مقدمة

وهو مذهب الإمامية، وسموه «الأمر بين الأمرين» إفادة من الكلمة المأثورة عن الإمام الصادق (ع): «لا جَبْرَ وَلا تَفْوِيضَ، وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ»[١]

وسماه الإمام الهادي (ع) في رسالته في «الرد على أهل الجبر والتفويض» المذكورة في كتاب «تحف العقول» بـ «العدل» و «الْمَنْزِلَة بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْن‏‏».

ويريدون به: أن أفعال الإنسان الإرادية تصدر عن الإنسان باختياره من غير جبر ولا إكراه، فان شاء فعل، وان لم يرد لم يفعل.

وفي الوقت نفسه يباشرها الإنسان بالقوة والقدرة التي خلقها الله فيه.

فإذا أسندت إلى قوة الإنسان وقدرته المباشرة للفعل كانت من الله تعالى، لأن الله قادر على أن يسلب الإنسان القوة التي أقدره بها على الفعل فلا يستطيع الاتيان به، وقادر على أن يخلي له السبيل إلى الفعل فيفعله.

وان أسندت إلى إرادة الإنسان واختياره كانت من الإنسان لأنه ان أراد واختار وقع الفعل، وان لم يرد ولم يختر لم يقع الفعل.

فالله تعالى لم يسلب الإنسان ارادته فيكون الإنسان مجبوراً على الفعل أو الترك، بحيث تتحول أفعاله الإرادية في واقعها إلى أفعال غير إرادية، لا دخل للإنسان في وجودها وحدوثها.

كما أنه تعالى لم يترك الإنسان بحيث لا تدخل له في فعله حتى بإرادة التشريع، فتكون أفعاله بخيرها وشرها لا علاقة لها بالله اطلاقاً.

وببيان آخر: ان أفعال الإنسان غير الإرادية كنشأته ونموه وسيره في مختلف مراحل تكوينه، ووجوده من مني يمنى ثم تطوراته جنيناً فرضيعاً فناشئاً فيافعاً فشاباً فكهلا فشيخاً، إلى أن يموت، وما بعد الموت، خاضعة لإرادة الله التكوينية وأمره التكويني (كن فيكون).

وأفعاله الإرادية على اختلاف انماطها السلوكية خاضعة لإرادة الله التشريعية وأوامره ونواهيه الشرعية.

والفرق بين الإرادتين في التأثير وتحقق الفعل: ان الإرادة التكوينية علة تامة لوقوع الفعل، فعند تعلقها بالفعل مع توافر شروط التأثير والايجاد لا يتخلف الفعل عن الوقوع والحدوث بحال من الأحوال.

أما الإرادة التشريعية فليست علة تامة لوقوع الفعل، وانما هي جزء من اجزاء العلة لوقوع الفعل، وليست هي الجزء الأخير الذي به تتم العلة فيصدر عنها الفعل، وانما الجزء الأخير الذي تتم به العلة فيصدر عنه الفعل هو إرادة الإنسان، فان أراد الإنسان الفعل تمت العلة ووقع الفعل، وان لم يرده لا يقع.

وبتعبير آخر: ان الله أراد وقوع الفعل المأمور به شرعاً وأراد عدم وقوع الفعل المنهي عنه شرعاً، لكن ارادته تعالى هنا إرادة شرعية لا كونية، وترك تمامية العلة لاختيار الإنسان.

وذلك ليصح التكليف ويحسن الحساب وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب.

ومن هنا سميته ب (الاختيار) للزوم وجود عنصر الاختيار في تحقق الفعل الإرادي من الإنسان.[٢]

الاستدلال على نظرية الاختيار

استدلوا على ذلك بأدلة عديدة؛ منها:

أولاً: الدليل الوجداني

قالوا في الاستدلال على نظرية الاختيار أن هناك فرقا واضحاً وضوحاً بديهيا بين الفعل الإرادي للإنسان والفعل اللاارادي. ذلك أن الفعل الإرادي تابع للقصد والداعي فيستطاع فعله وتركه بخلاف الفعل غير الإرادي.

شهادة وجدان الإنسان على اختياره

يرى من يعتقد بالاختيار أن نظريته مُحكمة على شواهد وقرائن قطعية ولا يُمكن أن يرفضها أيّ إنسان منصف. كل منا يجد نفسه مختاراً ويشعر بذلك في أعماقه وبالتأمل في باطننا لا يُمكن إلا أن نعترف بأننا مختارون، وهذه الحقيقة نحصل عليها عن طريق العلم الحضوري، فلا يحتمل فيها الخطأ، وتوجد شواهد كثيرة على ذلك: كإظهار الندم عند القيام ببعض الأعمال، قبول المسؤولية في قبال أعمالنا، تكليف أنفسنا أو الآخرين بالقيام ببعض الأعمال، ومعاقبة الآخرين عند التخلف و... كلها تحكي عن أن الإنسان بطبعه وفي أعماقه يعتقد بأنه والآخرين مختارون.

الآن يُمكن السؤال أنه إذا كان كذلك فلماذا جماعة من الناس – ومن بينهم متفكرون معروفون أيضاً- أنكروا اختيار الإنسان وقالوا بالجبر؟!. في الجواب عن السؤال ينبغي أن يُقال: إنّ ظاهراً منشأ الاعتقاد بالجبر (بغض النظر عن المسائل النفسية والأغراض الشخصية والسياسية) هو المواجهة مع بعض الشبهات النظرية كأسئلة أساسية في قبال نظرية الاختيار ولأنه لم يتمكن جماعة من إعطاء جواب مقنع فقد أنكروا اعتقادهم الشهودي والقرائن والشواهد المتعددة على اختيار الإنسان واختاروا الجبر، وهذه المسألة ليست غريبة ونادرة الوقوع، لأننا نرى في طول تاريخ التفكر البشري فإنه قد يشكّك في أكثر الأمور بداهة (كالوجود واقعية خارج الذهن) وردّد في ذلك جماعة من العلماء.[٣]

ثانياً: الدليل القرآني

استدلوا على نظرية الاخنيار بالآيات القرآنية الظاهرة في اسناد الفعل إلى الإنسان أمثال:

  1. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ[٤]
  2. ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[٥]
  3. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ[٦]

ثالثاً: الدليل الروائي

استدلوا على نظرية الاخنيار أيضاً بالأحاديث المروية عن أهل البيت (ع) الدالة على الاختيار أو الأمر بين الأمرين، أمثال:

  1. ما عن الإمام الصادق: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ وَ لَا يَكُونُوا آخِذِينَ وَ لَا تَارِكِينَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه‏»[٧]
  2. ما عنه أيضا: قال رسول الله (ص): «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ بِغَيْرِ مَشِيَّةِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِغَيْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّه»[٨]
  3. ما عن محمد بن عجلان: قال: قلت لأبي عبد الله (ع): «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَوَّضَ اللَّهُ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِمْ قُلْتُ فَأَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ عَبْداً عَلَى فِعْلٍ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ»[٩]
  4. ما عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (ع): قال: سألته، فقلت له: «اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ اللَّهُ أَعَز مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ: فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْدَلُ وَ أَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَِ»‏ .[١٠][١١]

المراجع والمصادر

  1.   عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام
  2.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. الصدوق، التوحيد، ص ٣٦٢
  2. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص١٨٤
  3. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٤٤-٣٤٥.
  4. سورة البقرة، الآية ٧٩.
  5. سورة الأنفال، الآية ٥٣.
  6. سورة النساء، الآية ١٢٣.
  7. الصدوق، التوحيد، ص ٣٥٩
  8. ‏الصدوق، التوحيد، ص ٣٥٩
  9. ‏‏‏الصدوق، التوحيد، ص ٣٦١
  10. ‏ الصدوق، التوحيد، ص ٣٦٢ ٣٦٣
  11. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص١٨٥