الإمام في نهج البلاغة

التعريف

الإمام: المُؤتمُّ به؛ سواء كان إنساناً يقتدى بقوله أو فعله، أو كتاباً، أو غير ذلك، محقّاً كان، أو مبطلاً، وجمعه: أئمّة[١]، وهو مشتقّ من الأمّ - بفتح الهمزة - وهو القصد، وهو وزن «فِعَال» من صيغ الآلة سماعاً، كالعِماد، والنقاب، والإزار، والرِداء، فأصله ما يحصل به الأَمّ؛ أي القصد، ولمّا كان الدالّ على الطريق يقتدي به السائر، دلّ الإمام على القدوة والهادي.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٢]. أي حَكَمْنا لهم بالإمامة.

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ[٣]. أي ودعوناهم أئمّة دعاة إلى النار، كما يدعو أئمّة الحقّ إلى الجنّة؛ أي أنّ دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، أو خذلناهم حتّى كانوا أئمّة الكفر، أو صمّموا على الكفر حتّى كانوا أئمّة فيه دعاة إليه وإلى سوء عاقبته[٤].

وقد يكون الإنسان إماماً إذا كان متبوعاً في شيء، ومأموماً تابعاً في شيء آخر. هذا بحسب اللغة. أمّا بحسب الدين، فإنّ الإمام يطلق على خليفة رسول الله(ص) بالحقّ؛ وهو علي بن أبي طالب(ع) والأئمّة الأحد عشر من ولده(ع)، كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ[٥].

إذ روي عن رسول الله(ص) أنّ عليّاً(ع) أقبل، فقال(ص): «هُوَ هَذَا إِنَّهُ اَلْإِمَامُ اَلَّذِي أَحْصَى اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيهِ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ»[٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ[٧]. أي يدعى كلّ قوم بإمام زمانهم، وكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم[٨]، فيجيء رسول الله(ص) في قوم، وعلي(ع) في قومه، والحسن في قومه، والحسين في قومه، وكلّ من مات بين ظهراني قومٍ جاؤوا معه[٩].

وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[١٠]. أي إماماً منصوباً من الله سبحانه، فمن عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً[١١]، وعليه فلا يستحقّ الخلافة إلّاعليّ وأولاده(ع) دون أبي بكر وعمر وغيرهما؛ لأنّهم عبدوا الأصنام والأوثان في الجاهلية.

قال(ع) في وصف رسول الله(ص): «فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى»[١٢].

فكلّ تقيّ يتخذ الرسول قدوة واُسوة في سلوكه وتصرّفاته، ويمشي على مسيره، ومن تقاه يتزوّد[١٣]. والمراد بالإمام هنا المعنى اللغوي، لا الشرعي؛ وإن كان النبي(ص) إماماً شرعاً رغم كونه نبياً.

ومن نعيه(ع) لنفسه الشريفة بعدما ضربه اللعين ابن ملجم: «رَبٌّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ، أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَدَاً مُفَارِقُكُمْ»[١٤]. المراد بالإمام العليم هو نفسه(ع) لا النبيّ(ص).

ومن كلامه(ع) مع عثمان معرّضاً به: «وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ... وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(ص) يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِر، وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ، فَيُلْقَى في نَارِ جَهَنَّمَ... وَإِنِّي اُنْشِدُكَ اللهَ أَلَّا تَكُونَ إمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ؛ فَإنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ في هذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[١٥].

والمراد بالإمام في هذه العبارات الحاكم والرئيس، كما أُطلق الإمام على قادة الكفر في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ[١٦]، وليس المراد به الإمام المنصوب من قِبَل الله تعالى الذي يحتجّ به على العباد، كالأئمّة المعصومين(ع).

ومن ذمّه(ع) للعصبيّة والتكبّر: «فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ»[١٧]. أي أن إبليس هو مقتداهم والسالك بهم سبيل الضلالة والغواية.

ومن حديثه(ع) في فرقه عن معاوية اللعين: «فَإِنَّهُ لَاسَوَاءَ؛ إِمَامُ الْهُدَى؛ وَ إِمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ، وَعَدُوُّ النَّبِيِّ»[١٨]. أي ليس مساوياً إمام يهدي؛ وهو نفسه العظيمة(ع) وإمام يوجب الردى والهلاك؛ وهو إمام الفسّاق والضلّال معاوية اللعين.

ومن ذمّه(ع) لأصحابه: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمْ الْمَوَاعِظَ... وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا، لِلّهِ أَنْتُمْ!! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ؟!»[١٩]. أي أتريدون إماماً غيري يحملكم على المنهاج الشرعي، ويسلك بكم مسلك الحقّ؟!.

وقال(ع) في لزوم كون القدوة متعلّماً: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ»[٢٠]. «إمَامَاً»: مقتدى به.

ومن إخباره(ع) بما سيؤول إليه حال أعدائه بعده: «اُنْبِئْتُ بُسْرَاً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَإنِّي - وَاللهِ - لَأَظُنَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الْحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في الْبَاطِلِ»[٢١].

إنّ التقابل بين «الاجتماع على الباطل. والتفرّق عن الحقّ» و«طاعة إمامهم في الباطل. ومعصية إمامكم في الحقّ» جسّد عمق التناقضات التي عاشها جيشه.

ومن وصفه(ع) لمن هو أحبّ العباد إلى الله سبحانه: «قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ؛ فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ»[٢٢].

استعار لفظ «الإمام» لكونه مقتدياً به؛ أي سلّم أمره ونفسه الشريفة لما جاء في كتاب الله، واستسلم لحكمه، فهو قائده إلى حيث أراد، وإمامه حيث كان، يحتكم إلى القرآن في كلّ قضاياه، ويقبل بحكمه في كلّ شيء[٢٣].

ومن كتابه(ع) لقُثَمَ بن العبّاس عامله على مكّة: «فَأَقِمْ عَلَى مَا في يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ»[٢٤]. يعني به(ع) نفسه الكريمة.

ومن كلام له(ع) قاله في وقت انعقاد الشورى: «عَسَى أَنْ تَرَوْا هذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ؛ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ»[٢٥]. أي مقتدى لهم.

ومن وصفه(ع) للأئمّة المعصومين(ع): «إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْش ٍ غُرِسُوا في هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ؛ لَاتَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ»[٢٦].

فالإمامة محصورة في الأئمّة الاثني عشر(ع) من بني هاشم.

ومثله قوله(ع): «وَإِنَّمَا الْأئِمَّةُ قَوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ»[٢٧]. أي قائمون من طرفه سبحانه، فهم أصحاب الأمر والنهي، ولهم حقّ الولاية وتدبير شؤون الناس. ومن بيانه(ع) لما فرضه الله سبحانه على أئمّة الهدى(ع): «إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ (الْحَقِّ) أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ؛ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ»[٢٨]. أي بأن يكونوا كأضعف الرعية ماديّاً؛ حتّى تدوم الدولة ولا تفسد نفوس الرعيّة.

ومن وصفه(ع) للمنافقين من صحابة النبيّ(ص): «فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ»[٢٩]. أي قادة أهل الضلال.

ومن حثّه(ع) على حفظ الأمانة في مال الصدقة: «وَإنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْاُمَّةِ (الْأمْنةِ) وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّةِ»[٣٠]. فالعامل الخائن خان جميع الاُمّة، وغشّ الإمام، فخيانته أكبر وأقبح.[٣١]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. المفردات، ص٨٧.
  2. سورة الأنبياء، الآية ٧٣.
  3. سورة القصص، الآية ٤١.
  4. الكشّاف، ج٣، ص٤٠٢.
  5. سورة يس، الآية ١٢.
  6. معاني الأخبار، ص٩٥، ح١.
  7. سورة الإسراء، الآية ٧١.
  8. عيون أخبار الرضا(ع)، ج٢، ص٣٣، ح٦١.
  9. تفسير القمّي، ج٢، ص٢٢.
  10. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  11. الكافي، ج١، ص١٣٣، ح١.
  12. نهج البلاغة، الخطبة ٩٤.
  13. شرح النهج، ابن ابي الحديد، ج١٧، ص٢١٨.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٩.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٤.
  16. سورة التوبة، الآية ١٢.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  18. نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
  20. نهج البلاغة، قصار الحكم ٧٣.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ٢٥.
  22. نهج البلاغة، الخطبة ٨٧.
  23. شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٢٦.
  24. نهج البلاغة، الكتاب ٣٣.
  25. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٩.
  26. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٤.
  27. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٢.
  28. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٩.
  29. نهج البلاغة، الخطبة ٢١٠.
  30. نهج البلاغة، الكتاب ٢٦.
  31. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٨١-٢٨٥.