الإفك في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

الإفْك: الكذب المحض والافتراء، والأصل هو صرف الشيء عن وجهه الذي يجب أن يكون عليه[١]، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا[٢]. أي لتَخْدَعنا، فتَصْرِفَنا عنها، والصرف يقتضي التجاوز والبعد، فناسبه حرف المجاوزة.

وإنّما اُطلق على الكذب إفْك؛ لكونه مصروفاً عن جهة الحقّ، ثمّ صار حقيقة فيه، أو هو الانقلاب الذي يؤول إلى اضمحلال هيأة الشيء، أو وظيفته، أو خاصته، أو وضعه، فاشتقّ منه باعتبار الانقلاب في الهيأة، الإفك بمعنى الخداع بالباطل المزيّن بأ نّه الحقّ، والإفك بمعنى الكذب أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، واشتقّ منه باعتبار الانقلاب في الوظيفة، الإفك بمعنى مَحْل التربة بالنبات من احتباس المطر عنها، واشتقّ منه باعتبار الانقلاب في الخاصّة، المؤتفكة بمعنى الريح المتزوبعة القالبة الأرض والأشياء، واشتقّ منه باعتبار الانقلاب في الوضع، الائتفاك بمعنى الانقلاب رأساً على عقب، أو حيلولة الشيء عن وجهه، وأفَكَهُ عن رأيه - كضرب - يَأْفِكُهُ أفْكاً: صَرَفَهُ عنه وقلبه، وقد أفكت الأرض أفْكاً: صُرف عنها المطر، وأفَكَ - من بابي ضَرَبَ وعَلِم - أفَكاً وإفْكاً: كذب وافترى، فهو أفّاك؛ أي يأفِكُ الناس، أي يَصُّدهُم عن الحقّ بباطله، ورَجلٌ مأفُوك: مصروف من الحَقِّ إلى الباطل، وعن العقل إلى الخيال، ومن ذلك ما جاء في حديث عَرْضِ نفسه(ص) على قبائل العرب: «لقد أُفِكَ قومٌ كَذَّبُوك»[٣]؛ أي صُرِفوا عن الحقِّ، ومُنِعوا مِنْهُ.

قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ[٤]. أي يُصْرَفْ عن الإيمان من صُرِف في سابق علم الله تعالى.

وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ[٥]. أي فكيف تصرفون وتنقلبون عن عبادته؛ وتشركون به ما لا يقدر على شيء من فعله؟!

وقال تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ[٦]. أي تبتلع وتَلْقَمُ بسرعة ما يكذبون ويُمَوِّهُون به.

من حديثه(ع) عن عدم بسط الدنيا للنبي(ص): «أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذلِكَ، أَمْ أَهَانَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ - وَاللهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ»[٧].

أي من ادّعى أنّ إبعاد الدنيا عن الرسول الأكرم(ص) هو إهانة له، فقد جاء بالكذب العظيم، والافتراء المبين؛ لأنّه كان من خواصّ الله تعالى، وأقرب الناس إليه، وأشدّهم طاعة والتزاماً بأمره، فلم يكن ليقابل بالإهانة والجفاء.

ومن تحذيره(ع) من الدنيا وتذكيره بالموت: «أُولِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالْمَتَاعِ؛ هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ؟! أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ؟! أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ؟! أَمْ لَا؟! فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟! أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ؟! أَمْ بمَاذَا تَغْتَرُّونَ؟!»[٨]. أي تنحرفون وتضلّون عن الحقّ، وتنقلب أحوالكم من الخير إلى الشرّ.

استعمل الاُسلوب الإنشائي الاستفهامي الذي يراد به التعجّب والإنكار، ثمّ استفهم عن وقت صرفهم وعن مكان ذلك على سبيل التقريع لهم، ثمّ عمّا يعتذرون به بعد لقاء الله في ترك أوامره على سبيل الإنكار للأعذار أيضاً، و«أم» معادلة ل‍ «هل» الاستفهامية[٩].

ومن حديثه(ع) عن لزوم طاعة أئمّة أهل البيت(ع): «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَأَنّى تُؤْفَكُونَ، وَالْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ، وَالْآيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ؟!»[١٠].

أي كيف تُقْلَبون وتُصْرَفُون، وأيّ طريق تسلكون بدل طريق الحقّ والنجاة؟! وفيه مزاوجة بين الفقرات للتأكيد والإيضاح، سبقها الاستفهام على سبيل الإنكار لما هم عليه، ولما ذهبوا إليه؛ وهو الإيغال في سلوك الباطل.

ومن إخباره(ع) بحكومة بني اُميّة من بعده: «وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ؟! وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟! فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إيَابٌ»[١١].

أي كيف تصرفون عن قصد السبيل، أو أين تقلبون وتذهبون، أو متى يكون انصرافكم عن الغفلة والجهل؟! بين «كِتَابٌ» و«إيَابٌ» سجع متوازٍ وجناس، يسبقها الاُسلوب الإنشائي الاستفهامي الذي يراد منه التعجّب والإنكار لمواقفهم، وتحذيرهم من غفلتهم وانشغالهم باُمور الدنيا.[١٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۱

الهوامش

  1. المفردات، والقاموس المحيط، ولسان العرب، مادّة: (أ ف ك)؛ التوقيف على مهمّات التعاريف، ص٨١.
  2. سورة الأحقاف، الآية ٢٢.
  3. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٥٦؛ مجمع البحرين، ج١، ص٥٤.
  4. سورة الذاريات، الآية ٩.
  5. سورة الأنعام، الآية ٩٥.
  6. سورة الأعراف، الآية ١١٧.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  9. شرح النهج، ابن ميثم، ج٢، ص٢٦٨.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٨٧.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.
  12. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٠٩- ٢١١.