نظرية الاختيار في علم الكلام

من إمامةبيديا

أفعال العباد عند مذهب أهل البيت (ع)

رأي مذهب أهل البيت(ع) حول خلق أفعال العباد

  1. سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(ع) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال(ع): « أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَفْعَالِ اَلْعِبَادِ أَ مَخْلُوقَةٌ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ خَالِقاً لَهَا لَمَا تَبَرَّأَ مِنْهَا وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[١] وَ لَمْ يُرِدِ اَلْبَرَاءَةَ مِنْ خَلْقِ ذَوَاتِهِمْ، وَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْ شِرْكِهِمْ وَ قَبَائِحِهِمْ»[٢].
  2. إنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله بالقدرة التي منحها الله تعالى له، «والضرورة قاضية بإسناد الأفعال إلينا»[٣].
  3. قال الشيخ الحرّ العاملي: «مذهب الإمامية والمعتزلة أنّ أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها»[٤].

تنبيه مهم:

إنّ «الخلق» ينقسم إلى قسمين:

  1. إيجاد «شيء» من «لا شيء». وهذا القسم من الخلق مختص بالله تعالى فقط، ولا يقدر عليه إلاّ الله عزّ وجلّ. من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق: قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[٥]، والخلق هنا بمعنى إيجاد «شيء» من «لا شيء»[٦].
  2. الخلق بمعنى التقدير والتصوير والصنع، من قبيل القيام بتركيب مجموعة أشياء للوصول إلى شيء جديد له من الخصائص ما تفترق عن خصائص أجزائه، أو من قبيل وقوع الأحداث التي تتم عن طريق تحريك جزء من مكان إلى مكان آخر. وهذا القسم من «الخلق» يدخل في مقدور الإنسان.

من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق: قوله تعالى حكاية عن عيسى(ع): ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ[٧].

أي: أنّي أقدّر لكم وأصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير[٨]، وليس المراد من «الخلق» هنا «إيجاد شيء من لا شيء».

النتيجة: إنّ خلق الإنسان لأفعاله يكون من قبيل القسم الثاني للخلق، وهو عبارة عن القيام بتركيب مجموعة أشياء أو تحريكها للوصول إلى شيء جديد، ولا يكون خلق الإنسان من قبيل القسم الأوّل للخلق وهو خلق «شيء» من «لا شيء»، لأنّ هذا الخلق من مختصات الله تعالى فحسب.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «فِي اَلرُّبُوبِيَّةِ اَلْعُظْمَى وَ اَلْإِلَهِيَّةِ اَلْكُبْرَى لاَ يُكَوِّنُ اَلشَّيْءَ لاَ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ اَللَّهُ وَ لاَ يَنْقُلُ اَلشَّيْءَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ إِلَى جَوْهَرٍ آخَرَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ لاَ يَنْقُلُ اَلشَّيْءَ مِنَ اَلْوُجُودِ إِلَى اَلْعَدَمِ إِلاَّ اَللَّهُ»[٩].[١٠]

أقوال أئمة أهل البيت(ع) حول أفعال العباد

  1. الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): « لاَ جَبْرَ وَ لاَ تَفْوِيضَ، بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ »[١١].
  2. الإمام علي بن موسى الرضا(ع): «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُطَعْ بِإِكْرَاهٍ، وَ لَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ، وَ لَمْ يُهْمِلِ اَلْعِبَادَ فِي مُلْكِهِ، هُوَ اَلْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ، وَ اَلْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ...»[١٢].
  3. الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله»[١٣].
  4. الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع)، قال لأبي حنيفة عندما سأله عن مصدر المعصية: «... لا تخلو من ثلاث:»
    1. «إمّا أن تكون من الله وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.»
    2. «وإمّا أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه.»
    3. «وإما أن تكون من العبد، وليس من الله شيء، فإن شاء عفى، وإن شاء عاقب»[١٤].
  5. الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ اَلْعَبْدُ يَفْعَلُهُ وَ اَللَّهُ بِهِ أَمَرَهُ وَ اَلْعَمَلُ اَلشَّرُّ اَلْعَبْدُ يَفْعَلُهُ وَ اَللَّهُ عَنْهُ نَهَاهُ قَالَ أَ لَيْسَ فَعَلَهُ بِالْآلَةِ اَلَّتِي رَكِبَهَا فِيهِ - قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ بِالْآلَةِ اَلَّتِي عَمِلَ بِهَا اَلْخَيْرَ قَدَرَ بِهَا عَلَى اَلشَّرِّ اَلَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ »[١٥].[١٦]

رأي مذهب أهل البيت(ع) حول قدرة العبد

  1. إنّ الله تعالى هو الذي منح الإنسان القدرة والاستطاعة بحيث تكون مالكية الإنسان لهذه القدرة والاستطاعة في طول مالكيته تعالى، أي: لا يكون الباري عزّ وجلّ منعزلا عن هذه القدرة والاستطاعة، بل يكون هو المالك لما ملّك الإنسان، وهو القادر على ما أقدره.
  2. إنّ قوّة الإنسان قوّة مؤثّرة، ولكنها ليست مستقلة، بل هي قوّة تفتقر في ذاتها إلى الله تعالى.[١٧]

أقوال أئمّة أهل البيت(ع) حول قدرة العبد

  1. قال الإمام علي(ع) لأحد الأشخاص حول الاستطاعة التي يملكها الإنسان: « إِنَّكَ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ اَلَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ مَلَّكَكَ إِيَّاهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلاَئِهِ فَهُوَ اَلْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ اَلْقَادِرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ »[١٨].
  2. قال الإمام علي(ع) « وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اَللَّهِ شَيْئاً وَ لاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا وَ مَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا »[١٩].
  3. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «مَا كَلَّفَ اَللَّهُ اَلْعِبَادَ كُلْفَةَ فِعْلٍ وَ لاَ نَهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى جَعَلَ لَهُمُ اَلاِسْتِطَاعَةَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَلاَ يَكُونُ اَلْعَبْدُ آخِذاً وَ لاَ تَارِكاً إِلاَّ بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَبْلَ اَلْأَمْرِ وَ اَلنَّهْيِ وَ قَبْلَ اَلْأَخْذِ وَ اَلتَّرْكِ وَ قَبْلَ اَلْقَبْضِ وَ اَلْبَسْطِ»[٢٠].
  4. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «لاَ يَكُونُ اَلْعَبْدُ فَاعِلاً، وَ لاَ مُتَحَرِّكاً، إِلاَّ وَ مَعَهُ اَلاِسْتِطَاعَةُ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ إِنَّمَا وَقَعَ اَلتَّكْلِيفُ مِنَ اَللَّهِ بَعْدَ اَلاِسْتِطَاعَةِ، فَلاَ يَكُونُ مُكَلَّفاً لِلْفِعْلِ إِلاَّ مُسْتَطِيعاً»[٢١].
  5. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ اَلْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ، وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ، فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ اَلسَّبِيلَ إِلَى اَلْأَخْذِ بِهِ، وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ اَلسَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهِ، وَ لاَ يَكُونُوا آخِذِينَ وَ لاَ تَارِكِينَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ تَعَالَى»[٢٢].
  6. قال الإمام علي بن محمّد الهادي(ع): « إِنَّ اَللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ جَازَى اَلْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ بِالاِسْتِطَاعَةِ اَلَّتِي مَلَّكَهُمْ إِيَّاهَا فَأَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ ...»[٢٣].[٢٤]

خصائص قدرة الإنسان

  1. إنّ الله تعالى منح الإنسان قدرة محدودة، لكي يستخدم هذه القدرة في ما طلب الله تعالى منه.
  2. إنّ لكلّ إنسان دائرة محدودة من القدرة، وهذه المحدودية هي السبب في نيله الحدّ المحدود من أهدافه ومبتغياته، وهي العامل في عدم وصوله إلى تحقّق جميع آماله.
  3. إنّ الإنسان مكلّف بالجدّ والاجتهاد واستخدام قدرته في سبيل الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وقد حثّه الباري عزّ وجلّ على استعمال قدرته المحدودة في أوسع نطاقها وفي أبعد مداها، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى[٢٥]
  4. إذا تمكّن الإنسان بقدرته أن يصل إلى أهدافه السامية فبهاونعمت، وإن لم يتمكّن من ذلك بعد استعمال كلّ الوسائل وبذل كلّ ما في وسعه، فعليه أن يعلم بأنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها.
  5. شاءت الإرادة الإلهية أن يكون التقاعس والتواكل والكسل والخمول وعدم استعمال القوة سبباً للعجز والتسافل، وأن يكون الإقدام والسعي والمحاولة واستعمال القوة في نطاقها الصحيح سبباً إلى الإنتاج المثمر.[٢٦]

رأي مذهب أهل البيت(ع) حول نسبة أفعال العبد إلى الله تعالى

إنّ فعل الخير الذي يفعله الإنسان يُنسب إلى الله تعالى، لأنّه منح الإنسان القدرة وأمره به، وأمّا فعل الشرّ فإنّه لا ينسب إلى الله تعالى، لأنّه عزّ وجلّ نهى عنه وأمر بتركه.

قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع): « قَالَ اَللَّهُ يَا اِبْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ اَلْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ اَلَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ »[٢٧].

توضيح ذلك:

السبب في أولوية نسبة سيئات الإنسان إلى نفسه: إنّ الله تعالى وهب للإنسان القدرة، ونهاه عن ارتكاب السيئات، فإذا صرف الإنسان هذه القدرة في السيئات، صار أولى بها، لأنّه صرف الشيء في ما نهاه الله تعالى عنه.[٢٨]

الأمر بين الأمرين

  1. قال الإمام علي بن أبي طالب(ع) في جواب مَن سأله عن القدر: «... إِنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لاَ جَبْرَ وَ لاَ تَفْوِيضَ »[٢٩].
  2. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): « لاَ جَبْرَ وَ لاَ تَفْوِيضَ، بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ »[٣٠].
  3. سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ فقال(ع): « نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ»[٣١].[٣٢]

خصائص مقولة "الأمر بين الأمرين«

  1. بلغت الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(ع) في ذم الاتّجاهين الجبري والتفويضي وإثبات الأمر بين الأمرين حدّ التواتر[٣٣].
  2. إنّ مقولة الأمر بين الأمرين مقولة مستقلة وليست تلفيقاً بين نظريتي الجبر والتفويض، ولا يعني الأمر بين الأمرين أنّ الإنسان مجبور في جانب من جوانب أفعاله، ومفوّض إليه الأمر في جانب آخر، لأنّ الجبر في الأفعال التكليفيّة باطل بجميع مراتبه، والتفويض أيضاً باطل بأيّ نحو كان.
  3. تُقدِّم مقولة »الأمر بين الأمرين« صياغة تجمع بين »العدل الإلهي« و»السلطة الربانية«، لأنّ هذه المقولة: تمنع ـ من جهة ـ نسبة الظلم والقبح إلى الله تعالى. وتحفظ ـ من جهة أُخرى ـ سلطنة الله في دائرة ملكه.
  4. إنّ هذه المقولة تجمع بين نسبة الفعل إلى الله تعالى ونسبته إلى الإنسان، وتحافظ في نفس الوقت على الاختيار الإنساني في إطار يوجِد التوازن بين أصل »العدل الإلهي« وبين أصل »السلطنة الإلهية« من دون أي تفريط لإحدى الجهات على حساب الأخرى.[٣٤]

أهم معاني الأمر بين الأمرين

المعنى الأوّل

إنّ أفعال الإنسان تنسب إليه حقيقة، لأنّه السبب لها، وهي تحت قدرته واختياره، ولكنها من جهة أُخرى داخلة في سلطان الله تعالى، لأنّ الله تعالى له الهيمنة على قدرة الإنسان، وهو المالك لما ملّكه، والقادر على ما أقدره.

مثال:

  1. إذا أصيبت يد إنسان بالشلل، فلم يقدر على تحريكها بنفسه، فبعث الطبيب عن طريق جهاز كهربائي الحركة في يد هذا الشخص، بحيث أصبح هذا الشخص عند اتّصال يده بذلك الجهاز قادراً على تحريكها بنفسه:

فإنّ حركة يد هذا الشخص ستكون ـ في هذه الحالة ـ أمراً بين أمرين. فهي لا تستند إلى صاحبها بنفسه كلّ الاستناد، لأنّ قدرته بحاجة إلى الاتّصال بالجهاز. وهي لا تستند إلى الجهاز وحده، لأنّ الحركة إنّما تكون باختيار هذا الشخص وإرادته[٣٥].

  1. إذا ملّك المولى عبده مالا ليتصرّف به: فإذا قلنا: إنّ هذا التمليك لا يوجب أي مالكية للعبد، والمولى باق على مالكيته كما كان، فإنّ ذلك هو القول بالجبر. وإذا قلنا: إنّ هذا التمليك يبطل ملك المولى، كان قولا بالتفويض. وإذا قلنا: إنّ العبد يكون مالكاً، ولكن المولى ـ في نفس الوقت ـ مالك لجميع ما يملكه العبد، كان ذلك قولا بالأمر بين الأمرين[٣٦].[٣٧]

المعنى الثاني

إنّ المقصود من نفي الجبر والتفويض هو نفيهما في التكليف. ونفي الجبر في التكليف يعني أنّ الله تعالى لم يجبر أحداً على الالتزام بالتكاليف. ونفي التفويض في التكليف يعني أنّه تعالى لم يفوّض أمر التكليف للعباد، ليستلزم ذلك نفي التكليف، بل جعله أمراً بين أمرين، وهو أنّ الإنسان يمتلك الاختيار في أداء التكاليف الإلهية[٣٨].

قال الشيخ المفيد: »إنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك... فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض«[٣٩].[٤٠]

المعنى الثالث

إنّ لهداية الله تعالى وتوفيقاته مدخلا في أفعال العباد وطاعاتهم من غير أن تصل إلى حدّ الإلجاء والاضطرار وسلب القوة.

كما أنّ لخذلانه تعالى لهم وإيكالهم إلى أنفسهم مدخلا في فعل المعاصي وترك الطاعات من غير أن تصل إلى حدّ الإلجاء والاضطرار، ومن دون صحة نسبة تلك الأفعال إلى الله تعالى[٤١].[٤٢]

المعنى الرابع

إنّ المقصود من الأمر بين الأمرين هو تدخّل الله تعالى في أفعال العباد بإيجاد بعض مقدماتها، كما هو واقع في أكثر المقدمات الخارجية التي منها تهيئة الأسباب ورفع الموانع، فحينئذ لا يكون العبد مجبوراً على الفعل ولا مفوّضاً إليه بمقدماته[٤٣].[٤٤]

أقوال أئمة أهل البيت(ع) حول معنى الأمر بين الأمرين

  1. قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع) حول معنى »أمر بين أمرين«: « وُجُودُ اَلسَّبِيلِ إِلَى إِتْيَانِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَ تَرْكِ مَا نُهُوا عَنْهُ »[٤٥].
  2. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع) حول الأمر بين الأمرين: «مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ اَلْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ اَلَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ »[٤٦].
  3. سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «أَأَجْبَرَ اَللَّهُ اَلْعِبَادَ عَلَى اَلْمَعَاصِي؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ اَلْأَمْرَ قَالَ قَالَ: لاَ قَالَ: قُلْتُ فَمَا ذَا قَالَ لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ »[٤٧].
  4. قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع) حول معنى الأمر بين الأمرين: « إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لاَ يُطَاعُ بِإِكْرَاهٍ وَ لاَ يُعْصَى بِغَلَبَةٍ وَ لاَ يُهْمِلُ اَلْعِبَادَ مِنَ اَلْمَلَكَةِ وَ لَكِنَّهُ اَلْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ اَلْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ فَإِنِ اِئْتَمَرُوا بِالطَّاعَةِ لَنْ يَكُونَ عَنْهَا صَادّاً مُثَبِّطاً وَ إِنِ اِئْتَمَرُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا اِئْتَمَرُوا بِهِ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ حَمَلَهُمْ عَلَيْهَا»[٤٨].
  5. قال الإمام علي بن أبي طالب(ع): « لاَ تَقُولُوا وَكَلَهُمُ اَللَّهُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَتُوهِنُوهُ وَ لاَ تَقُولُوا أَجْبَرَهُمْ عَلَى اَلْمَعَاصِي فَتَظْلِمُوهُ وَ لَكِنْ قُولُوا اَلْخَيْرُ بِتَوْفِيقِ اَللَّهِ وَ اَلشَّرُّ بِخِذْلاَنِ اَللَّهِ وَ كُلٌّ سَابِقٌ فِي عِلْمِ اَللَّهِ »[٤٩].
  6. قال الإمام علي بن محمّد الهادي(ع) حول معنى الأمر بين الأمرين: « هُوَ اَلاِمْتِحَانُ وَ اَلاِخْتِبَارُ بِالاِسْتِطَاعَةِ اَلَّتِي مَلَّكَنَا اَللَّهُ وَ تَعَبَّدَنَا بِهَا ...»[٥٠].[٥١]

المراجع والمصادر

  1. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)

الهوامش

  1. سورة التوبة، الآية 3.
  2. تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: ج5، فصل في أفعال العباد، ص44. الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج1، أبواب أصول الدين، باب 47، ح7 [ 266 ]، ص258 ـ 259. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 1، ذيل ح29، ص20.
  3. تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، نفي الجبر، ص199.
  4. الفصول المهمة، الحرّ العاملي: ج1، أبواب أصول الدين، باب 47، ذيل ح4 [ 263 ]، ص257.
  5. سورة الأعراف، الآية 54.
  6. انظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: ج4، تفسير آية 54 من سورة الأعراف، وقد عبّر الشيخ الطوسي عن معنى إيجاد شيء من لا شيء بكلمة «الاختراع».
  7. سورة آل عمران، الآية 49.
  8. انظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: ج2، تفسير آية 49 من سورة آل عمران.
  9. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج4، كتاب التوحيد، باب5، ح2، ص148.
  10. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص235-237.
  11. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج4، كتاب التوحيد، ب3، شرح ح2، ص197.
  12. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح22، ص16.
  13. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح109، ص59.
  14. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح33 ص27.
  15. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح29، ص19.
  16. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص237-238.
  17. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص238.
  18. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح30، ص24.
  19. نهج البلاغة، الشريف الرضي: باب المختار من حكم أمير المؤمنين(ع)، الحكمة رقم 404، ص742.
  20. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح57، ص38.
  21. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح46، ص35.
  22. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح55، ص37.
  23. تحف العقول، أبو محمّدالحسن بن علي الحرّاني: ما روي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد(ع)، رسالته ؤفي الرد على أهل الجبر والتفويض، ص341.
  24. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص238-239.
  25. سورة النجم، الآية 39.
  26. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص239-240.
  27. الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح3، ص157.
  28. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص240.
  29. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح103، ص57.
  30. الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح13، ص160.
  31. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 59، باب نفي الجبر والتفويض، ح3، ص350.
  32. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص241.
  33. انظر: محاضرات في أصول الفقه، السيّد الخوئي: 2 / 77، نقلا عن: التوحيد، دروس السيّد كمال الحيدري، بقلم جواد علي كسّار: 2 / 87.
  34. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص241-242.
  35. انظر: محاضرات في أصول الفقه، السيّد الخوئي، بقلم: محمّد إسحاق الفياض: 2/87 ـ 89. نقلا عن: التوحيد، دروس السيّد كمال الحيدري، بقلم: جواد علي كسّار: 2/111 ـ 112.
  36. انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج1، تفسير سورة البقرة آية 26 ـ 27، ص100.
  37. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (كتاب)|العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص242-243.
  38. انظر: هداية الأمة إلى معارف الأئمة، محمّد جواد الخراساني: المقصد الرابع: في أفعاله تعالى شأنه، فصل: تفسير الأمر بين الأمرين بما ورد عنهم(ع)، ص654 ـ 658.
  39. تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: فصل: في الفرق بين الجبر والاختيار، ص47.
  40. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص243.
  41. انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب2، ذيل ح1، ص83.
  42. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص243-244.
  43. انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج1، إنّا فاعلون، مناقشة المظفر، ص440 ـ 441.
  44. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص244.
  45. بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح18، ص12.
  46. الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح13، ص160.
  47. الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح8، ص159.
  48. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 59: باب نفي الجبر والتفويض، ح7، ص351.
  49. الاحتجاج، الطبرسي: ج1، احتجاجه(ع) في القضاء والقدر، ص493.
  50. تحف العقول، الحسن بن علي الحرّاني: ما روى عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد(ع)، رسالته في الرد على أهل الجبر والتفويض، ص345.
  51. علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص244-245.