صفات الله في القرآن

من إمامةبيديا

تمهيد

لا طريق للإنسان لمعرفة كنه الذات الإلهية وأن الطريق العام المعرفة الله هو المعرفة بأسمائه وصفاته فقط! ولذلك نجد أن أحد أهم أهداف القرآن الكريم هو إصلاح وتعميق وبسط معرفة الإنسان بالله حيث ذُكرت الصفات الإلهية في آيات متعددة. مئات الآيات القرآنية إما أنها تتناول بحث صفات الله مباشرة أو لا أقل تذكر بعض الأسماء الإلهية، ويمكن الحصول على أصول كلية في باب توصيف الله من بعض الآيات، مع هذا لا ينبغي الغفلة عن أن معرفة الله عن طريق أوصافه هو طريق خطير جداً، وسلوكه يحتاج إلى حركة دقيقة واحتياط شديد لأنه بخطأ بسيط يُمكن أن نقع في حبال التشبيه أو قد نحرم أنفسنا من بعض المعارف القرآنية في هذا الباب. من الأمور التي تفتح أبواب في هذا السبيل التوسل بالآيات المحكمة في البحث، وفي ظلها تُفسر الآيات المتشابهة (كالآيات التي حسب الظاهر توصف الله بأوصاف مخلوقاته) هنا نلقي نظرة قصيرة على نظرية القرآن الكلية في باب توصيف الله ومعرفة البشر عن الصفات الإلهية، وسوف نذكر الآيات المتعلقة بالأوصاف الخاصة في الفصول المتعلقة بذلك.[١]

لا تشبيه ولا تعطيل

القرآن (من جهة) يؤكد على هذه الحقيقة أن معرفة كنه الذات الإلهية والإحاطة العلمية بها ممتنع على الإنسان: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[٢]، ومن جهة أخرى تُبين آيات عديدة أنه لا يشبه الموجودات الأخرى أبداً ولا يُمكن تصور مثيل لذاته المقدسة، هذه الآيات في الواقع هي محكمات تنفي التشبيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٣]. ذكرنا هذه الآية في (مباحث التوحيد) لتبين التوحيد الذاتي لكن هذه الآية كما أنها تنفي وجود ذات تشابه ذات الله كذلك تنفي مشابهة أوصاف الله لأوصاف الآخرين، على هذا الأساس الآية مورد البحث تُشير إلى أن الله من حيث ذاته المطلقة واللامتناهية ومن حيث أوصافه الجمالية والجلالية فهو لامثيل له ولا شبيه، كما يُفهم هذا المعنى من آيات أخرى كآخر آية من سورة التوحيد[٤].

القرآن في مقام بيان عدم صحة نظرية التشبيه بالإضافة إلى الآيات التي تنفي بشكل كلي مشابهة الله لكل موجود مفروض في الذات والصفات كذلك في آيات مختلفة تُبين الصفات السلبية لله، مثل: نفي إمكان الزوال والمكان و... والتي ألمحنا إلى بعضها في بحث الأوصاف السلبية. كذلك القرآن يذكر أن الله أعلى من التصاوير الموجودة في الأذهان والمتلطخة بالتشبيه. القرآن في العديد من المواطن وبعد نقل الخيالات الباطلة للمشركين حول الله نجده يؤكد على أن توصيفهم لا يتناسب ومقامه العلوي ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ[٥][٦]، ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[٧] بالتوجه إلى هذه المجموعة من الآيات قد يُظن أن القرآن سد باب (معرفة الله) كلياً وأنه يُشير إلى تعطيل العقول. لكن هكذا تصور سريع غير صحيح ويتضح بالتأمل في آيات أخرى أن القرآن مع التنزيه الكامل الله من أوصاف المخلوقات يصدق إمكان حصول نوع من المعرفة وأفضل شاهد على هذا المدعى تلك الآيات الكثيرة التي تذكر أسماء وصفات الله. بالتوجه إلى أن القرآن يدعو الإنسان إلى التدبر في آياته لا يُمكن قبول أن الذكر المكرر للأسماء الإلهية في آيات متعددة فقط بغرض تلاوتنا بدون أن نصل ولو لمعرفة قليلة بها[٨]. فالقرآن في مسألة توصيف الله يرد التشبيه المحض، كما يرد التعطيل الصرف، كذلك ويشق طريقاً متوسطاً من جهة يذكر أوصاف الله الجمالية والجلالية ومن جهة أخرى يؤكد على عدم النظير له في الذات والصفات بسبب أنه يجب أن لا نتدبر في الصفات الإلهية بنحو يوجب تشبيهه بالغير، بل يجب أن نقوم بتصفية الأوصاف عن الشوائب الخلقية والإمكانية واستعمالها في معاني تتلاءم والذات الإلهية. عدد الآيات التي تنفي نظرية التشبيه بشكل صريح أكثر من الآيات الدالة على نفي التعطيل وقد يكون منشأ هذا الأمر من أن معرفة الله المشوبة بالتشبيه أكثر شيوعاً من نظرية التعطيل.[٩]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢١٥.
  2. سورة طه: ۱۱۰.
  3. سورة الشورى: ۱۱.
  4. هذا إذا قلنا بأن الضمير (به) يعود على الله، ولكن هناك: من يرى أن الضمير يعود على عمل المجرمين.
  5. سورة الانعام: ۱۰۰.
  6. و أيضاً سورة الانبياء: ۲۲؛ سورة المؤمنون: ۹۱؛ سورة الزخرف: ۸۲.
  7. سورة الحج: ۷۴.
  8. يُمكن مشاهدة المثال الأعلى لهذه المسألة في سورة الحشر: ۲۲ و۲۳؛ سورة الحديد: ۱-۶.
  9. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢١٦-٢١٧.