الإسلام: «فَالْجُنُودُ - بِإِذْنِ اللهِ - حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ»[١١].
وصفهم(ع) بأربع أوصاف. واستعار لفظ «الْأمْنِ» للجند باعتبار أنّ لازم وجود الجند تحقّق الأمن في البلاد.
في دعوته(ع) إلى مداراة الناس والرفق بهم: «مُقَارَبَةُ النَّاس ِ في أَخْلَاقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ»[١٢].
أي أنّ مجاملة الناس وعدم الابتعاد عن عاداتهم وسلوكهم - ممّا ليس بمحرّم - موجب لأن يأمن الإنسان أذاهم ومكرهم.
وقال(ع) في فضل الإسلام: «فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ (عقله)»[١٣].
أي محلّ أمان واطمئنان لمن تعلّق به. وفيه فنّ مراعاة النظير؛ إذ رتّب الأمن على التعلّق والسلم على الدخول.
ومن أمره(ع) بحفظ ذمّة العدوّ: «وَلَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ؛ فَإنَّهُ لَايَجْتَرِئُ عَلَى اللهِ إلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ»[١٤]. «أفضاه» - هنا - بمعنى أفشاه، وأصله المزيد من فضا فضواً من باب قعد؛ أي اتّسع، فالرباعي بمعنى وسعه، والسعة مجازية يراد بها الإفشاء والانتشار[١٥]، وفيه يعكس(ع) النظرة النبيلة لتجسيد تعاليم الإسلام وإنسانيته في المحافظة على العهود والمواثيق حتّى مع أعداء الإسلام.
ومن دعوته(ع) للصلح المرضي لله سبحانه: «وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحَاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ، وَللهِ فِيهِ رِضىً؛ فَإِنَّ في الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَ أَمْناً لِبِلَادِكَ»[١٦]. وهذا هو مبدأ الإسلام الخالد في الدعوة للسلم والسلام.
ومن وصفه(ع) لأصحاب الجنّة: «قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ»[١٧].
أي أنّهم يساقون إلى الجنّة حال كونهم مأمونين من العقاب والعذاب، منقطعاً عنهم خطاب العتاب الذي جسدّه الإمام(ع) من خلال حسن الجناس المتوازن وازدواج الفواصل[١٨]، فهم مطمئنّون بأنّ العذاب لا يطالهم، ولا ينالهم، فقد أمنوه لإيمانهم، كما أنّهم لا يعاتبون على شيء، أو يسألون عن شيء[١٩].
ومن حكمه(ع) في الحذر من الدنيا: «مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ»[٢٠].
أي أنّ من اطمأنّ إلى الدنيا ساهياً عن تقلّباتها غدرت به. أسند(ع) الخيانة والإهانة إلى الزمان مجازاً، مع أنّ الزمان ليس بفاعلها، بل هو زمان وقوعهما فيه. وبين «خانَهُ» و«أَهانَهُ» سجع متناغم يمزج الفكرة - من خلاله - بالايقاع في صوره المتتابعة؛ لاستحضار العبر، واستخلاص الحقائق.
ومن حكمه(ع) أيضاً: «وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ»[٢١].
أي أنّ من خاف عذاب الله عمل على طاعته، ومن أطاعه أمن من عذابه، ومن نظر في مواقع العبرة أدرك الحقيقة وأبصر، ثمّ علم نتائجها الحسنة الطيّبة. وفيه فنّ مراعاة النظير، إذ نجد كلّ فقرة من هذه الجمل تتولّد منها الجملة اللاحقة تولّداً عقلياً واقعياً، كما زانتها المحسّنات المختلفة، كالسجع، والجناس، إضافة إلى ترابط الأفكار وتسلسلها، وتآلف الكلمات وترابطها.
ومن تحذيره(ع) من الاستدراج عند تكاثر النعم: «إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ في ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً، فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً»[٢٢]. أي اطمأنّت نفسه إلى ما يجب الخوف منه.
ومن حديثه(ع) عن أهل الجنّة: «قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ؛ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ، وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ»[٢٣].
بين «القَرَارِ» و«الأَسْفَارِ» سجع متوازٍ جسّد(ع) من خلاله أنّ الجنة التي استقرّوا فيها قد أُمِّنُوا حتّى في انتقالهم من هذه الحياة إلى البرزخ، ومن هناك إلى المحشر، ومن هناك إلى الجنّة.
ومن وصيّة له(ع) لأبي ذر لمّا أخرجه عثمان إلى الربذة: «لَا يُؤنِسَنَّكَ إلَّا الْحَقُّ وَلا يُوحِشَنَّكَ إلَّاالْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْياهُمْ لأَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمَّنُوكَ»[٢٤].
أي لو قبلت دنياهم الفانية لصرت في مأمن من شرورهم، ولم يصل إليك أذاهم. وبين «الوحشة» و«الإيناس» وبين «الحقّ» و«الباطل» طباق حرص الإمام(ع) من خلاله على ترسيخ ثوابت المثل العليا، التي أراد أن يؤكّدها في نفس أبي ذر.
ومن ذمّه(ع) لأصحابه: «وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ»[٢٥]. أي زال خوفكم ممّا حذّرتم منه.
ومن حثّه(ع) على الاقتداء بالنبيّ(ص): «فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ»[٢٦]. أي لا يسلم من العذاب والنار؛ لانحصار النجاة باتّباعه(ص).
ومن بيانه(ع) لحاجة المعافى إلى الدعاء: «مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ، بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْبَلَاءَ»[٢٧].
فالمبتلى يدعو ليرفع عنه البلاء، وأمّا المعافى فهو يدعو لدفع البلاء قبل حلوله؛ لتدوم النعمة عليه.
ومن ذمّه(ع) للأشعث بن قيس: «وَإِنَّ امْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ، وَلَا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ»[٢٨].
فيه فنّ التلميح؛ وهو أن يشير المتكلّم إلى قصّة مشهورة أو مثل سائر دون أن يذكرها؛ لتكون علامة في كلامه، وزيادة في المعنى المقصود. قال السيّد الرضي قدس سره: أراد به حديثاً كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة، غرّ فيه قومه، ومكر بهم حتّى أوقع بهم خالد، وكان قومه بعد ذلك يسمّونه: «عرف النار» وهو اسم للغادر عندهم.
والتقابل بين اسمي التفضيل «الأَقْرَبُ» و«الأَبْعَدُ» لبيان ذلك الغدر وتشخيصه لفعلة الأشعث الشنيعة بقومه، وهم أقرب الناس إليه، فكان جديراً بقومه أن يبغضوه، فكيف يأمن غدره الأبعد؟!
ومن تحذيره(ع) من مصير السلف الطالح: «كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ»[٢٩].
أي أسرع إليهم الموت وهم في أمان منه؛ لزعمهم أنّه لا يباغتهم في هذا الأوان[٣٠]. بدأ الامام(ع) ب اُسلوب إنشائي؛ وهو الاستفهام التعجّبي المراد به الوعظ والتذكير، يزينه السجع المنتهي بطرفي الجملتين المزدوجتين؛ لمزج الفكرة بالإيقاع في استحضار العبر، واستخلاص الحقائق.
ومن نهيه(ع) عن عيبة الناس: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَاتَعْجَلْ في عَيْبِ أَحَدٍ (عبد) بِذَنْبِه؛ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ؛ فَلَعَلَّك مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ»[٣١]. إذ لا يعلم الإنسان مورد غضب الله تعالى.
ومن تحذيره(ع) من الدنيا: «وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ»[٣٢].
أي احذر الدنيا؛ فإنّها قد تحرف الإنسان عن الله، وتدخله في مداخل الباطل، وتتزيّن له، فيسرع إليها[٣٣]؛ لظنّه أنّها لا تخدعه، ولا تنال منه[٣٤].[٣٥]
الأمِنة
الأمِنة: الأمن: عدم الخوف[٣٦]، وقيل: الأمنة إنّما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه، يقال: أمِنَ أمْناً، وأماناً وأمَناً وأمَنَةً؛ أي لم يخف، فهو آمن، وهي آمِنة، وهم آمنون، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾[٣٧]. أي أمناً هو النعاس، و«نُعَاسَاً» بدل من «أَمَنَةً» أو مفعول له؛ لأنّ النعاس سبب حصول الأمن.
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾[٣٨]. أي لأجل الأمن[٣٩].
من وصاياه(ع) في ماله: «هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ في مَالِهِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ؛ لِيُولِجَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيَهُ بِهِ الْأَمَنَةَ (الاُمنية)»[٤٠]. أي الأمن في الآخرة من العذاب والنار.[٤١]
الآمِن
الآمِن: المطمئنّ غير الخائف الذي لا يتوقّع مكروهاً، أو هو الآمن أصحابه، أو المنسوب إلى الأمن الذي يجمع جميع الأحوال الصالحة للإنسان من الصحّة، والرزق، ونحو ذلك. وجمع آمن: آمنون. قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾[٤٢]. أي مطمئنّاً غير خائف.
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾[٤٣]. أي ذات أمن، أو آمناً سكّانها.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾[٤٤]. أي ذا أمن أو آمناً أصحابه.
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾[٤٥]. أي غير خائفين.
قال(ع) في عدم تبرئته لنفسه الشريفة إلّاما شاء الله سبحانه: {{نص حديث|فَإِنِّي لَسْتُ في نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيَ، وَلَا آمَنُ ذاكَ مِنْ فِعْلِي؛ إلَّاأَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي{{نص حديث|[٤٦]. أي لا يطمئن بأنّه لا يقع فيه إلّابعون الله وتسديده الذي يملك من نفسه مالا يملكه هو من نفسه[٤٧].
وقال(ع) في سبب وصيّته ونصيحته للإمام الحسن(ع): «ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرائِهِمْ، مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذلِكَ - عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ - أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فيهِ الْهَلَكَةَ»[٤٨].
أي بأن أتركك وشأنك؛ لتأخذ من الناس آراءهم حتّى تهلك بسبب الانحراف الذي يأتي إلى ذهنك في أمور الدين، وتأخذه من الناس المنحرفين.
وقال(ع) في غناء الباري سبحانه وأمنه من معاصي العباد: «فَإِنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ»[٤٩].
أي لم يكن يخاف من عصيانهم. ووجب الفصل بين الجملتين لكمال الاتصال. وفي «طاعَتِهِمْ» و«مَعْصِيَتِهِمْ» سجع متوازٍ في صورة طباق؛ لبيان أنّ الله لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه. وقال(ع) في ترويض نفسه الشريفة بالتقوى: «وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى؛ لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ»[٥٠]. أي آمنة مطمئنّة يوم القيامة.
وقال(ع) في المطيع لأوامر الله سبحانه: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللهَ وُفِّقَ، وَمَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتي هِيَ أَقْوَم؛ فَإِنَّ جَارَ اللهِ آمِنٌ، وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ»[٥١]. أي واثق مطمئنّ.
وقال(ع) في ذمّ الدنيا والتزهيد فيها: «فَإِنَّهَا - وَاللهِ - عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الْآمِنَ»[٥٢]. أي أمن غدر الدنيا، وغفل عن أشراكها.[٥٣]
الآمَنُ
الآمَنُ اسم تفضيل بمعنى الأكثر أماناً.
من وصيّته(ع) بتقوى الله سبحانه: «فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ... وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى، في أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَ آمَنِ يَوْمِهِ»[٥٤].
أي في أطيب راحته، وآمن أوقاته. وإطلاق اسم «النوم» على الراحة من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم على سبيل المجاز المرسل.
وبين «نَوْمِهِ» و«يَوْمِهِ» جناس مصحّف، وفي الجملتين المزدوجتين سجع مرصّع أضاف قوّة في الدلالة، وجمالاً في التعبير.[٥٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر مفردات الراغب، ص٩٠؛ المصباح المنير، مادّة: (أم ن)؛ الكلّيات، ج١، ص٣١١؛ تعريفات الجرجاني، ص٣٨.
- ↑ ينظر لسان العرب، مادّة: (أم ن).
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨١.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٥٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٣.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٥٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٠.
- ↑ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج١١، ص١٤١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٠١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٦.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، شرح الإمام عبده، ج٣، ص١١٨.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.
- ↑ وهو ازدواج جملتين متتاليتين منتهيتين بفاصلتين مسجوعتين.
- ↑ ينظر شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٦١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٠٨.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٥٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٠٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ في ظلال نهج البلاغة، ج٢، ص١٤٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٠.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٦.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٥، ص١١٦.
- ↑ بهج الصباغة، ج٤، ص٢٠٦.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٩٨-٣٠٣.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٥٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٥٤.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ١١.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٥٩.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٣١٠-٣١١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٩٧.
- ↑ سورة النحل، الآية ١١٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٦.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٥٠٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٤٥؛ وأَرُوضُها: أذلّلها، والتقوى: امتثال أوامر الله تعالى واجتناب ما نهى عنه.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٣.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٣٠٥-٣٠٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٣٠٧.