الغيبة الصغرى
المقدمة
ابتدأت الغيبة الصغرى من بعد الصلاة على أبيه وحتّى سنة ثلاثمئة وتسع وعشرين [١].
وكان الإمام (ع) يتّصل بشيعته عن طريق وكلائه وسفرائه الخاصّين بهذه المهمّة، وكانوا أربعة، هم:
١. أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري:
كان أسديّاً، فنسب إلى جدّه فقيل: العمري، هكذا قيل.
ويقال له: السمّان ؛ لأنّه كان يتّجر في السمن تغطية على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد (ع) ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه، ويحمله إلى أبي محمّد (ع) تقيّة وخوفاً[٢].
كان وكيلاً للإمامين: عليّ والحسن العسكريّين (ع).
روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أحمد بن إسحاق بن سعد القمّي، قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ مِنَ اَلْأَيَّامِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي أَنَا أَغِيبُ وَ أَشْهَدُ وَ لاَ يَتَهَيَّأُ لِيَ اَلْوُصُولُ إِلَيْكَ إِذَا شَهِدْتُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَقَوْلَ مَنْ نَقْبَلُ وَ أَمْرَ مَنْ نَمْتَثِلُ فَقَالَ لِي صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ هَذَا أَبُو عَمْرٍو اَلثِّقَةُ اَلْأَمِينُ مَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ وَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ. فَلَمَّا مَضَى أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَصَلْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اِبْنِهِ اَلْحَسَنِ اَلْعَسْكَرِيِّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِيهِ فَقَالَ لِي هَذَا أَبُو عَمْرٍو اَلثِّقَةُ اَلْأَمِينُ ثِقَةُ اَلْمَاضِي وَ ثِقَتِي فِي اَلْمَحْيَا وَ اَلْمَمَاتِ فَمَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ وَ مَا أَدَّى إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهُ»[٣].
وروى الشيخ الطوسي: أنّه لمّا توفّي الإمام الحسن العسكري (ع) حضر عثمان بن سعيد غسله وتولّى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه ودفنه، مأموراً بذلك... إلى أن قال: «وكانت توقيعات صاحب الأمر (ع) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصّ أبيه، أبي محمّد (ع) بالأمر والنهي، والأجوبة عمّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (ع). فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفّي عثمان بن سعيد وغسّله ابنه أبو جعفر وتولّى القيام به وحصل الأمر كلّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته ؛ لما تقدّم له من النصّ عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (ع) وبعد موته في حياة أبيه عثمان رحمة الله عليه» [٤].
وقبره الآن مشيّد معروف ببغداد، يزار ويتبرّك به [٥].
٢. أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري:
روى الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري أنّه قال: «لمّا مضى أبو عمرو، أتتنا الكتب بالخطّ الذي كنّا نكاتب به، بإقامة أبي جعفر مقامه» [٦].
وروى عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي: أنّه خرج إليه بعد وفاة أبي عمرو: «... والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب - وأرضاه ونضّر وجهه - يجري عندنا مجراه ويسدّ مسدّه، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل، تولّاه الله، فانته إلى قوله، وعرّف معاملتنا ذلك» [٧].
وروى عن علي بن أحمد القمي، قال: «دخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان يوماً لاسلّم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة ونقّاش ينقش عليها ويكتب آياً من القرآن وأسماء الأئمّة (ع) على حواشيها، فقلت له: يا سيّدي، ما هذه الساجة؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه أوضع عليها - أو قال اسند إليها - وقد عرفت منه، وأنا في كلّ يوم أنزل فيه فأقرأ جزءاً من القرآن فيه فأصعد - وأظنّه قال: فأخذ بيدي وأرانيه - فإذا كان يوم كذا وكذا، من شهر كذا وكذا، من سنة كذا وكذا، صرت إلى الله عزّ وجلّ ودفنت فيه، وهذه الساجة معي. فلمّا خرجت من عنده أثبتّ ما ذكره ولم أزل مترقّباً به ذلك، فما تأخّر الأمر حتّى اعتلّ أبو جعفر فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها، ودفن فيه» [٨].
وروى أيضاً: أنّه مات آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمئة، أو سنة أربع وثلاثمئة، وأنّه كان يتولّى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة [٩].
ودفن ببغداد، وقبره الآن مشيّد، معروف، يزار، ويعرف ب «الخلّاني» [١٠].
٣. أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي:
خلّف أبو جعفر محمد بن عثمان مكانه الحسين بن روح، ونصّ عليه مع أنّه كان من هو أكثر اختصاصاً بأبي جعفر من حسين بن روح، فقد روى الشيخ الطوسي عن جعفر بن محمد بن قولويه أنّه قال: «قال مشايخنا: كنّا لا نشكّ أنّه إن كانت كائنة من أبي جعفر لا يقوم مقامه إلّا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه، لما رأيناه من الخصوصية به...
فلمّا كان عند ذلك ووقع الاختيار على أبي القاسم سلّموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم وبين يديه كتصرّفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات» [١١].
وروى الشيخ أيضاً عن جعفر بن أحمد بن متيل قال: «لمّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله واحدّثه وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إليّ، ثمّ قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوّلت إلى عند رجليه» [١٢].
وروى أيضاً عن جماعة: «أنّ أبا جعفر العمري لمّا اشتدّت حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة، منهم: ... من الوجوه والأكابر، فدخلوا على أبي جعفر فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (ع)، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعوّلوا عليه في مهمّاتكم، فبذلك أمرت، وقد بلّغت» [١٣].
وقال الشيخ أيضاً: «وكان أبو القاسم من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقيّة» [١٤].
وروى عن أبي عبد الله بن غالب قال: «ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح...» [١٥].
ثمّ نقل ما يدلّ على مدّعاه وشدّة استعماله التقيّة.
وسُئل أبو سهل النوبختي: «كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه». ثمّ قال ما مضمونه: أنّه لو قرّض الحسين بن روح بالمقاريض ليدلّ على مكان الحجّة (ع) وكان تحت ذيله لما دلّهم عليه، أما أنا فربّما دللت عليه [١٦].
وعلى أي حال، فقد تولّى السفارة منذ سنة ٣٠٥ ه إلى أن توفّي سنة ٣٢٦ ه [١٧].
وقبره الآن في بغداد معروف، يقصد ويزار [١٨].
٤. أبو الحسن علي بن محمّد السمري:
أوصى الحسين بن روح إلى عليّ بن محمّد السمري.
فكان بدء سفارته من سنة ٣٢٦ ه حتّى سنة ٣٢٩ ه في النصف من شعبان، فتكون مدّة سفارته ثلاثة أعوام [١٩].
ولم يعيّن هو سفيراً من بعده، بل أخرج إلى الناس توقيعاً قبيل وفاته جاء فيه:
«﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[٢٠] يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيَّ أَعْظَمَ اَللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَ لاَ تُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلتَّامَّةُ فَلاَ ظُهُورَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِ اَللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ وَ قَسْوَةِ اَلْقُلُوبِ وَ اِمْتِلاَءِ اَلْأَرْضِ جَوْراً وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلْمُشَاهَدَةَ [أَلاَ فَمَنِ اِدَّعَى اَلْمُشَاهَدَةَ] قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَ اَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ اَلْعَلِيِّ اَلْعَظِيمِ قَالَ فَنَسَخْنَا هَذَا اَلتَّوْقِيعَ وَ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا كَانَ اَلْيَوْمُ اَلسَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ لَهُ مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ فَقَالَ لِلَّهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ وَ قَضَى فَهَذَا آخِرُ كَلاَمٍ سُمِعَ مِنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ وَ أَرْضَاهُ »[٢١].
وللسمري مزار معروف في بغداد [٢٢].
وذكروا من جملة مناقبه: أنّه أخبر بوفاة عليّ بن الحسين بن بابويه[٢٣]، فأثبت الحاضرون تاريخ الإعلان - الساعة واليوم والشهر - فلمّا كان بعد سبعة عشر أو ثمانية عشر يوما، ورد الخبر: أنّه قبض في تلك الساعة التي ذكرها الشيخ أبو الحسن السمري[٢٤].
وبوفاة السمري انتهت الغيبة الصغرى وبدأت الكبرى، وكانت مدّة الصغرى تسعاً وستّين سنة إذا حسبنا بداية الغيبة من بعد وفاة أبي محمد الحسن العسكري (ع) وهي سنة مئتين وستّين ؛ لأنّها تمتدّ من سنة مئتين وإحدى وستّين إلى سنة ثلاثمئة وتسع وعشرين.
وأمّا إذا حسبناها من ولادته، أي سنة مئتين وخمس وخمسين، فتكون مدّة الغيبة أربعا وسبعين سنة.
تنبيه
قال الشيخ الطوسي: «كان في زمان السفراء المحمودين [٢٥] أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل».
ثمّ عدّ منهم: أبا الحسين بن محمد بن جعفر الأسدي، و أحمد بن إسحاق، وغيرهما [٢٦].
وذكر الشيخ الطوسي أيضاً جماعة تحت عنوان «المذمومين» وهؤلاء هم الذين ادّعوا السفارة والوكالة زورا، وهم: الحسن الشريعي أو السريعي، و محمد بن نصير النميري، و أحمد بن هلال الكرخي، و محمد بن علي بن بلال، و الحسين بن منصور الحلاج، و محمد بن علي الشلمغاني المعروف بـ ابن أبي العزاقر[٢٧].[٢٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٢.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢١٥.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢١٥.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢١٦.
- ↑ انظر: تاريخ الغيبة الصغرى: ٤٠١، وكتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢١٧.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٠.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٠.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٢.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٣.
- ↑ انظر: تاريخ الغيبة الصغرى: ٤٠٦، وكتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٣، الهامش رقم ١، وفيه: «يعرف بالشيخ الخلّاني».
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٥.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٦.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٦ - ٢٢٧.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٣٦.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٣٦.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٠.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٢٣ و٢٣٨.
- ↑ انظر: تاريخ الغيبة الصغرى: ٤١٢، وكتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٣٨.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٢.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ١.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٢ - ٢٤٣.
- ↑ انظر تاريخ الغيبة الصغرى: ٤١٦.
- ↑ هو والد الصدوق المعروف، صاحب من لا يحضره الفقيه، مرقده في قم، أزوره حينما اوفّق له.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٣.
- ↑ المحمودون مقابل المذمومين الذين ادّعوا السفارة زورا، كما سيأتي.
- ↑ انظر كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٥٧ - ٢٥٨.
- ↑ كتاب الغيبة (للشيخ الطوسي): ٢٤٤ - ٢٥٤.
- ↑ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة 5: 642 - 646.