غيبة الإمام المهدي

من إمامةبيديا

المقدمة

إنّ الإمام المهدي(ع) ولد سنة ٢٥٥ ه. وكان عمره عند وفاة والده خمس سنوات، وحضر الصلاة على جنازة والده العسكري (ع)، وأخذ بيد عمّه جعفر وجرّه حينما أراد الصلاة وقال له: « تَأَخَّرْ يَا عَمِّ فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّلاَةِ عَلَى أَبِي فَتَأَخَّرَ جَعْفَرٌ وَ قَدِ اِرْبَدَّ وَجْهُهُ وَ اِصْفَرَّ فَتَقَدَّمَ اَلصَّبِيُّ وَ صَلَّى عَلَيْهِ » [١].

وعند ذلك دخل جعفر بن عليّ- كما ذكرت المصادر - على المعتمد وكشف له ذلك، فوجّه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية، وطالبوها بالصبي فأنكرته وادّعت حملا بها لتغطّي على حال الصبي، فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، ولكن بغتهم موت عبيد الله بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت من أيديهم [٢].

فمن هذا التاريخ - أي بعد الفراغ من صلاة الإمام المهدي (ع) على جنازة أبيه - بدأت غيبة الإمام (ع).

وكانت هناك تمهيدات لهذه الغيبة، منها:

أوّلاً: إخبار الأئمّة (ع) بهذه الغيبة قبل أكثر من مئتي عام تقريبا، وقد جمعها الصدوق في كتابه كمال الدين، فمن ذلك:

  1. ما رواه بإسناده إلى أصبغ بن نباتة، قال: « أَتَيْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ، فَوَجَدْتُهُ مُتَفَكِّراً يَنْكُتُ فِي اَلْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ مَا لِي أَرَاكَ مُتَفَكِّراً تَنْكُتُ فِي اَلْأَرْضِ، أَ رَغِبْتَ فِيهَا؟! فَقَالَ: لاَ وَ اَللَّهِ، مَا رَغِبْتُ فِيهَا، وَ لاَ فِي اَلدُّنْيَا يَوْماً قَطُّ، وَ لَكِنْ فَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي، اَلْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي، هُوَ اَلْمَهْدِيُّ، يَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، تَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَ غَيْبَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ، وَ يَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ إِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَ أَنَّى لَكَ بِالْعِلْمِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ، يَا أَصْبَغُ، أُولَئِكَ خِيَارُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَعَ أَبْرَارِ هَذِهِ اَلْعِتْرَةِ . قُلْتُ: وَ مَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ثُمَّ ﴿يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ[٣]، فَإِنَّ لَهُ إِرَادَاتٍ وَ غَايَاتٍ وَ نِهَايَاتٍ »[٤].
  2. وروى بإسناده إلى أصبغ عن أمير المؤمنين(ع) أيضاً أنّه ذكر القائم (ع) فقال: « أَمَا لَيَغِيبَنَّ حَتَّى يَقُولَ اَلْجَاهِلُ مَا لِلَّهِ فِي آلِ مُحَمَّدِ حَاجَةٌ»[٥].
  3. وروى بإسناده عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَةً فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ عَبْدٌ وَ لْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ»[٦].
  4. وروى عنه (ع) أيضاً أنّه قال: « طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَمْرِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمَنَا فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ بَعْدَ اَلْهِدَايَةِ ...»[٧].
  5. وروى بإسناده عن عبد العظيم الحسني، قال: «قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ اَلْقَائِمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ اَلَّذِي يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا أَبَا اَلْقَاسِمِ مَا مِنَّا إِلاَّ قَائِمٌ بِأَمْرِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَادٍ إِلَى دِينِهِ وَ لَكِنَّ اَلْقَائِمَ اَلَّذِي يُطَهِّرُ اَللَّهُ بِهِ اَلْأَرْضَ مِنْ أَهْلِ اَلْكُفْرِ وَ اَلْجُحُودِ وَ يَمْلَأُهَا عَدْلاً وَ قِسْطاً هُوَ اَلَّذِي يَخْفَى عَلَى اَلنَّاسِ وِلاَدَتُهُ وَ يَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ...»[٨].

والروايات بهذا المضمون من سائر الأئمّة مستفيضة، بل متواترة.

ثانياً: وكان من التمهيدات للغيبة هو: أنّ الإمام الحسن العسكري (ع) كان يقلّل من لقائه المباشر مع الشيعة، وكانت تتردّد الأسئلة والأجوبة عن طريق المكاتبات والوكلاء، بل يظهر من بعض النصوص أنّه (ع) كان يقلّل لقاءاته حتّى في زمن أبيه (ع)، فقد روى الكليني والمفيد بإسنادهما عن عبد الله بن محمد الإصفهاني قال: «قَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : صَاحِبُكُمْ بَعْدِيَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيَّ قَالَ وَ لَمْ نَعْرِفْ أَبَا مُحَمَّدٍ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ» [٩].

وفي رواية أخرى ذكرها الشيخ المفيد عن جماعة من بني هاشم كانوا حضوراً عند أبي الحسن الهادي (ع) بعد وفاة ابنه أبي جعفر [١٠] جاء فيها: «... إِذْ نَظَرَ إِلَى اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ قَدْ جَاءَ مَشْقُوقَ اَلْجَيْبِ حَتَّى قَامَ عَنْ يَمِينِهِ وَ نَحْنُ لاَ نَعْرِفُهُ ...». ثمّ جاء فيها: « فَسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ لَنَا هَذَا اَلْحَسَنُ اِبْنُهُ فَقَدَّرْنَا لَهُ فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ عِشْرِينَ سَنَةً وَ نَحْوَهَا فَيَوْمَئِذٍ عَرَفْنَاهُ وَ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ وَ أَقَامَهُ مَقَامَهُ»[١١].

ويشهد لما قلنا: أنّ الشيعة كانوا ينتظرون خروجه يوم الاثنين والخميس إلى دار الخلافة ليشاهدوه في الطريق [١٢].

فاحتجاب الإمام الحسن (ع) ومباشرته الأمور عن طريق الوكلاء كان تمهيداً لعصر غيبة ولده الإمام المهدي (ع) الصغرى حيث الأمر فيها كذلك، والغيبة الصغرى كانت تمهيداً لغيبته الكبرى. إذن كانت للإمام (ع) غيبتان: صغرى وكبرى.

الغيبة الصغرى

الغيبة الكبرى

المراجع والمصادر

  1. محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة

الهوامش

  1. انظر كمال الدين: ٤٧٥ - ٤٧٦، الباب ٤٣، الحديث ٢٥.
  2. انظر كمال الدين: ٤٧٥ - ٤٧٦، الباب ٤٣، الحديث ٢٥.
  3. سورة إبراهيم، الآية 27.
  4. كمال الدين: ٢٨٨ - ٢٨٩، الباب ٢٦، الحديث الأوّل.
  5. كمال الدين: ٣٠٢، الباب ٢٦، الحديث ٩.
  6. كمال الدين: ٣٤٦ - ٣٤٧، الباب ٣٣، الحديث ٣٤.
  7. كمال الدين: ٣٥٨، الباب ٣٣، الحديث ٥٥.
  8. كمال الدين: ٣٧٧ - ٣٧٨، الباب ٣٦، الحديث ٢.
  9. انظر: الكافي ١: ٣٢٦، كتاب الحجّة، باب النصّ على أبي محمّد (ع)، الحديث ٣، والإرشاد ٢: ٣١٥.
  10. هو محمّد بن عليّ الهادي، يعرف بالسيّد محمّد، له مرقد ومزار كبير معروف بين سامراء وبغداد، يجلّه العامّة والخاصّة.
  11. الإرشاد ٢: ٣١٧ - ٣١٨.
  12. انظر البحار ٥٠: ٢٥١، تاريخ الإمام العسكري (ع)، باب معجزاته ومعالي أموره، الحديث ٦.