سورة الفلق
التمهيد[١]
«سورة الفلق» سورة مكّيّة، وآياتها خمس، نزلت بعد «سورة الفيل».
وسورة الفلق توجيه من الله سبحانه لنبيّه (ص) وللمؤمنين جميعا، للعياذ بكنفه، واللياذ بجاهه من كل سوء، والاعتصام بقدرته والاحتماء بجلاله، من شرور مخلوقاته، وما عسى أن يصدر عنهم من إفك وحسد.
المفردات
- ﴿أَعُوذُ﴾[٢]: ألجأ وأتحصن.
- ﴿الْفَلَقِ﴾[٣]: الصبح.
- ﴿مَا خَلَقَ﴾[٤]: من الشر أو الأشرار.
- ﴿غَاسِقٍ﴾[٥]: هو الليل المظلم.
- ﴿وَقَبَ﴾[٦]: دخل، شمل، غمر.
- ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾[٧]: النفث: النفخ مع شيء من الريق.
- ﴿الْعُقَدِ﴾[٨]: ما أحكم ربطه حسّا، كعقدة الحبل، أو معنى كعقد البيع والنّكاح، والمراد عقد السحر أو النميمة، والفتنة بين الناس التي تقطع روابط الالفة.
مع آيات السورة
[الآيتان ١- ٢]: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾[٩]. الفلق هو الصبح، وقال جمع من المفسّرين: إن الفلق هو الموجود الممكن كلّه، أي قل أستعيذ برب المخلوقات وبفالق الإصباح، من كلّ أذى وشرّ يصيبني من مخلوق من مخلوقاته طرّا.
ثمّ خصّص من بعض ما خلق أصنافا، يكثر وقوع الأذى منهم.
[الآية ٣]: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾[١٠] أصل المعنى في مادة غسق: السّيلان والانصباب، وأصل الوقب: النّقرة في الجبل ونحوه، ووقب بمعنى دخل دخولا لم يترك شيئا إلّا مرّ به.
والمراد من الغاسق هنا: الليل، ووقب: أي دخل وغمر كلّ شيء، كأنّما انصبّ عليه، واشتدّت ظلمته.
أي أستعيذ بالله من شرّ الليل إذا دخل، وغمر كلّ شيء بظلامه. أستعيذ بالله من الظلام الحالك، وما يختبئ فيه من حشرة مؤذية، ومن شيطان تساعده الظلمة على الانطلاق والإيحاء، أو من ظلمات النفس وغلبة الشكّ والحيرة.
وعن ابن عباس: «هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت واعية العقل» [١١].
[الآية ٤]: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾[١٢]، أي ومن شرّ النّمّامين الذين يقطعون روابط المحبة، ويبدّدون شمل المودّة، «والنميمة تشبه أن تكون ضربا من السحر، لأنها تحوّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بوسيلة خفيّة كاذبة، والنميمة تضلّل وجدان الصديقين، كما يضلّل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفّظ من النّمّام، فربما دخل عليك بما يشبه الصدق، حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه، فلا بد لك من قوّة أعظم من قوّتك، تستعين بها عليه» [١٣].
والنفاثات في العقد: الساحرات الساعيات بالأذى، عن طريق خداع الحواس، وخداع الأعصاب، والإيحاء إلى النفوس، والتأثير والمشاعر وهنّ يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل، وينفثن فيها، كتقليد من تقاليد السّحر والإيحاء.
ويصح أن يراد بالنفّاثات في العقد، النساء الكيّادات اللواتي يفسدن عقد الزوجية، بصرف الزوج عن زوجته، واستمالته حتّى يهجر زوجته الأولى.
فكأنّ الثانية أفسدت عقد الزوجية بين الزوج، وزوجته الأولى[١٤].
[الآية ٥]: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾[١٥] والحسد انفعال نفسي، إزاء نعمة الله، على بعض عباده، مع تمنّي زوالها، وسواء أأتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة، تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي فإنّ شرّا يمكن أن يعقب هذا الانفعال.
فإذا حسد الحاسد، ووجّه انفعالا نفسيا معيّنا إلى المحسود، فإنّ شرّا يمكن أن ينفذ إلى المحسود، من طريق العين أو النفس ونحن نستجير بالله ونستعيذ به، ونلجأ إلى رحمته وفضله، ليعيذنا من هذه الشرور، إجمالا وتفصيلا.
وقد روى البخاري بإسناده عن عائشة أن النبي (ص)، كان إذا آوى إلى فراشه، كل ليلة، جمع كفّيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[١٦] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾[١٧] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾[١٨] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وهكذا رواه أصحاب السنن.
مقصود سورة الفلق
- الالتجاء إلى الله، والتحصّن بقدرته من شرّ الخلق.
- ومن شرّ الظلام إذا انتشر، وغطّى الكون.
- ومن شرّ النساء الكيّادات، صاحبات الحيل، ومن شرّ أهل الفتنة والنميمة.
- ومن شرّ الحسود إذا وجّه كيده للحسد.
ترابط الآيات في السورة[١٩]
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت «سورة الفلق» بعد «سورة الفيل»، ونزلت «سورة الفيل» فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الفلق في ذلك التاريخ أيضاً.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾[٢٠] والفلق الصبح، لأن الليل ينفلق عنه، وتبلغ آياتها خمس آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، تخصيص الله تعالى بالاستعاذة من شرّ الخلق، وهذا يدخل فيما سيقت له سورة الإخلاص، من إخلاص الدين لله تعالى، وبهذا يدخل سياق هذه السورة في سياقها، ويكون ذكرها بعدها لهذه المناسبة.
تخصيص الله بالاستعاذة من شر الخلق الآيات [١- ٥]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾[٢١] فأمر النبي (ص) أن يخصّه بالاستعاذة من شرّ ما خلق، وخصّ من هذا ثلاثة أشياء: الليل إذا أقبل، والسواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط عند الرّقية، والحاسد الذي يتمنّى زوال نعمة غيره، فقال سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾[٢٢].[٢٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤. [.....]
- ↑ سورة الفلق، الآية ١.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٢.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٣.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٣.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٤.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٤.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١-٢.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٣.
- ↑ تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري، ٣٠: ٢١٤.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٤.
- ↑ تفسير جزء عم للإمام محمد عبده، ص ١٣٨.
- ↑ وفي الحديث: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها». أي ينبغي على المرأة ألّا تطلب من الزوج طلاق زوجته لتحلّ محلها، وتأكل في إنائها، وتحتل مكانتها. ومن النساء من يحلو لهنّ إفساد ما بين الزوج وزوجته، أو خطف الرجل من امرأته، وهو كيد، نستعيذ بالله منه.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٥.
- ↑ سورة الإخلاص، الآية ١.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١.
- ↑ سورة الناس، الآية ١.
- ↑ انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١.
- ↑ سورة الفلق، الآية ٢-٥.
- ↑ السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١٢: ٣٢٣ - ٣٢٩.