الضلالة في علم الكلام
شبهة نسبة الضلالة إلى النبي الأكرم (ص)
يذهب القائلون بهذه الشبهة إلى الاعتقاد بأن الله تعالى يصف نبيه في الآية الآتي ذكرها بأنه كان على ضلال، وأن الله قد منّ عليه بالهداية ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى﴾[١].
مناقشة وتحليل
فيما يتعلق بتحليل هذه الشبهة وتفسير الآية ونسبة الضلالة إلى النبي، ذكر العلماء عدداً من الإجابات، وفيما يأتي نشير إلى أهمها:
الضلالة بمعنى العزلة أو التوحد
إن من بين المعاني اللغوية لكلمة «الضلالة» هي العزلة أو التوحد، ومن هنا يُطلق على الشجرة المنفردة وسط الصحراء «الشجرة الضالة». ولمّا كان النبي يعيش الوحدة واليتم والعزلة بين أبناء قومه ومجتمعه، وقد جمع إلى اليتم من جهة الأب والأم، اعتزال الناس وعدم مشاركتهم في عباداتهم الوثنية، فقد كان مثل الشجرة الوحيدة، يمضي حياته المتوحدة حتى شملته الألطاف الإلهية، وأخرجته من هذه الحالة.
الضلالة بمعنى الشخص الضائع في قومه
إن من بين المعاني اللغوية للضلالة هو ضياع منزلة الفرد المرموق وشخصيته بين أفراد قومه. كأن يكون الفرد متصفاً بأعلى المراتب من الناحية العلمية والأخلاقية والروحية، ومع ذلك لا يوليه قومه المكانة اللائقة به، بل ويتجاهلونه ويزدرونه أيضاً . من هنا فإن مثل هذا الفرد سيعيش حالة من الضياع. وقد عدّ اللغويون هذا المعنى من المعاني الرئيسة لكلمة «ضلّ»[٢].
وعليه يكون مراد الآية إن الله قد أعاد إلى النبي الأكرم (ص)مكانته التى تجاهلها قومه وأضاعوها. وبذلك يكون الله قد أعاد منزلة النبي إلى نصابها الصحيح[٣].
حصيلة الكلام لمّا كانت هذه الآية المشتملة على كلمة «ضالاً» لم تكن مسبوقة بأيّ ذكر للمعاصي والذنوب، فلا تتناسب كلمة ضالاً هنا مع اقتراف المعاصي، وإنما هي تتحدّث عن يتم النبي (ص)وغربته في قومه، وعليه فهي تدل على الضلالة بمعنى «الضياع» و«الغربة بين أبناء قومه».
البعد عن مقام النبوة
إن من بين معاني الضلال هو الانصراف عن الأمر، تقول «أضللت بعيري، إذا ذهب منك»[٤]. فالمراد من ضلال النبي (ص)، ابتعاده وانصرافه عن أمر النبوة، وإن الله سبحانه وتعالى هو الذي هداه إليها، وإلا فإن النبي لم يكن ملتفتاً إليها[٥].
وقد استدلّ الفخر الرازي لهذا المعنى بقوله تعالى[٦]: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾[٧].
ففي هذه الآية تمّ افتراض النبي بعيداً عن حقيقة الكتاب السماوي. وبعبارة أخرى بعيداً عن وثيقة النبوة، وكذلك عن ماهية الإيمان، وإنه لم يلتفت إلى هذه الأمور إلا بتوفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى.
عدم معرفة الدين والشريعة
إن من بين معاني الضلالة في اللغة العربية الجهل وعدم المعرفة[٨]. فلمّا كان النبي لم يكن يستطيع الاقتناع بما عليه المجتمع الجاهلي والوثني من الشرك، وكان بسبب فطرته الطاهرة تسوؤه عبادة الناس للأصنام، ومن ناحية أخرى لم يكن هناك دين خالص، حيث كان العالم في تلك المرحلة يعيش ما يُصطلح عليه بـ «عصر الفترة»، حيث خلت المدة الزمنية بين ارتفاع عيسى بن مريم (ع) إلى السماء وظهور الإسلام من أيّ رسالة سماوية، فكان النبي في تلك الفترة جاهلاً ومتحيّراً بشأن اختيار دينه[٩].
من هنا فإن هذه الآية تعبّر عن تلك المرحلة بمرحلة الضلالة، بمعنى الجهل بالشريعة، والارتباك فى اختيار الدين، وإنه إنما اهتدى إلى المعبود الحقيقي بلطف وهداية من الله، وكان من نتائج ذلك تعبّد النبي قبل البعثة في غار حراء، وقد تكلل واكتمل هذا اللطف والهداية الإلهية فيما بعد بمقام النبوة والرسالة.
الضلالة بمعنى عدم الهداية
ذهب العلامة الطباطبائي إلى القول بأن الضلالة المنسوبة إلى النبي (ص)ليست بمعنى الضلال الفعلي، وإنما بمعنى عدم الهداية[١٠]. بمعنى أن النبي لم يكن مهدياً قبل شمول اللطف الإلهي له. وبعبارة أخرى إن النبي الأكرم (ص)وسائر الناس بالالتفات إلى ذات الوجود الإنساني الممتزج بعنصر النفس والمادة، لا يمكنهم السير بمفردهم في طريق الهداية الحقيقية والعصمة» مئة بالمئة إلا إذا شملهم اللطف الإلهي. وفي الحقيقة فإن الإنسان بالالتفات إلى عنصره المادي والنفساني كائن ضال بالقوّة، وإنه يمتلك أرضية الضلال بالفعل. وإن النبي غير مستثنى من هذه القاعدة، إلا أنه قد هدي إلى طريق الحق والعصمة بهداية ولطف من الله سبحانه وتعالى.
وهذا هو مختار بعض المتكلمين المتقدمين من المعتزلة، من أمثال ابن أبي الحديد المعتزلي والمعاصرين[١١].[١٢]
المراجع
الهوامش
- ↑ سورة الضحى، الآية ٦-٧.
- ↑ أُنظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج ٧، مادة (ضلّ)، ص ٨.
- ↑ أُنظر: السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ١٥٠؛ الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص ٩٣ .
- ↑ أُنظر: ابن منظور الأفريقي، لسان العرب، مادة (ضلّ)؛ وانظر أيضاً السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء ص ١٤٩ .
- ↑ أُنظر: السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء ص ١٤٩؛ الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص٩٢.
- ↑ أُنظر: الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص ٩٣؛ وذكر الابتعاد عن الحياة وطلب الكسب والمعاش أيضاً.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥٢.
- ↑ أُنظر: فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج ٥، ص ٤٠٩، مادة (ضلّ).
- ↑ لا يخفى على القارئ عدم دقة هذا الكلام، فقد كان النبي محمد (ص)قبل البعثة على الحنيفية الإبراهيمية، ولم يكن جاهلاً أو متحيّراً في اختيار دينه أبداً والعياذ بالله، خاصة وأن الله قد وكل به أعظم ملائكته مذ كان فطيماً على ما هو المروي عن الإمام علي (ع)، المعرب .
- ↑ أُنظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص ٣١١.
- ↑ أُنظر: الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص ٩٣؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص٧١؛ عبد الله جوادي آملي، ادب فناي مقربان، ج ٣، ص ٢٦٠ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٠٧.