الشرك عند السلفية والوهابية
التعريف
التعريف لغةً
قال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر: يدل على امتداد واستقامة، فالأول الشركة، هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلاناً في الشيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلاناً،؛ إذا جعلته شريكاً لك»[١]، وَجَمْعُ الشَّرِيك شُرَكَاء، ويطلق الشرك على المعاني الآتية:
التعريف شرعاً
هو صرف ما هو من خصائص الألوهية والربوبية إلى غير الله تعالى[٥]. ومما يشهد له من أقوال العلماء ما يلي:
- قال ابن تيمية في معرض كلامه عن المشرك: «فمن عدل بالله غيره في شيء من خصائصه سبحانه فهو مشرك»[٦]، وقال أيضاً: «أصل الشرك أن تعدل بالله مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده»[٧].
- وقال ابن القيِّم: «كل شرك بالله بأن يجعل لله عدلاً بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد»[٨].
- وقال الشوكاني: «الشرك: هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه»[٩].
- وقال السعدي: «حقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية»[١٠].
العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي
لما كان الشرك في اللغة يطلق على معنى المقارنة والمشاركة والتسوية، أطلق في الشرع بهذا المعنى على التسوية بين الله تعالى وبين غيره في كل ما هو مختص بالله تعالى.
الحكم
الشرك بالله تعالى هو أعظم المحرمات، وأكبر الكبائر، كما قال (ص): «أكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإشْرَاكُ باللَّهِ»[١١]، إلا أن الشرك ليس على درجة واحدة في التحريم؛ إذ إن منه ما هو مخرج من ملة الإسلام، وهذا بلا شك هو أعظم الذنوب على الإطلاق، ومن الشرك ما لا يصل إلى الخروج من ملة الإسلام، وإنما هو دون ذلك، كما سيتضح ذلك عند الكلام على أقسام الشرك.
الحقيقة
حقيقة الشرك: هي تشبيه للمخلوق بالخالق سبحانه وتعالى، فيما هو مختص بالله تعالى؛ فمن أشرك مع الله أحداً فقد شبهه بخلقه، سواء كان ذلك بصرف العبادة لغيره، أو بتشبيه غيره به في ربوبيته أو أسمائه وصفاته أو بعض حقوقه سبحانه، وإذا كان من الشرك الأكبر فهو أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[١٢].
الأدلة
أدلة تحريم الشرك في القرآن وبيان خطورته كثيرة ومتنوعة، من ذلك:
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾[١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[١٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾[١٦] وغيرها من الآيات.
ومن السُّنَّة: قال (ص): «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»[١٧].
وعن جابر قال: «أَتَى النبيَّ (ص) رَجُلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن ماتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ.»[١٨].
وفي حديث وفد عبد القيس أن النبي (ص) قال لهم: « آمُرُكم بأربعٍ، وأنهاكُم عن أربعٍ، اعبدوا اللهَ ولا تُشركوا بهِ شيئًا، وأقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاةَ، وصوموا رمضانَ، وأعطُوا الخُمُسَ من الغنائمِ وأنهاكُم عن أربعٍ : عن الدُّبَّاءِ، والحَنتَمِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقيرِ»[١٩].
وفي حديث محمود بن لبيد عن النبي (ص): «أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ»[٢٠].
أقوال أهل العلم
قال القرطبي: «أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إنَّ موجوداً ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهاً»[٢١].
وقال ابن تيمية: «وأصل الشرك أن تعدل بالله ـ تعالى ـ مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده»[٢٢].
وقال ابن القيِّم ـ معرفاً الشرك بتعريف جامع ـ: «بأن يجعل لله عدلاً بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد»[٢٣].
الأقسام
للشرك أنواع كثيرة، وصور متعددة يصعب حصرها، كما قال ابن القيِّم: «والشرك أنواع كثيرة، لا يحصيها إلا الله، ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتَّسع الكلام أعظم اتساع»[٢٤].
وقد تنوعت مسالك العلماء رحمهم الله في تعيين أقسام الشرك بالله تعالى، وبيان ذلك كما يلي:
أولاً: تقسيم الشرك تبعاً لأحكامه، من حيث الخروج من الإسلام وعدمه، وذلك على نوعين:
- الشرك الأكبر.
- الشرك الأصغر.
وزاد بعض أصحاب هذا المسلك قسماً ثالثاً وهو: الشرك الخفي، وإن كان داخلاً في كل من القسمين المتقدمين، إلا أنه لخفائه ودقة مسائله، قد يخفى على كثير من الناس، ويشتبه على آخرين فأبرزه بعض العلماء وجعلوه قسماً ثالثاً.
وقد سلك هذا التقسيم كثير من العلماء؛ كابن القيِّم، و عبد الرحمن بن حسن، وغيرهما، ورجحه بعض الباحثين[٢٥].
ثانياً: تقسيم الشرك تبعاً لتقسيم أنواع التوحيد:
فمن العلماء من قسمه إلى ثلاثة أقسام، وذلك كما يلي:
قال سليمان بن عبد الله: «اعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد»[٢٦].
ومنهم من قسمه إلى قسمين، وذلك كما يلي:
- الشرك في الربوبية.
- الشرك في الألوهية.
وقد سلك هذا التقسيم حسب أنواع التوحيد كثير من العلماء، منهم ابن تيمية، و سليمان بن عبد الله وغيرهما.
قال ابن تيمية: «وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير وشرك في الألوهية بأن يدعو غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة»[٢٧].
هذه هي أهم مسالك العلماء في تقسيمهم لأنواع الشرك، وإن كان من العلماء من سلك مسالك أخرى، سوى ما ذكر؛ كمن قسمه تبعاً لصوره، ومن قسمه تبعاً لمتعلقه والباعث عليه، إلى غير ذلك من المسالك المتعددة.
ولعل أرجح هذه المسالك هو تقسيم من قسمه تبعاً لأحكامه؛ إذ إن هذا التقسيم ورد ما يدل عليه عن النبي (ص)، وذلك في قوله (ص): «أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ...»[٢٨]، فهذا الحديث دلَّ على تسمية هذا النوع من الشرك، كما يدل على قسيمه وهو الشرك الأكبر.
الفروق
الفرق بين الشرك والكفر:
- أن الشرك والكفر، قد يعبَّر بهما جميعاً في معنى واحد، كما في قوله (ص): «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»[٢٩]، ولذا قال بعض العلماء أنهما كالإسلام والإيمان يعبر بأحدهما عن الآخر.
- أن كل شرك فهو كفر، وليس كل كفر شركاً؛ لأن المعرض عن الدين والمستهزئ به يوصف بالكفر لا بالشرك[٣٠].
الآثار
- حبوط الأعمال وإن كانت كثيرة.
- الخلود الأبديّ في النّار لمن وقع في الشرك الأكبر.
- الشرك يسبب القلق والاضطراب والنّكد والكمد والخوف الدّائم والحزن اللاّزم.
- المشرك لا يجد عوناً ومدداً من الله على ما يلقاه من مصائب الأقدار لأن عمله ليس لله.
- من وقع في الشرك الأكبر فهو عدوّ لله وللناس ولنفسه.
- الشرك يدعو إلى كلّ رذيلة ويبعد عن كلّ فضيلة.
- الشرك يفرق الأمة ويمزقها.[٣١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مقاييس اللغة (٣/٢٦٥).
- ↑ انظر: المفردات للراغب (٤٥١).
- ↑ انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/١١٤٤)، ولسان العرب (٧/٩٩).
- ↑ انظر: لسان العرب (٧/٩٩ ـ ١٠٠).
- ↑ انظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة (٧٣).
- ↑ مجموع الفتاوى (١٣/١٩) [مجمع الملك فهد بن عبد العزيز لطباعة المصحف الشريف].
- ↑ الاستقامة لابن تيمية (١/٣٤٤) [مكتبة ابن تيمية].
- ↑ إعلام الموقعين (١/٣٣٤) [دار الباز، مكة المكرمة].
- ↑ الدر النضيد للشوكاني (١٨) [دار الكتب العلمية، ١٤٣٠هـ].
- ↑ تفسير السعدي (٢٧٩) [مؤسسة الرسالة، ط١].
- ↑ أخرجه البخاري (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، رقم ٦٩١٩) واللفظ له، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ٨٧).
- ↑ سورة لقمان، الآية ١٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٧٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٤٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ أخرجه البخاري (كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، رقم ٦٩١٩) واللفظ له، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ٨٧).
- ↑ أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ٩٣).
- ↑ أخرجه البخاري (كتاب المغازي، رقم ٤٣٦٩) من حديث ابن عباس، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.
- ↑ أخرجه أحمد (٣٩/٣٩) [مؤسسة الرسالة، ط١]، وحسن إسناده ابن حجر في بلوغ المرام (رقم ١٤٨٤) [دار أطلس، ط٣]، وجوَّد إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم ٩٥٠).
- ↑ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/١٨١) [دار الكتب المصرية، ط٢، ١٣٨٤هـ].
- ↑ الاستقامة (١/٣٤٤) [جامعة الإمام، ط١].
- ↑ إعلام الموقعين (١/٢٥٢) [دار الكتب العلمية، ط١].
- ↑ مدارج السالكين (١/٣٧٦) [دار الكتب العلمية ط١، ١٤٠٣هـ].
- ↑ انظر: مدارج السالكين (١/٣٦٨)، والجامع الفريد، الرسالة الثالثة (٣٩٢) [ط٤، ١٤٢٠هـ]، وكتاب مصرع الشرك والخرافة (١٧٨).
- ↑ تيسير العزيز الحميد (٤٣).
- ↑ اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٧٠٣).
- ↑ أخرجه أحمد (٣٩/٣٩) [مؤسسة الرسالة، ط١]، وحسن إسناده ابن حجر في بلوغ المرام (رقم ١٤٨٤) [دار أطلس، ط٣]، وجوَّد إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم ٩٥٠).
- ↑ أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ٨٢).
- ↑ انظر: الفروق اللغوية للعسكري (٢٣٠)، ومجموع فتاوى ابن باز (١/٣٣ ـ ٣٤) [دار الوطن، ط١، ١٤١٦هـ]، وتيسير العزيز الحميد (٥٦)، وكتاب مصرع الشرك والخرافة لخالد الحاج (١٨١).
- ↑ موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٤، ص١٦٣٧.