التقصير قبال المسؤولية

تمهيد

تقصير الإنسان قبال فرضه ينشأ في أكثر الموارد عن الفَشَل، وهو ضعف وتراخٍ يحدث عند شدّةٍ، كما أنّ الكسَل ضعفٌ يحدث للجسم عندها، فالفشَل والكسَل يمنعان الإنسان من خير الدّنيا والآخرة.

قال الكاظم(ع): «إِيَّاكَ وَ اَلضَّجَرَ وَ اَلْكَسَلَ فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ حَظَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ.» [١] إلّا انّ المراد من الفشل هيهنا - وان كان عامّاً - هو التقصير قبال المفروض على الإنسان، فالغافل عن مسؤوليّته غير دقيق الشعور بها هو الفَشِل.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ[٢].

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ[٣].

وقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[٤].

وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[٥].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً[٦].

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ[٧].

وقد أشارت هذه الآيات إلى نكتة لطيفة وهي تلازم هذه الرذيلة الرذائل الأُخر، كمحبة الدّنيا والرّياء والفسق والفجور ومخالفة الرّسول على علمٍ بأنّه ولىّ الامر ومتابعة النّفس والهوى.

ولعلّ السّرّ في ذلك انّه إذا لم تشعر بفرضه الّذي هو يحرّكه نحو العمل، فلا محالة تحركه رذيلة، وهي الهوى الّتي تنجرّ إلى التشاجر بينه وبين متجانسيه وأبناء نوعه، ومخالفة الرّسول، والرّئاء في العمل، والخوف من الجهاد والفرار عنه، وعن غيره من فرائضه ثمّ تبريرها وتوجيهها بما لا يقبله العقل، فهذه رذيلةٌ تلازمها رذائل آخر من ناحية، وتترتّب عليها رذائل وسيّئاتٌ من ناحيةٍ أخرى وسير تواريخ الحضاراة يشهد بأنّ الشعور بالمسؤولية هو السبب الوحيد في تقدّم أقوامٍ، كما أنّ التقصير قبالها هو العامل الفريد في تأخّر آخرين.

فالذلّة تلازم هذه الرّذيلة، وانّ ذلك من سنّة الله الّتي لا تتغيّر ولا تتبدّل، والعزّة تلازم الشعور بالمسؤولية وقد نبّه القرآن بذلك حيث قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ[٨].

وما حدث قُبيل اليوم بمدينة الخليل بفلسطين من هجوم اليهود الصهيونيّين على مسجدٍ واطلاق النار والرصاص على المصلّين صلاة الفجر، ثم صمت الدول الإسلاميّة العربية وسكاتها قبال هذه المصيبة، لم يكن إلّا ناتجاً عن تقصيرها قبال فرضها، وفَشَلها ما يجب عليها، أضف إلى ذلك صمت منظّمة الأمم المتّحدة مخافة الدول العُظمى، وكم لهذا الواقعة من نظائر تقع في كلّ شهرٍ إن لم نقل أنّها تقع في كلّ يوم! وليس ضعف المسلمين ذلك إلّا لاتّصافهم بهذه الرذيلة، ولا يرضى عنهم الدول العظمى إلّا برسوخ تلك الرذيلة في أنفسهم، لتكونوا ربّاً لهم مالكاً على ثرواتهم الأرضيّة وغيرها، حتّى تخرجهم عن دين الله سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[٩]

ولولا تعدّد مذمّة الله تعالى هذه الرذيلة في كتابه، ليكفيك ان تعرف انّ هذه الرّذيلة من أولى الرذائل وأقبحها، وهي موجبة لخسران الدّنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[١٠]

وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[١١]

وقال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ[١٢]

وجاءت الآيات بعتابٍ مفضع، حيث أخبر اولاً بأنّه تعالى يكلهم إلى أنفسهم، فهم كدودة القزّ الّتي كلّما زادت في عمله، ازدادت القيود على نفسه، حتّى لا يمكن لها أن تنجو منها.

قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى[١٣]

ثمّ اخبر ثانياً بانّه تعالى يذرهم في طغيانهم يعمهون فكأنّهم حيوانٌ حتّى اخرجهم الله تعالى من ولايته، فالصورة صورة الإنسان والسيرة سيرة الوحوش والحيوان. وقد أشرنا فيما مضى من هذا الكتاب انّ هذه الآيات ليست إلّا في مقام الاخبار، فلا انشاء فيها. والمراد اخبارها عن كونهم في مرتبة الحيوان بحسب الواقع ونفس الأمر، لا انتسابهم إليها خفةً لهم وازدراءً بشأنهم.

ثمّ انّ هذه الرّذيلة لمّا كانت من الملكات فلا محالة تكون مقولة بالتّشكيك، كما أنّ ضدها مقولة بالتشكيك ولها مراتب شدّة وضعفاً، فالمرتبة الشّديدة منها هي لمن نزلت فيه: ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[١٤] فلا شعور بالمسؤوليّة فيه اصلاً، فهو كميّت بين الاحياء.

والمرتبة الضّعيفة منها فيمن مهّد الشيطان عليه سبيلاً، فيما إذا غلب عليه حبّ الدّنيا بمعناه العامّ، أو أقبلت الموانع إليه فرفعت عنه ذلك الشعور، كغالب النّاس، بل كلّهم إلّا من شذّ منهم.

والمرتبة الوسطى الّتي لها عرض عريض توجد في المذبذبين بين الصنفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهي أيضاً كضدّها تنقسم باعتبار المتعلّق إلى اقسام: وهي التقصير في الدّين، والتقصير بحسب الرّوح، والتقصير بحسب الجسم، والتقصير بحسب العمر، والتقصير بحسب البيت، والتقصير بحسب المجتمع.

وبعض النّاس مقصّرون إلى الغاية في الدّين والمعنويّة، ولكنّهم يشعرون بمسؤوليتهم قبال أجسامهم وهم كثيرون وهذا دأب المنغمرين في المادّة من أبناء الزمان، حيث هجروا المعنويّة ورضوا بما استجلبوا من العوائد الفانية المادّية، يراعون الجسم ويهملون الرّوح، فأولئك كالانعام بل هم اضلّ، لانّ الغافل عن بعده النفسي هو شرّ الدّوابّ.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ[١٥].

وبعض النّاس يجتهدون فيما يرجع إلى بعدهم النفسي الروحي ولكن يقصّرون في بعدهم المادّى وهذا أيضاً خطأٌ وقد فصلنا الكلام في حرمته لو انجرّ إلى متاركة الدنيا والانسلاك في سلك الرهبان، وقد أوردنا ما ورد عن الصادق (ع): «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ»[١٦] وبعض النّاس يضيّعون عمرهم ولايستفيدون عن فُرَصهم بل يهملون العمر والفُرَص اهمالاً، مع تقيّدهم الاجمالي بالشريعة وأمورهم النفسيّة والبيت والمجتمع وما إلى ذلك ؛ ولا ريب في خطأهم أيضاً ولو كان طريقتهم إلى الصواب أقرب من طريق الآخرين.

كما انّ الشاعر بمسؤوليّته قبال بيته الغافل عنها قبل مجتمعه أيضاً ليس إلّا في عداد المخطئين.

قال رسول الله (ص): «مَنْ أَصْبَحَ لا یَهْتَمُّ بِأُمورِ الْمُسْلمینَ فَلَیْسَ بِمُسْلِمٍ».[١٧]

ومن النّاس من يشعر بمسؤوليّته الجماعيّة مع غفلته عن مسؤوليّته قبال أسرته وأقربائه كالأصدقاء والجيران، فهو المبعد عن رحمة الله تعالى، حيث تمكّن فيه قسوة القلب وصلابته، فيا ترى لو غفل رجلٌ عن حيوانٍ جائع أليس قاسى القلب؟، فكيف بمن غفل عن حوائج أبيه، أو أمه، أو جاره، أو أسرته؟ ولا ريب في أنّه لا سبيل للقساة إلى رحمته سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ[١٨]

فتلخّص انّ الإنسان الكامل الّذي حاز الكمالات كلّها، له الشعور التامّ بمسؤوليّاته فكلّما زاد في شعوره بها، زاد في كماله، وكلّما نقص عن شعوره هذا، نقص عن كماله، حتّى يهبط إلى مرتبة الدوّابات غير الشاعرات بما لها من الفرض.

وفي الختام نأتى بنكتةٍ هامّة لافتين نظر القارئ الكريم إليها، وهي أنّ الإسلام ليس الا شريعة جامعة بأجزائها المتشتّتة المرتبط بعضها ببعضٍ، فلا يمكن أنّ يُقبل بعض أجزائها ويُرفَض الآخر، لا في العقيدة ولا في الاتيان بالأركان والاعمال، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً[١٩].

ومن المؤسّف عليه ما جرت عليه سيرتنا من الأخذ بما يلائم أهوائنا ورفض الثقيل على أنفسنا، كمن يكون جليس الكتاب العزيز حمامة المسجد ولكنّه يفرّ من فرضه في ماله ولو كان ثريّاً، وكمن يتّصف بضدّه، فلا صلاة له ولاصوم ولاغيرهما من الفرائض مع كونه مولهاً بإقامة مأتم الحسين (ع) وبزيارة العتبات والمشاهد المشرفة وهم الّذين ذكرهم الله تعالى في قوله: أولئك هم الكافرون حقّاً، فهم حمقاء الإسلام غير المتّصفين بواقعه.

فتلخّص ممّا قلنا انّه لا معنى لأن يُكفّر ببعضه ويؤمن بالآخر، حيث إن انكار البعض والكفر به يساوق انكار الكّل والخروج عن ربقه الإسلام. وعليه فلا يمكن للمرء المسلم أن يشعر ببعض مسؤوليّاته ويهمل بعضها الآخر، لان فضيلة الشعور بالمسؤوليّة لايتأتّى إلّا بالاتيان بجميعها.[٢٠]

المراجع والمصادر

  1.   حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج۲

الهوامش

  1. بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ٣٩٥، باب ٣٨، ح ٧٩.
  2. سورة آل عمران، الآية ١٥٢.
  3. سورة الأنفال، الآية ٤٣.
  4. سورة آل عمران، الآية ١٢٢.
  5. سورة الأنفال، الآية ٤٦.
  6. سورة النساء، الآية ١٤٢.
  7. سورة التوبة، الآية ٥٤.
  8. سورة آل عمران، الآية ١٥٢.
  9. سورة البقرة، الآية ١٢٠.
  10. سورة الأنعام، الآية ٩١.
  11. سورة الحجر، الآية ٣.
  12. سورة الأعراف، الآية ١٨٦.
  13. سورة الفجر، الآية ٢٣.
  14. سورة الأنعام، الآية ٩١.
  15. سورة الأنفال، الآية ٢٢.
  16. من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٥٦، ح ٣٥٦٨.
  17. الكافي، ج ٢، ص ١٦٣، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح ١
  18. سورة الزمر، الآية ٢٢.
  19. سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.
  20. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٤٨٥.