بيعة العقبة

من إمامةبيديا

تمهيد

سكنت يثرب قبيلتا الأوس والخزرج في القرن الرابع الميلادي يعد هجرتهم من اليمن، وهم من القحطانيين . كما سكن بجانبهم اليهود القادمين من شمال الجزيرة العربية. وكثيراً ما كان يحضر منهم جماعة إلى مكّة، فكان النبي يلتقي بهم ويتصل معهم عارضاً عليهم دينه، وقد كان لهذه اللقاءات والاتّصالات أثرها فيما بعد ودافعاً لهجرة الرسول (ص) إلى يثرب، فقد كان حجاجهم ينقلون أخباره (ص) إلى أهاليهم، ممّا مكنهم التعرف عليه وعلى أهدافه. وقد تمّت تلك الاتّصالات فيما بين سنوات ١١، ١٢، ١٣ من البعثة.

ومن أشهر من تشرّف بمقابلة الرسول (ص): سويد بن الصامت الذي أسلم ونشر الإسلام بين قومه، إلاّ أنّ الخزرج قتلته قبل يوم بعاث.[١] و إياس بن معاذ الذي رأى في إسلام أهله تخلّصاً من النزاع والتناحر بينهم، ليصبحوا بفضل الدين الجديد إخوة تزول بينهم أسباب العداء والقتال.

وكذلك تمّت مبايعة ستة أفراد من الخزرج والإيمان به وبالإسلام: إنّا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ مثل ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعزّ منك.[٢]

وكان لهؤلاء تأثيرهم الإيجابي في أهل يثرب، حيث أسلم عددٌ منهم، وقدم في السنة التالية ١٢ من البعثة، اثنا عشر رجلاً منهم، عقدوا مع النبي (ص) بيعة العقبة، وهي أوّل بيعة في الاِسلام، وكان أبرزهم: أسعد بن زرارة، وعبادة الصامت.

وكان نصّ البيعة، بعد الاعتراف بالإسلام والإيمان بالله وبرسوله: «بايعنا رسول الله (ص) على ألاّ نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف» ويرد عليهم الرسول (ص): «إن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عزّوجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر».

وطلبوا من النبي (ص) أن يرسل إليهم من يعلّمهم القرآن والدين، إذ أنّهم نشطوا في نشر الاِسلام بعد عودتهم إلى يثرب، فبعث إليهم: مصعب بن عمير الداعية النشط الذي تمكن من أن يجمع المسلمين في غياب الرسول (ص) ويوَمهم ويصلّي بهم.[٣]

وهكذا فقد أحدث تقدُّم الإسلام في يثرب، هيجاناً كبيراً، وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فانتظروا حلول موسم الحجّ للإلتقاء بالرسول (ص)، فخرجت قافلة كبيرة منهم ضمت ٥٠٠ نفر، فيهم ٧٣ مسلماً بينهم امرأتان، فالتقوا بالرسول (ص) الذي واعدهم بالعقبة: «موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق»، وهي الليلة ١٣ من شهر ذي الحجّة، فاجتمع بهم مع عمّه العباس بن عبد المطلب بعد أن مضى ثلث الليل ونام الناس، حتى لا يشعروا بخروجهم.

فتكلّم فيهم العباس قائلاً: إنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عزّمن قومه ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنّه في عزّومنعة من قومه وبلده.

ثمّ تكلّم الرسول (ص) فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الاِسلام ثمّ قال: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ وَ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَ أَبْنَاءَكُمْ». فبايعوه على ذلك وهم في حماس وسرور عظيم.

كما أنّ النبي (ص) عاهدهم على أن يبقى معهم، ويكون بجانبهم في سلمهم وحربهم: «أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَ أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» ثمّ قال لهم: «أُخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمَهُمْ بِمَا فِيهِمْ». فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، فقال(ص): «أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كفلاء ككفالة الْحَوَارِيِّينَ لعيسى بْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَّا كَفِيلُ عَلَى قَوْمِي ـ أَيِ الْمُسْلِمِينَ ـ فأُبايعكم عَلَى أَنْ تمنعوني مِمَّا تَمْنَعُونَ نِساءَكُمْ وَ أَوْلَادَكُمْ». فقالوا: نعم. فبايعوه على ذلك».

وكان النقباء، ٩ من الخزرج و٣ من الأوس، وقد انفضّ الجمع بعد ذلك، بعد أن وعدهم الرسول (ص) أن يهاجر إليهم في الوقت المناسب.[٤]

أمّا بخصوص قبول أهل يثرب الدين الإسلامي أسرعَ من أهل مكّة الذين رفضوه خلال ثلاثة عشر عاماً، فإنّ هناك عاملين هامين كان لهما التأثير المباشر القويّ في ذلك:

  1. وجود اليهود بالمدينة، وقيامهم بنشر الأخبار عن ظهور نبي جديد ودين جديد، ممّا هيّأ أهلها لقبول هذا الدين الذي كانوا ينتظرونه، الأمر الذي جعلهم أسرع في تقبلهم للدعوة خلال البيعة الاَُولى، حين قال بعضهم لبعض: والله إنّه للنبيّ الذي توعّدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه.
  2. كما أنّ الحروب الطويلة التي جرت بين أطراف أهل يثرب، والتي استمرت مائة وعشرين عاماً، قد أنهكتهم وكادت أن تذهب بما تبقّى من رمقهم، فملّوا الحياة، وفقدوا كلّ أمل في تحسن الأحوال والأوضاع، فبحثوا عن مخلّص لما هم فيه من حالة سيئة ومشكلات مزمنة. ولهذا تمنّوا أن يضع النبي(ص) حداً لأوضاعهم المتردية فقالوا: «عسى أن يجمعهم الله بك، فإن جمعهم الله بك فلا رجل أعزّ منك».

وقد أحدث كلّ ذلك خوفاً عجيباً في قلوب قادة قريش وسادة مكة المشركين المتغطرسين، إذ أنّ ذلك يعني أنّ المسلمين وجدوا قاعدة قوية في قلب الجزيرة العربية، تجمع كلّ طاقات المسلمين المبعثرة، وتعمل معاً في نشر دينهم وعقيدتهم، ممّا سيشكل خطراً جديداً يهدّدهم في الصميم، ولهذا بادَرتْ قريشٌ في الاتّصال بالخزرجيّين للاستفسار عمّا حدث في العقبة. فحلف لهم المشركون من أهل يثرب أنّه لم يحدث ما يؤذيهم أو يهدد مصالحهم، ولم يعلموا عنه، وهم في قولهم صادقون، إذ أنّهم لم يعلموا بما حدث في العقبة.

وحاولوا إلقاء القبض عليهم قبل خروجهم من مكّة، إلاّ أنّهم كانوا قد توجهوا قبل ذلك نحو المدينة، فظفروا بـ سعد بن عبادة الذي تولّوا ضربه بعد ربط يديه إلى عنقه، حتى خلّصه منهم: المطعم بن عدي.[٥]

وفي المدينة المنورة، كان قد أسلم فيها كلُّ قبيلة بني عبد الأشهل قبل أن يروا النبي (ص) فأصبحوا من الدعاة إلى الاِسلام والمدافِعين عن عقيدة التوحيد، بفضل نشاط الدعاة: مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، اللّذين أثّرا في إسلام قادة القبيلة: أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، ثمّ إسلام الباقي.[٦]

وعندما اشتدّ إيذاء قريش للمسلمين بعد إسلام جماعة من أهل يثرب، طلب بعضُهم النجاة بنفسه والهجرة إلى أيّمكان، فاستمهلهم الرسول (ص) وقال: «لقد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها».[٧]

وبذا فقد ترك المسلمون مكة وهاجروا إلى المدينة تدريجياً، حتّى لا تعلم بهم قريش، إلاّ أنّ زعماءها فطنوا لسرهم، فمنعوا السفر والتنقل لأيّ مسلم، وإعادة كلّ من وجدوه أثناء الطريق، وحبس زوجة كلّ مسلم أراد الهجرة. ولكن لحسن الحظ، لم يثمر كلّ ذلك، فإنّ معظم المسلمين تمكّنوا من الفرار والهجرة إلى يثرب، ما عدا النبي (ص) و الإمام علي(ع) وأبو بكر، وعدد قليل من المسجونين والمرضى من المسلمين. حتى حان الوقت الذي أقرّ فيه النبي (ص) الهجرة من مكة في شهر ربيع الاَوّل من السنة ١٣ من البعثة النبوية المباركة.[٨]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. بعاث، موضع جرت فيه حرب بين الأوس والخزرج.
  2. تاريخ الطبري: ٢ /٨٦؛ السيرة النبوية: ١ /٤٢٧؛ بحار الاَنوار: ١٩ /٢٥.
  3. السيرة النبوية: ١ /٤٣٤؛ بحار الاَنوار: ١٩ /٢٥.
  4. بحار الاَنوار: ١٩ /٢٥؛ السيرة النبوية: ١ /٤٤١؛ طبقات ابن سعد: ١ /٢٢١.
  5. السيرة النبوية: ١ /٤٤٩.
  6. إعلام الورى: ٥٩؛ بحار الاَنوار: ١٩ /١٠.
  7. طبقات ابن سعد: ١ /٢٢٦.
  8. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٩٥-٩٩.