الأجل
التعريف
المعنى اللغوي
توفّرت كتب اللغة على ذكر معنيين للأجل:
- «غاية الوقت»،
- «مدّة الشيء».
فقد ذكر الخليل في كتاب العين المعنى التالي للأجل: الأَجَلُ: غايَةُ الوَقتِ فِي المَوتِ، ومَحَلُّ الدَّيْنِ ونَحوُهُ.[١]
أمّا الفيروز آبادي، فقد ذكر في القاموس: الأَجَلُ ـ مُحَرَّكَةً ـ: غايَةُ الوَقتِ فِي المَوتِ، وحُلولُ الدَّيْنِ، ومُدَّةُ الشَّيءِ.[٢]
من جهته ذكر ابن منظور المعنى ذاته في لسان العرب[٣]. كما ذكر الجوهري في الصحاح أنّ معنى الأجل، هو «مدّة الشيء» [٤].
وذهب أبو هلال في الفروق اللغوية إلى التمييز بين الأجل والمدّة، على النحو التالي: الفَرقُ بَينَ المُدَّةِ وَالأَجَلِ: إنَّ الأَجَلَ الوَقتُ المَضروبُ لِانقِضاءِ الشَّيءِ، ولا يَكونُ أجَلاً بجَعلِ جاعِلٍ... ويَجوزُ أن تَكونَ المُدَّةُ بَينَ الشَّيئَينِ بِجَعلِ جاعِلٍ وبِغَيرِ جَعلِ جاعِلٍ، وكُلُّ أجَلٍ مُدَّةٌ ولَيسَ كُلُّ مُدَّةٍ أجَلاً.[٥]
أمّا الراغب فقد تناول المصطلح انطلاقا من استعمالاته القرآنية، فراح يكتب: الأَجَلُ: المُدَّةُ المَضروبَةُ لِلشَّيءِ، قالَ تَعالى: ﴿لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾[٦]، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾[٧]، ويُقال: دَيْنُهُ مُؤَجَّلٌ وقَد أجَّلتُهُ جَعَلتُ لَهُ أجَلاً، ويُقالُ لِلمُدَّةِ المَضروبَةِ لِحَياةِ الإِنسانِ أجَلٌ، فَيُقالُ: دَنا أجَلُهُ عِبارَةٌ عَن دُنُوِّ المَوتِ، وأَصلُهُ استيفاءُ الأَجَلِ، أي: مُدَّةُ الحَياةِ.[٨]
ثَمَّ نقطة حَريّة بالانتباه في المعنى اللغوي للأجل، تبرز من خلال السؤال التالي: أيّ المعنيَين المذكورَين للأجل هو الأصل، لكي يكون استعماله في المعنى الآخر بحاجة إلى قرينة ؟
تبلورت في سياق الجواب على هذا السؤال، وجهتا نظر متضادّتان.[٩]
بَيد أنّ ما يمكن الركون إليه من خلال تتبع موارد استعمال اللفظ أنّ المعنيين كلاهما ليسا أصلاً كما ذكرت ذلك كتب اللغة، ومن ثَمّ فإنّ استعمال اللفظ في أيّ منهما هو بحاجة إلى قرينة.[١٠]
الأجل في القرآن والحديث
لم يكن هدفنا من هذا القسم استقصاء المجالات الاستعمالية لمصطلح الأجل في القرآن والحديث. من الثابت أنّ النصوص الإسلامية استخدمت هذه الكلمة بمعناها اللغوي، بيد أنّ القرآن غالبا ما استعملها للدلالة على بلوغ الوقت والمدّة المضروبة، كما أنّ استعمالها في الحياة والموت[١١] للدلالة على مدّة العمر وحلول الأجل[١٢] هو أمر شائع في الروايات الإسلامية.
ما تبتغيه نصوص هذا القسم هو تبيين الأجل، بمعنى خضوع نظام التكوين إلى مدّة مضروبة وإلى كتاب محدّد من منظور القرآن والحديث. فما يسترعي الانتباه في هذين المصدرين الأساسيين للمعرفة، هو دلالتهما على الأمرين التاليين بهذا الشأن:
الأجل في نظام التكوين
من منظور القرآن والحديث ما من شيء في نظام الخليقة والتكوين إلّا وله أجل محدّد ومدّة مضروبة، وبتعبير الإمام عليّ (ع): «إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ مُدَّةً وأجَلاً» [١٣]
الأجل ظاهرة تحوي كلّ شيء وتمتدّ لتشمل: السماوات والأرض وما بينهما، والناس جميعا، والاُمم والمجتمعات الإنسانية، وحتّى الملائكة[١٤]. الشيء الوحيد الذي يشذّ عن هذه الظاهرة وتعجز عن احتوائه هو خالق الوجود الذي لا أجل له، وبنصّ أمير المؤمنين (ع): «هُوَ الأَوَّلُ ولَم يَزَل، والباقي بِلا أجَلٍ»[١٥] وكذا قوله (ع): «الَّذي لَيسَ لَهُ وَقتٌ مَعدودٌ، ولا أجَلٌ مَمدودٌ»[١٦]
تصنيف الآجال
وردت الإشارة في الآية الثانية من سورة الأنعام إلى نوعين من الأجل: الأجل المطلق، والأجل المسمّى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾[١٧]
و«الأجل» لغةً يعني «حلول الوقت» و«المدّة الزمنية للشيء»، ولكن يبدو أنّ المراد منه في هذه الآية نهاية عمر الإنسان، ويتّضح بقرينة التقابل بين الأجل المطلق والأجل المُسمّى أنّ المقصود من الأجل في التعبير الأوّل يغاير ما ورد في التعبير الثاني.
بعبارة أوضح، فإنّ الأجل على نوعين: الأجل المبهم، والأجل المعيّن لدى الله تعالى، فالأجل المعيّن هو الأجل المحتوم الّذي لا يقبل التغيير، ولذلك قيّده القرآن بقوله: «عنده»، ومن البديهي أنّ الشيء الّذي هو عند الله، لا يقبل التغيير، كما يقول: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾[١٨] على هذا الأساس ندرك بوضوح من الآية موضوع البحث أنّ الأجل المُطلق الّذي سُمّي في الروايات بالأجل الموقوف، قابل للتغيير والزيادة والنقصان، والأجل المُسمّى غير قابل للتغيير.
إنّ الروايات الّتي لاحظناها تؤيّد هذا الاستنباط من الآية، ولكنّ هناك رواية رويت عن الإمام الصادق (ع) وردت في تفسير القمّي تخالف ظاهر الآية وكذلك تفسير الروايات السابقة لها، وهذا هو نصّها: «الأَجَلُ المَقضيُ هوَ المَحتومُ الَّذي قَضاهُ اللهُ وَحَتَمَهُ، وَالمُسَمّى هُوَ الَّذي فيهِ البَداءُ، يُقَدِّمُ ما يَشاءُ وَيؤَخِّرُ ما يَشاءُ، وَالمَحتومُ لَيسَ فيهِ تَقديمٌ وَلا تأخيرٌ»[١٩]
ويبدو ـ استنادا إلى ما ذُكر ـ أنّ ظاهر هذه الرواية لا يمكن قبوله. [٢٠]
آجال الاُمم
من النقاط الاُخرى التي عرض لها القرآن الكريم في تناوله للموضوع، أنّ قانون الأجل والحياة والموت لا يختصّ بأفراد النوع الإنساني، بل يمتدّ وهو يستوعب الأقوام والمجتمعات والاُمم ويضمّها جميعا في مداه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[٢١]
للمجتمع الإنساني ضربان من الأجل كالإنسان تماما، أحدهما الأجل الموقوف، والآخر الأجل المحتوم، فإذا ما انحرف المجتمع وتنكّب عن الصراط السويّ فستجرّه تبعات انحرافه للسقوط في هوّة الأجل الموقوف، أمّا إذا ما استقام والتزم الحركة بالاتّجاه الصحيح فستدوم حياته حتّى استيفائه لأجله المحتوم.
حراسة الأجل للإنسان
ركّزت أحاديث الفصل الثالث على أنّ الأجل هو حصن حصين يحرس الإنسان ويحمل أعباء وقايته، وأنّ هذا الحصن يكفي وحده لحماية الإنسان ويوفّر لروحه جُنّة واقية.
وفي هذا الصّدد هناك مسألتانِ جديرتانِ بالبحث.
- أيّ الأجلَين هو الذي ينهض بحراسة الإنسان ووقايته؟
- إذا آمنّا بأنّ الأجل ينهض بحراسة الإنسان، وهو بمنزلة جُنّة حصينة له، فما الحاجة إذا إلى الوقاية من الأمراض الخطيرة، وما معنى الحذر من الأعداء والاحتراس من كيدهم، على ما مضت عليه سيرة الإمام عليّ (ع) الذي لم يكن يسمح للآخرين باتخاذ إجراءات لحمايته ؟
بشأن المسألة الاُولى: يُلاحظ أنّ كلا الأجلين الموقوف والمحتوم بمقدورهما أن يكونا حارسا للإنسان وجُنّة له، ففي الأجل المحتوم ما لم يبلغ الإنسان أقصى هذا الأجل وغايته ومنتهاه فستكون الفرصة متاحة أمامه لإدامة الحياة، أمّا في حال الأجل المعلّق والموقوف فما لم يتحقّق المعلّق عليه، فإنّ أجل الإنسان لن يبلغ مداه ونهايته.
وبالنسبة إلى المسألة الثانية: فلا ريب في أنّ مواجهة الأمراض ومكافحتها والحذر من الأعداء والاحتراس منهم، إجراءات ضرورية للوقاية من الأجل المعلّق، وبشأن ما جاء في سيرة الإمام أمير المؤمنين (ع) ورفضه للحراسة الشخصية وإجراءات الحفاظ عليه؛ فلعلّ الباعث إلى ذلك علمه (ع) بأجله المحتوم[٢٢]، وهذا ممّا لا يمكن تعميمه على بقية الناس الذين تلزمهم الوقاية والاحتراس.
حكمة ستر الآجال
النقطة الأخيرة التي توفّر عليها البحث، أنّ بقاء أجل الإنسان مستورا عنه لَمِن دلائل حكمة الله ومن علائم تدبير خالق الوجود ـ جلّ جلاله ـ.
إنّ الحقيقة الّتي لا مراء فيها أنّ ستر الأجل وتعميته عن الإنسان يأتي حقّا في عداد النِعَم الإلهية الكبرى. على أنّ التأمّل في هذه الحقيقة يفضي إلى نتيجة تُفيد بأنّ العلم ليس بنعمة بالضرورة في كلّ موضع، بل ربّما كان الجهل نعمة أحيانا[٢٣]. فلو انكشف للإنسان أجله وعرف أنّ عمره قصير لهيمن عليه الاضطراب وتسوّر عليه القلق ومضى في معيشة ضنكٍ، ولو عرف أنّ عمره طويل؛ لتسلّطت عليه الغفلة وغطس في غياهبها، ومن ثَمّ صار علمه هذا وبالاً عليه يمنعه من تبصّر المستقبل والتدبّر لمآله فيه.[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ العين: ص ٣٨ «أجل».
- ↑ القاموس المحيط: ج ٣ ص ٣٢٧ «أجل».
- ↑ لسان العرب: ج ١١ ص ١١ «أجل».
- ↑ الصحاح: ج ٤ ص ١٦٢١ «أجل».
- ↑ معجم الفروق اللغويّة: ص ٢٠.
- ↑ سورة غافر، الآية ٦٧.
- ↑ سورة القصص، الآية ٢٨.
- ↑ مفردات ألفاظ القرآن: ص ٦٥ «أجل».
- ↑ راجع: الميزان في تفسير القرآن: ج ٧ ص ٩، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج ١ ص ٣٨، معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ٦٤ «أجل».
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٢٢١-٢٢٢.
- ↑ كما في النبويّ الشريف: «مَن عَدَّ غَدا مِن أجَلِهِ فَقَد أساءَ صُحبَةَ المَوتِ» (كتاب من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ١٣٩ ح ٣٨٢).
- ↑ كما في العلوي الشريف: «بادِروا العَمَلَ وخافوا بَغَتةَ الأَجَلِ» (نهج البلاغة: الخطبة ١١٤).
- ↑ نهج البلاغة: الخطبة ١٩٠، بحار الأنوار: ج ٥٢ ص ١٤٤ ح ٦٣.
- ↑ راجع: بحار الأنوار: ج ٦ ص ٣١٦ باب ٢.
- ↑ نهج البلاغة: الخطبة ١٦٣، بحار الأنوار: ج ٤ ص ٣٠٦ ح ٣٥.
- ↑ الكافي: ج ١ ص ١٣٥ ح ١ عن الإمام الصادق (ع)، نهج البلاغة: الخطبة ١، التوحيد: ص ٤٢ عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه عنه عليهم السلام، بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ١٧٦ ح ١٣٦؛ جواهر المطالب: ج ١ ص ٣٤٦ نحوه.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٦.
- ↑ راجع: تفسير القمّي: ج ١ ص ١٩٤ عن عبد الله بن مسكان عن الإمام الصادق (ع)، بحار الأنوار: ج ٤ ص ٩٩ ح ٧.
- ↑ جدير بالذكر أنّ للعلّامة المجلسي بيانا للتوفيق بين هذا الحديث والأحاديث الاُخرى، للإطلاع عليه راجع: بحار الأنوار: ج ٥ ص ١٤٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٤.
- ↑ راجع: موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنّة والتاريخ: ج ٤ ص ٢٧٠ (بحث حول تعريض الإمام (ع) نفسه للقتل).
- ↑ راجع: موسوعة العقائد الإسلامية (المعرفة): ج ١ ص ٣٨٨ (أحكام الجاهل / ما مُدِح من الجهل).
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٢٢٢-٢٢٧.