الأمن في الفقه المقارن

من إمامةبيديا

التعريف

الأمن لغةً: ضد الخوف مطلقاً، سواء كان من عدو أو غيره، وهو: عدم توقّع مكروه في الزمان الآتي [١].

ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ[٢]، أي أنّ النصر والإمداد البشري واطمئنان القلوب كان في وقت يأخذكم النعاس؛ للأمن الذي أفاضه الله على قلوبكم[٣]. واستعمله الفقهاء في نفس المعنى اللغوي.[٤]

الأحكام

ذكر الفقهاء أحكاماً كثيرة تتعلّق بالأمن؛ لما للأمن من أهمية بالغة في حياة الإنسان.

وقد اتّفقت كلمة العقلاء على أنّ الأمن يمثّل أحد الركائز الرئيسية لمختلف مجالات الحياة البشرية.

اهتمام الشريعة بالأمن

قد وضعت الشريعة إطاراً عاماً لبناء الأمن في حياة الإنسان يقوم على مجموعة عناصر مادية ومعنوية تمثل أسباباً للأمن، بحيث لو التزم الناس بما شُرّع لهم لسادهم الاستقرار والأمن والأمان. ومن تلك الأسباب:

الإسلام والإيمان

قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[٥].

فإنّ من عرف الله تعالى وصدّق به، وبما أوجب عليه، ولم يخلط ذلك بظلم فهو المحكوم بالاهتداء، وله الأمن من الله تعالى بحصول الثواب والأمان من العقاب[٦].[٧]

الإمامة والسلطة العادلة

قد وقع خلاف بين الإماميّة وبين غيرهم من المذاهب في تفسير معنى الإمام والإمامة، فالإماميّة يعتقدون أنّ الإمامة منصب إلهي لا يتبوّأه إلّا من ارتضاه الله ونصّ عليه أن يكون إماماً، والأئمة في عقيدتهم هم النبي (ص) واثنا عشر إماماً، أشار إليهم القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٨]، فقد نصّ المفسّرون على أنّ المراد ب - (أهل البيت) هم أئمة أهل البيت الإثنا عشر[٩]، وكذلك ما ورد عن النبي (ص) من حديث الثقلين الذي يجعل العترة عدلاً للقرآن[١٠]، وما ذلك إلّا لأنّ الإمامة تقوم بنفس الدور الذي يقوم به الكتاب من حفظ الأُمّة من الخوف والعقاب الإلهي والدنيوي. وتنظيم شؤون الأُمّة، ويقوم بهذا الدور من بعدهم الفقهاء أو عدول المؤمنين.

أما سائر المذاهب، فالإمامة عندهم هي الخلافة والملك، والإمام هو الخليفة والحاكم[١١].

وتحدّث كلا الفريقين عن ضرورة الإمامة ودورها في حفظ الدين والأمن والنظام.

فالإمامة موضوعة لنظام المسلمين وصلاح الدين وعزّ المؤمنين، فهي أسّ الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف [١٢].

وورد في رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا( ع) قوله: «اَلْإِمَامُ يُحِلُّ حَلاَلَ اَللَّهِ وَ يُحَرِّمُ حَرَامَ اَللَّهِ وَ يُقِيمُ حُدُودَ اَللَّهِ وَ يَذُبُّ عَنْ دِينِ اَللَّهِ وَ يَدْعُو إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ ﴿بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ اَلْحُجَّةِ اَلْبَالِغَةِ... اَلْإِمَامُ أَمِينُ اَللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ خَلِيفَتُهُ فِي بِلاَدِهِ وَ اَلدَّاعِي إِلَى اَللَّهِ وَ اَلذَّابُّ عَنْ حُرَمِ اَللَّهِ»[١٣].

وقال بعض الشافعيّة: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين وهمجاً مضيعين.

ثمّ ذكر ما يلزم الإمام من الأُمور العامة، وهي عشرة أشياء:

  1. حفظ الدين على أُصوله المستقرّة وما أجمع عليه سلف الأُمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجّة وبيّن له الصواب؛ ليكون الدين محروساً من خلل، والأمّة ممنوعة من زلل.
  2. تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، فلا يتعدّى ظالم، ولا يضعف مظلوم.
  3. حماية البيضة والذبّ عن الحريم ليتصرّف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار، آمنين من تغرير بنفس أو مال.
  4. إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من الإتلاف.
  5. تحصين الثغور بالعدّة المانعة والقوة الدافعة.
  6. جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمّة.
  7. جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع.
  8. تقدير العطايا وما يستحقّ في بيت المال من غير سرف ولا تقدير.
  9. استكفاء الامناء وتقليد النصحاء فيما يفوّض إليهم من الأعمال ويوكل إليهم من الأموال.
  10. أن يباشر بنفسه مشارفة الأُمور وتصفّح الأحوال ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذّة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشّ الناصح[١٤].

وعلى هذا، فإنّ من أهم الأُمور الضرورية للبشر، وجود النظام الاجتماعي والدولة الحافظة لحقوق المجتمع، وأنّ من أهم وظائف الدولة - خصوصاً الصالحة اللائقة الحافظة لحقوق الأُمّة، الآخذة بيدها، المدافعة عن منافعها ومصالحها - حفظ الأمن للناس، بحيث يقوم بسببه كيان المجتمع.

بل إنّ الحكومة الجائرة مع ما فيها من الشر والفساد خير من الفتنة والهرج. وقال (ع ): «وَالٍ ظَلُومٌ غَشُومٌ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تَدُومُ»[١٥].

وقال (ع) أيضاً: «أنّه لابدّ للناس من أمير، برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر»[١٦].

وقال بعض الفقهاء: إنّ حفظ النظام من الواجبات الأكيدة، واختلال أُمور المسلمين من الأُمور المبغوضة[١٧].[١٨]

القوانين النظامية وأنظمة العقوبات

لا يخفى أنّ هناك حاجة ماسة إلى قوانين ومقررات، وإلى قوة منفّذة لها، مانعة من تعدّي الإنسان، بعدما كان مجبولاً في طبعه على شهوات وميول مختلفة، من حبّ الذات وحبّ المال والجاه والحرية المطلقة في كلّ ما يريده ويهواه، حيث أنّ ذلك كثيراً ما يجرّ إلى التزاحم والتضارب في الأفكار والأهواء، ويستعقب الجدال والصراع[١٩].

ومن أهم القوانين التي وضعتها الشريعة الإسلامية، القوانين الجزائية والجنائية التي وضعت فيها عقوبات تواجه الجريمة بكلّ أنواعها وتحقّق الأمن في الحياة الإنسانية.[٢٠]

تشريع الجهاد

لا يستهدف الجهاد في الإسلام ما تستهدفه الحروب في المجتمعات الجاهلية، من تسلّط واحتلال وغيره، بل يستهدف رفع الفتنة وتحرير الناس من عبودية ما سوى الله، وكسب رضاه، وإقامة العدل وتحقّق الأمن[٢١].[٢٢]

أخذ عنوان الأمن في موضوع بعض التشريعات

تعرّض الفقهاء في غير ما ذكر إلى جملة من الأحكام المتعلّقة بالأمن في موارد متعدّدة، منها:

الأمن في العبادات

تعرّض الفقهاء في عدّة مواطن إلى أنّ الأمن للإنسان شرط في وجوب العبادات؛ لأنّ حفظ النفس والبدن من التلف أو الضرر أولى من تعريضها للضرر بسبب العبادة، ومن هذه المواطن:

الطهارة

ذكر الفقهاء أنّ من شرائط الصلاة الطهارة بالماء، ويشترط في الطهارة الأمن من استعمال الماء، فإذا خاف على نفسه التلف أو لصّاً أو برداً، فإنه يسقط الوضوء ويتعين عليه التيمّم وكذا في الغسل[٢٣].

وروى ابن عباس أنّ رجلاً أصابه جرح في رأسه على عهد النبي (ص )، ثمّ أصابه احتلام فأُمِرَ بالاغتسال، فاغتسل فكزّ فمات، فبلغ ذلك النبي (ص) فقال: « قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اَللَّهُ»[٢٤].

وعن يعقوب بن سالم، قال: سألت أبا عبد الله (الإمام الصادق) (ع) عن رجل لا يكون معه ماء، والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك، قال: «لاَ آمُرُهُ أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ فَيَعْرِضَ لَهُ لِصُّ أَوْ سَبُعٌ»[٢٥].[٢٦]

الصلاة

يجب أن تكون الصلاة تامّة الأجزاء والشرائط في حال الأمن، وأما لو عرض الخوف، فإنّ الحكم قد لا يبقى على ما هو عليه. فمثلاً: يجب الاستقبال على المصلّي في حال الأمن، فإذا لم يتحقّق الأمن بأن خاف من سبع مثلاً سقط الاستقبال[٢٧].

وقد روي عن النبي (ص) قوله: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ»[٢٨].

وعن النبي (ص ): «لاَ يُتْرَكُ اَلْمَيْسُورُ بِالْمَعْسُورِ»[٢٩].

وكذا الحال في بقية الشرائط، مثل صلاة العاري من جلوس مع عدم الأمن من وجود المطّلع[٣٠].[٣١]

الصوم

ذكر الفقهاء أنّ من الشروط في الصوم الأمن من الضرر والمرض في نفسه وبدنه، فإذا لم يأمن من الضرر يجوز له الإفطار [٣٢]؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[٣٣].

«عَنِ اَلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِنَّ لَنَا فَتَيَاتٍ وَ شُبَّاناً لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى اَلصِّيَامِ مِنْ شِدَّةِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ اَلْعَطَشِ قَالَ فَلْيَشْرَبُوا بِقَدْرِ مَا تَرْوَى بِهِ نُفُوسُهُمْ وَ مَا يَحْذَرُونَ »[٣٤].[٣٥]

الحجّ

صرّح كثير من الفقهاء بأنّ من شرائط وجوب الحجّ أمن الطريق في النفس والمال والعرض، فلو كان الطريق مخوفاً أو كان فيه مانع من عدو أو سبع أو لصّ ولم يجد طريقاً آخر آمناً، سقط وجوب الحجّ في ذلك العام[٣٦].

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[٣٧].[٣٨]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمن من الضرر[٣٩]، وقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قوله: «اَلْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيُ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَ لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ وَ لاَ عَلَى أَصْحَابِهِ»[٤٠].[٤١]

إجراء الحدود والتعزيرات

ذكر الفقهاء أنّ من شرائط إقامة الحدود الأمن من الضرر.

وقال بعض فقهاء الإماميّة: لا يجلد ولا يُحدّ من وجب عليه الحدّ إذا كان مريضاً، أو في جسده قروح كثيرة ويخشى سراية مرضه إلى جسده أو سائر أعضائه، ولا يُقام الحدّ في شدّة البرد ولا شدّة الحرّ؛ خشية الهلاك، ولا في أرض العدو خشية الالتحاق به[٤٢].

وذكر فقهاء المذاهب أنّه يشترط للقصاص فيما دون النفس إمكان استيفاء المثل من غير حيف ولا زيادة مع الأمن من السراية.

ولخوف التلف يؤخّر القصاص فيما دون النفس للحرّ المفرط والبرد المفرط، ومرض الجاني، وحتى تضع الحامل. وكذلك الأمر بالنسبة لإقامة الحدّ جلداً، إذ يشترط أن لا يكون في إقامته خوف الهلاك؛ لأنّ هذا الحدّ شرّع زاجراً لا مُهْلكاً [٤٣].

وقال بعض الإماميّة: ومن وجب عليه الجلد، وكان عليلاً؛ تُرك حتى يبرأ، ثمّ يقام عليه الحدّ. فإن اقتضت المصلحة تقديم الحدّ عليه؛ أُخِذَ عُرْجون فيه مائة شمراخ أو ما ينوب منابه، ويُضرب به ضربة واحدة، وقد أجزأه. ولا يُضرب أحد في الأوقات الحارّة الشديدة الحرّ، ولا في الأوقات الشديدة البرد، بل يُضرب في الأوقات المعتدلة.

وقال أيضاً: والمرأة إذا زنت وهي حامل لم يُقم عليها الحدّ، لا الرجم ولا الجلد، حتى تضع ما في بطنها، وتخرج من نفاسها، وترضع ولدها. فإذا فعلت ذلك، أُقيم عليها الحدّ رجماً كان أو جلداً[٤٤].[٤٥]

الأمن في الحرم المكّي

اعتبرت الشريعة الحرم المكّي موضع أمن لأهله ولمن لجأ إليه، بل كان ذلك معروفاً في الجاهلية، لما كان يراه الناس من حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم (ع )[٤٦].

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً[٤٧].

وقال رسول الله (ص) يوم فتح مكّة: «أنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكته، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلّا من عرّفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس: يا رسول الله، إلّا الإذخر، فإنّه لِقِينهم وبيوتهم، فقال (ص ): إلّا الإذخر»[٤٨].

وجاء في رواية ابن سنان عن أبي عبد الله الإمام الصادق (ع) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: «إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً»، البيت عنى أو الحرم ؟ قال: «من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن من سخط الله عزّ وجلّ، ومن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم»[٤٩].[٥٠]

الأمانة

يجب على الأمين أن يضع الأمانة التي عنده في مأمن، ولو فرط في ذلك كان ضامناً.

وقد اشترط فقهاء الإماميّة في جواز نقل الزكاة والخمس وسائر الأمانات الشرعيّة من بلد إلى آخر أن لا يكون الطريق مخوفاً غير آمن، فإن نقلها مع عدم الأمن كان ضامناً إن هلك[٥١].

وكذا لو كانت أمانة مالكية - كالوديعة، والشركة، والعارية - فإنّه لا يجوز السفر بها مع ظهور أمارة الخوف؛ ضرورة عدم كونه حفظاً لها، إذ السفر في نفسه مخاطرة، ولأنّ هذا ممّا يصدق عليه التفريط في الحفظ أو التعدي [٥٢].

واتّفق فقهاء المذاهب على انّه لا يجوز لأي من الشريكين أن يسافر بمال الشركة، إذا كان الطريق مخوفاً إلّا بإذن شريكه؛ لأنّ السفر بمال الشركة في الطريق المخوف يؤدّي إلى تعريضه للأخطار، وتعريض مال الغير للخطر لا يجوز دون إذن صاحبه.

ومثل ذلك مال المضاربة، فإنّه لا يجوز لعامل المضاربة السفر بمال المضاربة إلّا عند أمن الطريق[٥٣].

ويجوز السفر بمال الوديعة إن كان الطريق آمناً ولم يخف عليها، عند الحنفيّة[٥٤]، وهو المذهب عند الحنابلة[٥٥].

فإن كان الطريق مخوفاً، فلا يجوز له السفر بها، وإلّا ضمن، بينما ذهب الشافعيّة[٥٦]، والمالكيّة[٥٧]، إلى أنّ من كانت عنده وديعة، وأراد السفر، وجب عليه تسليمها لصاحبها أو وكيله أو أمين، فإن سافر بها مع وجود أحد من هؤلاء ضمن؛ لأنّ الإيداع يقتضي الحفظ في الحرز، وليس السفر من مواضع الحفظ؛ لأنّه إمّا أن يكون مخوفاً أو آمناً لا يوثق بأمنه؛ ولذلك لا يجوز السفر بالوديعة مع عدم الضرورة[٥٨].[٥٩]

الأمن من مكر الله عزّ وجلّ

ذكر الفقهاء أنّ من جملة الكبائر، الأمن من مكر الله عزّ وجلّ[٦٠]، وذكروا في مقابله اليأس من روح الله.

قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[٦١].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ[٦٢].

وروي عن ابن عباس أنّ النبي (ص) سُئل: ما الكبائر ؟ فقال: « الشرك بالله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر»[٦٣].

وعن الحسن بن أبي سارة، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق(ع) يقول: «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو»[٦٤].

ويستفاد من هذا الحديث وغيره أن الجمع بين الخوف والرجاء بالنسبة للإنسان المؤمن، هو غاية في الأهمية ويجعله في رتبة عالية من الإيمان؛ إذ له التأثير الكبير في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، وليس هناك من تنافٍ بينهما؛ فإنّ ملاحظة سعة رحمة الله تعالى ولطفه على عباده سبب الرجاء القاطع لليأس، والنظر إلى شدة بأس الله وما أوعد به العاصين موجب للخوف الدافع للأمن من مكر الله سبحانه[٦٥].[٦٦]

تحقّق الأمن لغير المسلمين

قرّر الإسلام الأمن بالنسبة للمسلم في نفسه وماله، فإذا أسلم الإنسان عصمت نفسه وأمواله، قال النبي (ص ): «... أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ اَلنَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ حَرُمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَ أَمْوَالُهُمْ....»[٦٧].

أما الكافر فهو مهدور الدم، ويحلّ أخذ ماله. ويتحقّق الأمن والأمان بإعطاء المسلم الأمان له، فيستأمن الكافر من القتل والسبي والاستغنام[٦٨]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ[٦٩].[٧٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

الهوامش

  1. العين ٨: ٣٨٨. الصحاح ٥: ٢٠٧١. النهاية (ابن الأثير) ١: ٦٩. لسان العرب ١: ٢٢٣. المصباح المنير: ٢٤. القاموس المحيط ٤: ٢٨١. مجمع البحرين ١: ٨٠.
  2. سورة الأنفال، الآية ١١.
  3. الميزان ٩: ٢١. انظر: جوامع الجامع ١: ٥٦٠. الأمثل ٥: ٢٣٣. عمدة القاري ١٧: ٧٩.
  4. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص ٤١٦.
  5. سورة الأنعام، الآية ٨٢.
  6. تفسير التبيان ٤: ١٩٠. فتح القدير ٢: ١٣٥. تفسير القرطبي ٧: ٣٠.
  7. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤١٧.
  8. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  9. تفسير التبيان ٨: ٣٣٩. مجمع البيان ٤: ٣٥٦.
  10. مسند أحمد ٣: ١٤، ط دار صادر. سنن الترمذي ٥: ٣٢٨.
  11. انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢١٧.
  12. دراسات في ولاية الفقيه ١: ١٨٥.
  13. الكافي ١: ٢٠٠.
  14. الأحكام السلطانية (الماوردي ): ١٥ - ١٦.
  15. غرر الحكم ودرر الكلم ٢: ٣٠٥، ح ٥٠.
  16. نهج البلاغة: ٨٢، الخطبة ٤٠.
  17. البيع (الإمام الخميني) ٢: ٦١٩.
  18. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص ٤١٧-٤١٩.
  19. دراسات في ولاية الفقيه ١: ٣ - ٤، ١٦٧.
  20. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص ٤١٩-٤٢٠.
  21. تفسير الأمثل ٢: ١٧ - ٢٠.
  22. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص ٤٢٠.
  23. غنية النزوع: ٦٤. تذكرة الفقهاء ٢: ١٥٤. مدارك الأحكام ٢: ١٩٠. كشف اللثام ٢: ٤٣٩. جواهر الكلام ٥: ١٠٢ - ١٠٤، ١١٤. بدائع الصنائع ١: ٤٧، ط أولى. مواهب الجليل ١: ٣٣٣ - ٣٣٤، ط النجاح. نهاية المحتاج ١: ٢٥٢، ٢٦٢. المغني ١: ٢٥٧، ط الرياض.
  24. انظر: الكافي ٣: ٦٨، ح ٤. مسند أحمد ١: ٣٣٠، ط دار صادر. سنن أبي داوود ١: ٨٥، ب ١٢٦، ح ٣٣٦، ٣٣٧.
  25. وسائل الشيعة ٣: ٣٤٢، ب ٢ من التيمم، ح ٢.
  26. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٠.
  27. مفتاح الكرامة ٥: ٣٦٣. منتهى الإرادات ١: ١٥٩، ط دار الفكر. جواهر الإكليل ١: ٤٣، ط دار المعرفة. المهذب (الشيرازي) ١: ٧٦، ط دارا لمعرفة. الهداية ١: ٤٥، ط المكتبة الإسلامية.
  28. صحيح مسلم ٢: ٩٧٥، ط عيسى الحلبي. انظر: روض الجنان (ط. ق ): ٩٩. لكن فيه: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).
  29. عوالي اللآلي ٤: ٥٨، ح ٢٠٥.
  30. جواهر الكلام ٨: ٢١٠.
  31. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢١.
  32. السرائر ١: ٣٩٥. مسالك الأفهام ٢: ٤٨ - ٤٩. الإقناع (الشربيني) ١: ٢٢٥، ط دار المعرفة. مواهب الجليل ٣: ٣٧٧، ط دار الكتب العلمية. المبسوط (السرخسي) ٣: ١٣٧. المغني ٣: ٨٦. الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٢٨: ٢٠.
  33. سورة البقرة، الآية ١٨٤.
  34. وسائل الشيعة ١٠: ٢١٤ - ٢١٥، ب ١٦ ممن يصحّ منه الصوم، ح ٢.
  35. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢١.
  36. قواعد الأحكام ١: ٤٠٦. الدروس الشرعيّة ١: ٣١٣. مدارك الأحكام ٧: ٥٣ - ٥٤. كشف اللثام ٥: ١١٢، ١١٦ - ١١٧. بدائع الصنائع ٢: ١٢٣. جواهر الإكليل ١: ١٦٢. المجموع ٧: ٨٠. المغني ٣: ٢١٨. انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢٧٣.
  37. سورة آل عمران، الآية ٩٧.
  38. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٢.
  39. جواهر الكلام ٢١: ٣٧١. تفسير القرطبي ٤: ٤٨، ١٦٥. و٢٥٣ ٦، ط دار الكتب المصرية. الآداب الشرعية (ابن مفلح) ١: ١٧٤، ط المنار. حاشية ابن عابدين ١: ٢٣٤، ط بولاق. الشرح الصغير ٤: ٧٤١، ط دار المعارف. نهاية المحتاج ٨: ٤٥، ط مصطفى الحلبي.
  40. وسائل الشيعة ١٦: ١٢٥، ب ١ من الأمر والنهي، ح ٢٢.
  41. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٢.
  42. شرائع الإسلام ٤: ١٥٦. انظر: تكملة المنهاج: ٣٦.
  43. المغني ٧: ٦٩٠، ٧٠٣، ٧٢٧. بدائع الصنائع ٧: ٢٩٧. حاشية الدسوقي ٤: ٢٥٠ وما بعدها. المواق بهامش الحطاب ٦: ٢٥٣، نشر النجاح. المهذب (الشيرازي) ٢: ١٧٩، ١٨٥.
  44. النهاية: ٧٠١ - ٧٠٢.
  45. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٢.
  46. الميزان ٣: ٣٥٤ - ٣٥٥. الأمثل ٢: ٣٦٤.
  47. سورة إبراهيم، الآية ٣٥.
  48. انظر: تذكرة الفقهاء ٧: ٢٦٣. صحيح البخاري ٤: ٧٢، ط دار الفكر. وصحيح مسلم ٢: ٩٨٦ - ٩٨٧، ط عيسى الحلبي.
  49. وسائل الشيعة ١٢: ٥٥٧، ب ٨٨، من تروك الإحرام، ح ٢.
  50. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٣.
  51. تذكرة الفقهاء ٥: ٣٤١ - ٣٤٤. الحدائق الناضرة ١٢: ٢٣٩. العروة الوثقى ٤: ١٤٢.
  52. الخلاف ٤: ١٧١،م ١. شرائع الإسلام ٢: ١٦٥. مسالك الأفهام ٥: ١٠٣. تحرير الوسيلة ١: ٥٥٢،م ١٩.
  53. بدائع الصنائع ٦: ٧١، ٨٨. حاشية ابن عابدين ٣: ٣٥٥. و٤: ٥١٢. تكملة فتح القدير ٧: ٢٢. مغني المحتاج ٢: ٢١٥، ٣١٧. حاشية الخرشي ٤: ٢٢٦، ٢٥٨. الفواكه الدواني ٢: ١٧٤. منتهى الإرادات ٢: ٣٢٣. مطالب أُولي النهى ٣: ٥٠٤، ٥١٨.
  54. بدائع الصنائع ٦: ٧١.
  55. شرح منتهى الإرادات ٢: ٤٥٣.
  56. المهذب ١: ٣٦٧.
  57. حاشية الدسوقي ٣: ٤٢١.
  58. انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢٧٦.
  59. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٤.
  60. انظر: الروضة البهية ٣: ١٢٩. كفاية الأحكام ١: ١٣٨ - ١٣٩. مفتاح الكرامة ٨: ٢٨٧. جواهر الكلام ١٣: ٣١٠. منهاج الصالحين (الخوئي) ١: ١٠. كلمة التقوى ١: ٥٨٦،م ١٠٨٩.
  61. سورة الأعراف، الآية ٩٩.
  62. سورة يوسف، الآية ٨٧.
  63. أخرجه البزاز والطبري كما في مجمع الزوائد ٤: ١٠٤، ط دار الكتب العلمية، وقال: رجاله موثوقون.
  64. الكافي ٢: ٧١، ح ١١.
  65. الفقه الإسلامي ١٧: ٢٩١.
  66. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٥.
  67. دعائم الإسلام ٢: ٤٠٢، ح ١٤٠٩. مسند أحمد ١: ١١، ط دار صادر.
  68. تذكرة الفقهاء ٩: ٨٥. روضة الطالبين ٧: ٤٧١. بدائع الصنائع ٧: ١٠٦.
  69. سورة التوبة، الآية ٦.
  70. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن (كتاب)|موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٣، ص٤٢٦.