الأم في نهج البلاغة
التعريف
الأُمّ: أصل الشيء، فالوالدة أُمٌّ؛ لأنّها أصل الولد، وهي الوالدة القريبة التي ولدت من ولده، فهي أُمّنا حواء وإن كثرت الوسائط[١]، قال الراغب: «و يقال لكلِّ ما كان أصلاً لِوُجُود الشيء أو تربيتهِ أو إصلاحه أو مبدئه: أُمٌّ[٢]. وأُمُّ القرآن: الفاتحة؛ لأنّها مبدأه، أو لأنّها حوت في ألفاظها القليلة مقاصد القرآن. وفي الحديث: «اتقوا الخمر؛ فإنّها أُمُّ الخبائث»[٣]؛ لأنّها أصل الشرور. وأمُّ الطريق: أصله، فهو الطريق الأعظم يكون بجانبه طرق أُخرى صغيرة، وأُمُّ الرأس: الدماغ، وأمُّ الدماغ: الجلدة الرقيقة التي تحميه.
وتطلق كلمة الأُمّ على الجنس من كلّ حيّ، والجبل، ورئيس القوم، والمسكن أو المثوى يُفاء إليه، والشيء يتبعه ما يليه. ويقال: هَوَت أُمُّه: أساءَ، ويقال: بأبي أنت وأُمّي: أفديك بأبي وأُمّي، وثَكِلَتْهُ أمُّهُ: دعاءٌ عليه بالهلاك، أو لمجرَّد الدعاء، وقولهم: لا أُمَّ لك: لفظة ذمّ وسبّ، وقد تقال للمدح. وجمع الأُمّ: أُمّهات للعاقل، وأُمّات لغير العاقل، وقد يترك التفريق بين الجمعين.
وقال الجوهري: «أصل الأُمّ أُمَّهة، ولذلك تجمع على أُمّهات ويقال: يا أُمَّةُ لا تفعلي، ويا أبَةُ افعَلْ، يجعلون علامة التأنيث عوضاً عن ياء الإضافة، وتقف عليها بالهاء».
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾[٤]. أي أصله الذي يُعوَّل عليه في الأحكام؛ ويُرْجَع إليه في الحلال والحرام، ويُردُّ إليه ما تشابه من آياته وأشكل من معانيها.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾[٥]. أي في أصل الكتاب؛ وهو اللوح المحفوظ، وذلك لكون العلوم كلّها منسوبة إليه، ومتولّدة منه، أو هو العلم الأزلي الذي ترجع إليه كلّ العلوم؛ أي ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد الله، وصدر عن علمه.
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾[٦]. لذا لم يجز نكاح أزواج النبيّ(ص) بعد وفاته.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾[٧]. فالمراد أنّ مأواه ومسكنه جهنّم، وسُمّيَ المأوى أُ مّاً على التشبيه تهكّماً؛ لأنّ الإنسان يأوي إليه كما يأوي إلى أُ مِّهِ؛ أي كالأصل.
وإنّما قيل: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾[٨].
ولم يقل: ابن أب؛ لأنّ الأُمّ تذكير بأقوى أواصر الأُخوّة؛ وهي آصرة الولادة من بطن واحد والرضاع من لبن واحد.
من بيانه(ع) أنّه لم يسكت عن المطالبة بحقّه في الخلافة خوفاً: «وَاللهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ»[٩].
فهو(ع) لم يسكت خوفاً من خصومه وبطشهم، وإنّما حرصاً على وحدة الأمّة الإسلامية.
ومن حديثه(ع) عن ملك الموت: «كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ في بَطْنِ أُمِّهِ؟ أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا؟»[١٠].
فإذا عجز الإنسان عن الإجابة على هذه الأسئلة ونظائرها، ولم يتمكّن من تحديد صفة ملك الموت مع أنّه مخلوق كالإنسان، فهو أعجز عن تحديد صفات الباري سبحانه وتعالى.
ومن حكمه(ع): «النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ»[١١]. وهذه لطيفة في بيان وجه حبّ الناس للدنيا، والسرّ الأُلفة، كما أنّ سرّ حبّ الاُمّ الأُلفة. ولفظ «الأبناء» مستعار. وفيه توبيخ للناس على حبّ الدنيا.
وقال(ع) في ذمّ أهل العراق: «وَيْلُ امِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ؛ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ»[١٢]. «وَيْلُ أُمِّهِ»: دعاء على الشخص بأن يموت حتّى تصاب أُمّه بمصيبة، وهي كلمة تعجّب، والضمير في «أُمِّهِ» للعلم، أو الكلام. وقيل: «إنّها كلمة تفجّع[١٣]، والضمير في «أُمِّهِ» لإنسان ذلك الوقت». واستعار الإمام(ع) لفظ «الكيل» لما يفيضه عليهم من الأخلاق الكريمة والحكم البالغة؛ أي اكيل لهم العلم والهداية كيلاً بغير ثمن؛ لو كان فيهم من يعيه ويفهمه.
ومن خطبة له(ع) في ذكر الملاحم: «أَلَا بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ في السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَفي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ»[١٤]. «بِأَبِي وَأُمِّي»: كلمة لا تستعمل إلّافي الأمر المهمّ العزيز؛ لأنّ تفدية الأب والأمّ كبيرة لا تصلح إلّالأمر عظيم، ففداهم(ع) بأبيه واُمّه لجلال شأنهم، وعلوّ قدرهم[١٥]. و«أسماؤهم في السماء معروفة»: هم الأئمّة الاثنا عشر(ع)، فهم معروفون عند الملأ الأعلى من الملائكة، وفي الأرض مجهولون: لا يعرفهم إلّاالقليل[١٦].
ومن كلام له(ع) وهو يلي غسل رسول الله(ص): «بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ»[١٧]. «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي»: يتعلّق بمحذوف تقديره: أفديك، وإنّما فداه(ع) بأبويه لمقام رسول الله(ص).
وقال(ع) شاكياً قريشاً: «فَجَزَتْ قُرَيْشَاً عَنِّي الْجَوَازِي؛ فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي»[١٨].
وأراد(ع) بابن اُمّه رسولَ الله(ص) لأنّهما ابنا فاطمة بنت عمرو اُمّ عبد الله وأبي طالب، أو لأنّ اُمّه(ع) فاطمة بنت أسد كانت قد ربّت رسول الله(ص) حين كفله أبو طالب يتيماً، فهي كالأمّ له، فأطلق عليه(ص) البنوّة لها مجازاً[١٩].
وقال(ع) في عظمة خلق الجنين: {{نص حديث|تَمُورُ في بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَاتُحِيرُ دُعَاءً، وَلاَ تَسْمَعُ نِدَاءً... فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ؟»[٢٠]. أي تتحرّك في بطن اُمّك حال كونك جنيناً غير قادر على الصياح والنداء، ولا على سماع صياح غيره وندائه.
وقال(ع) لرجل وقد استغفر الله: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الْاسْتِغْفَارُ؟! الْاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّنَ»[٢١]. «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ»: دعاء على الشخص بالموت؛ حتى تندبه اُمّه بالعزاء. وقيل: هو دعاء يراد به الذمّ، وربّما لا يراد.
ومن مواعظه(ع) البليغة لرجل سمعه وهو يذمّ الدنيا: «أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، الْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا، أَتَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا؟! أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ؟! مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ؟! أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى! أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى؟!»[٢٢].
استفهام توبيخي لهذا الرجل الذامّ للدنيا، ومفاده أنّ الدنيا لم تغرّك برقود أُمّهاتك تحت الثرى، فلماذا تلعنها؟!
ومن خطبة له(ع) حين بلغه خبر الناكثين ببيعته: «يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ، وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ»[٢٣].
أي يريدون أن يحيوا ما ابتدعه عثمان من تفاوت في العطاء على خلاف سنّة رسول الله(ص) ويأبى الإمام(ع) أن تحيا البدعة من جديد.
استعار لفظ «الأُمّ» للخلافة، فبيت المال لبنها، والمسلمون أولادها المرتضعون، وكنّى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه الصلات، وتفضيل بعض على آخرين، مثلما كان في عهد عثمان، فهم يطلبون الشيء بعد فواته؛ لأنّ الأُمّ إذا فطمت ولدها فقد انقضى إرضاعها.[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المفردات، ص٨٥.
- ↑ المفردات، ص٨٥.
- ↑ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٦٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٧.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٤.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٦.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٩.
- ↑ سورة طه، الآية ٩٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٠٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧١.
- ↑ الدرّة النجفية، ص١١٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٧.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٤٧.
- ↑ شرح النهج، علي دخيل.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٥.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٦.
- ↑ شرح النهج، ابن ميثم، ج٥، ص١٠١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٣.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤١٧.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٨٦-٢٩٠.