الأمير في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

الأمير: مَنْ يَتَولَّى الإمارة، أو من وُلِدَ في بيت الإمارة، وجمعه: أُمراء. ويطلق على المُشاوِر، وعليه الحديث: «أميري في الملائكة جبريل» أي مشاوري.

وأميرالمؤمنين: لقب لـ علي بن أبي طالب(ع) خاصّة؛ لا يشركه فيه أحد حتّى باقي الأئمّة المعصومين(ع) فضلاً عن غيرهم من مغتصبي الخلافة الظاهرية.

وقال عبد الله بن همام السلولي: ولو جاؤوا برملة أو بهندٍ لبايعنا أميرة مؤمنينا.

وقيل: الأمير: الآمِر، ومن تولّى أمر قوم وإن لم يكن من أصل شريف، ويُطلق على من كان من أصل شريف وإن لم يكن صاحب أمر، ويطلق أمير المرأة على من وَلي أمرها من زوج، أو أخ، أو أبٍ.

قال(ع) في مواساته للرعيّة: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ في مَكَارِهِ الدَّهْرِ؟!»[١].

وقال(ع) في آخر وصية له: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَاأُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ»[٢]. أي تقتلونهم انتقاماً لقتلهم إيّاي.

ومن حكمه(ع) الخالدة: «وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ!!»[٣].

بين «أمِيرٍ» و«أسِيرٍ» جناس غير تامّ؛ لينبّه العاقل على أن يجعل العقل هو الأمير، ويجعل الهوى هو الأسير، وأمره بيد العقل وتحت سلطانه. وقال(ع) في ضرورة وجود حاكم للناس: «وَإِنَّهُ لَابُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ في إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فيهَا الْكَافِرُ»[٤].

وهذا من مقتضى طبيعة الإنسان، لا من طريق الدين والشرع؛ فإنّ الدين لا يرضى إلّابرّاً، فالبرّ يدير الشؤون حسب موازين الإسلام والتقوى، والفاجر يدير الشؤون حسب آرائه وآراء الناس؛ فيتمتّع في إمرته الكافر؛ إذ تباح له الحرمات، ولا يمنعه عن ممارستها مانع.

ومن حثّه(ع) على التقوى: «فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَدَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ، وَلَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ، وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ»[٥].

أي اجعلوا الطاعة لله هي الآمرة لكم، والموجّهة في اُموركم، فأينما تكن طاعة الله تعالى تكن هي الحاكمة والآمرة كما يحكم الأمير في رعيّته[٦].

إنّ عبارات النصّ محكمة النسج، مترابطة الأفكار في ترتيبها وتسلسلها، وقد أراد الإمام(ع) من خلالها ملازمة الطاعة المحصّلة للتقوى، والمبالغة في المواظبة عليها، فأكّد على الالتصاق بها، وجعلها أقرب شيء إلينا؛ متغلغلةً في قلوبنا، ثمّ ترقّى بنا إلى جعلها ممتزجة بنفوسنا، متداخلة بين جوانحنا، لتهيمن علينا، وتسيّرنا وفق إرادتها.

وقال(ع) يذمّ أصحابه من أهل الكوفة: «أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الُْمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ»[٧].

أي أنّهم حضور بأجسادهم، مجتمعون متفقون، ولكنّ أهواءهم وميولهم مختلفة؛ لا يجمعها هدف، ولا تلتقي عند رضا الله تعالى، ولا تفكّر في مستقبلها ومصيرها، حتّى امتحن بهم اُمراؤهم، فما كانوا يعرفون ماذا يصنعون بهم، ولذا دلّت الآثار على كثرة تقلّباتهم وتناقضاتهم عبر التاريخ الذي قلّ نظيره في العالم.

وقال(ع) في فصاحة وبلاغة أهل البيت(ع): «وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُه»[٨]. أي نتصرّف فيه حسبما نريد.

ومن كلام له(ع) لمّا اُريد على البيعة بعد قتل عثمان: «وَإنْ تَرَكْتُمُوني فَأَنَا كَأَحَدِكُم، وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أمِيراً»[٩]. أي وزارتي خير لكم من إمارتي.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الكتاب ٤٥.
  2. نهج البلاغة، الكتاب ٤٧.
  3. نهج البلاغة، قصار الحكم ٢١١.
  4. نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
  6. ينظر شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٤٠٥؛ الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، والدثار: مافوقه.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ٩٧.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٣.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ٩٢.
  10. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٦٧-٢٦٩.