الجاهلية في نهج البلاغة

تمهيد

قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[١].[٢]

أولاً: تعريف الجاهلية

الجاهلية كمصطلح لا ترتبط فقط بتلك الفترة التي كانت قبل البعثة، ولا ترتبط بأمة معينة، بل حتى في زماننا هذا إذا لم يكن الفكر سليمًا والعقل نیرِّاً وحياة الأمم والشعوب على وفق النظام الإلهي فتلك هي الجاهلية وإن كانت جاهلية حديثة.[٣]

ثانيًا: أسباب الجاهلية

من ضمن الظروف التي تهيء لظهور الجاهلية هو ما يبتلى به البشر من فترة ينقطع فيها إرسال الرسل، وليس في ذلك اعتراض على الله تعالى فقد بعث الأنبياء والمرسلين وجعل الأولياء، ولكن ابتعاد الناس عن منهج الأنبياء في حياتهم وبعد موتهم يؤدِّي إلى ظهور الجاهلية، ولهذا يذكر في هذه الفترة فترة انقطاع الرسل أن نبيًّا من الأنبياء كان قائماً بین الناس وهو آخر الأنبياء العرب وهو خالد بن سنان، وقد جاء في «بحار الأنوار»[٤] حديث عنه في أربع روايات تتحدث عن شيء من سیرته وأن رسول الله (ص) أدرك ابنته وكان يكرمها ويشیر إلى أنها ابنة نبي ضيعه قومه، مما يدل على أن عهده قريب من عهد الرسول الأكرم (ص)، ويناقش البعض في نبوته أو حجمها، ولكن حجم النبوة لا يضر بكونه نبيًّا.[٥]

ثالثًا: مظاهر الجاهلية

مظاهر الجاهلية كثرة ونحن نستمد التعريف بها من كلام أمیر المؤمنین (ع) والذي تحدث عن ذلك كثیرًا وفي مناسبات عديدة لا يمكن الإحاطة بها جميعًا في مبحث واحد.

وقيمة حديث الإمام هنا عالية جدًّا ومهمة باعتبار أنه أدقُّ المؤرخین -إن صح التعبیر- وأصدق المتحدثن عن هذه الفترة لمعايشته لها وعلمه بالقوم، وعلمه بحقيقتها من رسول الله، ولعلمه الإلهي الذي يستطيع به أن يخبر عن هذا الكون وما يحويه من حقائق.

فمن تلك المظاهر التي ذكرها الإمام (ع):

  1. الاعتقاد، والحديث فيه شبه خاص بالعرب باعتبار أن رسول الله (ص) بُعث فيهم.
  2. الفتن الكثيرة التي كانت نارها متأجِّجة بينهم.
  3. الضياع الذي كانوا يعيشونه بتمام ما لكلمة «الضياع» من معنى.
  4. اتباعهم للشيطان في أهوائهم وميولهم وعواطفهم.
  5. ما كانوا عليه من أمِّيَّة مستقطبة.
  6. إطباق الجهل الذي كان عندهم وانعكاسه على ممارساتهم.

ومن أسباب قيمة الحديث من الإمام (ع) أنه البطل الذي واجه الجاهلية بسيفه فقتل أقطابها بین يدي الرسول، وبفكره فحارب بدعها وجهلها، وأرشد الطلاب الأعزاء إلى مراجعة فقرات خطبة الزهراء العصماء في حديثها -(ع)ا- عن هاتن النقطتین: تأريخ الجاهلية وبلاء أمیر المؤمنین (ع) في صراعه معها.

وبعد هذه الإلمامة السريعة والعرض العاجل نحاول أن نستعرض بعض كلمات أمیر المؤمنین (ع) في هذا المجال.[٦]

وصف للجاهلية في كلمات أمير المؤمنين (ع)

أولًا: الاعتقاد في الجاهلية

قال (ع) في وصفه للاعتقاد في الجاهلية[٧]: «وأهلُ الأرضِ يومئذٍ مِلَلٌ متفرقة، وأهواءٌ منتشرة، وطرائقُ متشتتة، بین مشبِّهٍ للهِ بخلقِه، أو ملحدٍ في اسمِه، أو مشیرٍ إلى غیرِه»: فهذا جانب من جوانب الاعتقاد يعرض له أمیر المؤمنین (ع) وأن أهل الجاهلية كانوا يقيسون الخالق بالخلق وهذا دليل ضآلة معرفتهم، وضعف معتقدهم ويكون انفعالهم معه بمستواه.[٨]

ثانيًا: النظرة التوحيدية في الجاهلية

وقال (ع)[٩]: «والناسُ في فتنٍ انجذمَ فيها حبلُ الدين، وتزعزعت سواري اليقین، واختلف النَّجْرُ، وتَشَتَّتَ الأَمْرُ،... ونُصرِ الشيطانُ، وخُذِلَ الإيمانُ، فانهارتْ دعائمُهُ، وتنكَّرَتْ مَعالِمهُ، ودَرَسَتْ سُبُلُه، وعَفَتْ شُرُكُه،...»: وهذا وصف آخر للنظرة التوحيدية وما يتعلق بالإلهيات في تلك الفترة العصيبة التي انقطع فيها حبل الدين المتصل «انجذم»، وتزعزعت سواري «دعائم» اليقین واختلف النجر «الأصل والمنبت» فانهارت بسبب ذلك دعائم الإيمان وعفت «انطمست وخفيت» شركه «أي طرقه».

ثم يقول (ع)[١٠]: «في فِتَنٍ داسَتْهم بأخفافِها، ووَطِئَتْهم بأظلافِها، وقامتْ على سنابِكِها، فهم فيها تائهون... في خیرِ دارٍ وشرِّ جیران، نومُهُمْ سُهُودٌ، وكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأرضٍ عالِمها مُلْجَمٌ، وجاهِلُها مُكْرَمٌ»: فيشبِّه (ع) تلكم الفتن كالإبل تدوس بأخفافها، وكالبقر تطأ بأظلافها، وكالخيل تقوم على أطراف حوافرها «سنابكها»، فهم في بلاء شديد من هذه الفتن، هذا وهم في مكة خیر دار، ولكنهم شر جیران لها وللبيت الحرام، ولقد كان عالمهم لا يستطيع التحدث بعلمه وأما جاهلهم فهم يكرمونه، وهذا تصوير دقيق لحال الجاهلية وما كانوا عليه من انعدام المقاييس والتخبط في الجهل.[١١]

ثالثًا: الوضع الاجتماعي في الجاهلية

وتحدث عن الوضع الاجتماعي، فقال (ع)[١٢]: «وأنتم معشرَ العربِ على شرِّ دينٍ وفي شرِّ دارٍ، مُنِيخُونَ بین حجارةٍ خُشْنٍ وحياتٍ صُمٍّ، تشربونَ الكَدِرَ، وتأكُلُونَ الجَشِبَ، وتسفِكُونَ دماءَكم، وتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُم، الأصنامُ فيكم منصوبة، والآثامُ بكم معصوبة»: يتحدث الإمام (ع) هنا عن مجال آخر هو حياة الجاهلية وممارساتهم في معيشتهم واقتصادهم ويخص العرب بالحديث، بينما في النص الشريف السابق كان الحديث عن أهل الأرض،

فالعرب وإن كان لهم دين فهو شر، وهم مقيمون في شر دار، وقد عبرَّ عنها هناك بأنها خیر دار باعتبار قدسية مكة وقدسية البيت الحرام، أما هنا فعبر عنها بأنها شر دار بلحاظ أهلها وما كانوا عليه، ومثال على ذلك أننا نقول إن ذلك البلد ناصبي بمعنى أن أهله نواصب، وإلاَّ فالأرض لا تكون ناصبية، وكانوا يشربون الكدر ويأكلون الجشب وهو الطعام الخشن أو الذي لا إدام فيه.

ثم يتحدث (ع) عن شتات المجتمع بسفك الدماء وقطيعة الأرحام، وأخیرًا يشیر إلى عبادتهم للأصنام ونصبها على الكعبة المشرفة بقعة التوحيد، وكذلك ممارستهم للآثام وأنها معصوبة «أي مشدودة بهم وملتصقة تمامًا».[١٣]

رابعًا: الأمّية في الجاهلية

وتحدث عن الأمِّيَّة المستقطبة آنذاك، فقال (ع)[١٤]: «إن اللهَ بعثَ محمدًا، (ص) وليس أحدٌ من العربِ يقرأ كتابًا، ولا يدَّعي نبوَّة»[١٥]: وهذه الأمية لها لوازمها ونتائجها لأن الكتابة والقراءة من الطرق المهمة للعلم والمعرفة، وإن لم تنحصر فيها، ومن المهمات التي قام بها النبي (ص) أن بادر بالقضاء على هذه الأمية في أول أيام دولته المباركة في المدينة، فكان يطلب من أسارى المشركین الذين يعرفون القراءة والكتابة أن يعلموا عشرة من صبية المسلمين ذلك، في مقابل إطلاقهم من الأسر، وهذه خطوة رائدة ومهمة في طريق محو الأمية.[١٦]

خامسًا: تحطيم الجاهلية بالسيف والفكر

كما تحدَّث الإمام (ع) عن هذه الجاهلية، وهو البطل الذي حطمها بسيفه وفكره، فقال (ع)[١٧]:

«أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ»:

يصوِّر الإمام (ع) الحروب وأنها كالنار تتلظى في تلك الفترة العصيبة، كما يصوِّر الدنيا بأنها كالشجرة في الخريف أوراقها صفراء تتساقط، وقد بلغت من العمر حدًّا يأس الناس من ثمرها، وقد غار ماؤها وانقطع.[١٨]

سادسًا: تسلط الجهل على الناس

وهكذا لا يكاد ينقطع حديثه عن هذه الفترة فمما قال(ع)[١٩]:

«بَعَثَهُ والناسُ ضُلاًّلٌ في حیرةٍ، وحاطبونَ في فتنة، قد استهوتْهمُ الأهواء، واستزَلَّتْهُمُ الكبرياء، واستخفَّتْهُمُ الجاهليةُ الجهلاء، حيارى في زلزالٍ من الأمر، وبلاءٍ من الجهل»: فالناس إذن حاطبون في فتنة أي كلهم يشارك فيها، وهم في بلاء من الجهل فهو مستحكم على الأفكار وقد ملك كل حياتهم، واصطبغت حياتهم بصبغة الجهل والتنكر لكل القيم والمعارف.[٢٠]

استحلال المحرمات في الجاهلية

وقال (ع)[٢١]:

«أضاءت به البلادُ بعد الضلالةِ المظلمة، والجهالةِ الغالبة، والجفوةِ الجافية، والناسُ يستحِلُّونَ الحريم، ويستذِلُّون الحكيم، يحيَونَ على فَترْةٍ، ويموتونَ على كفرَة»: فهم يستحلون المحرمات، ويعيش صاحب الحكمة والروية بينهم ذليلاً لأنه لا يسايرهم فيما يعملون، وهذا غاية في الضعة وانعدام المقاييس، وبالفعل كان مصداق ذلك المعاملة التي تعاملوا بها مع الرسول الأكرم (ص)؛ فقد عاملوه بكل قسوة من أذى بالقول والفعل، وأما حياتهم فقد كانت خالية من الشرائع منقطعة من الرسالات السماوية، وهم نتيجة لذلك يموتون على الكفر.[٢٢]

كلمات أخرى لأمير المؤمنين (ع) في وصف الجاهلية

نعرض فيما يلي نصین آخرين:

النص الأول[٢٣]: «أَظْهَرَ به الشرائعَ المجهولة، وقَمَعَ به البِدَعَ المدخولة، وبینَّ به الأحكامَ المفصولة، فمن يبتغِ غیرَ الإسلامِ دينًا تتحققْ شِقْوَتُه...».

النص الثاني[٢٤]: «لا يَأوونَ إلى جَناحِ دَعوَةٍ يَعتَصِمونَ بِها، ولا إلى ظِلِّ اُلفَةٍ يَعتَمِدونَ عَلى عِزِّها، فَالأَحوالُ مُضطَرِبَةٌ، وَالأَيدي مُختَلِفَةٌ، وَالكَثرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، في بَلاءِ أزلٍ وأطباقِ جَهلٍ ! مِن بَناتٍ مَوؤودَةٍ، وأصنامٍ مَعبودَةٍ، وأرحامٍ مَقطوعَةٍ، وغاراتٍ مَشنونَةٍ».

هذا بعض ما حدثنا به أمیر المؤمنین (ع) من أمر الجاهلية، ويكون تتميم هذا البحث في الدرس القادم -إن شاء الله تعالى- بذكر النجاح العظيم الذي حققه النبي (ص) في دعوته وصراعه مع الجاهلية.[٢٥]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. سورة المائدة، الآية ٥٠.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥.
  4. بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٤٤٨.
  5. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٥-٢١٦.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٦-٢١٧.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١.
  8. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٧.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  11. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٧-٢١٨.
  12. نهج البلاغة، الخطبة ٢٦.
  13. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٨-٢١٩.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ٣٣.
  15. وقد ذكر الإمام (ع) هذا المعنى أيضًا في الخطبة رقم ١٠٤.
  16. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢١٩-٢٢٠.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ٨٩.
  18. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٠.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ٩٥.
  20. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢٠-٢٢١.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
  22. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢١.
  23. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  24. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  25. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٢١-٢٢٢.