الأبرار في نهج البلاغة
تمهيد
«الأبرار»: الصادقون الصالحون الأخيار المتقون[١]، كما تطلق على الأولياء الزاهدين والعابدين، من البر: وهو صدق اليمين والدين، أو أن الأبرار: جمع بر، مثل: رب، وأرباب، وهو البار، خلاف العقوق، أو هو الكثير الخير، والمتسع في الإحسان. والمبرة مثله.
ويجوز أن يكون الأبرار جمعاً للبار، نحو: صاحب، وأصحاب، قال الراغب: «و جمع البار: أبرار، وبررة».
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾[٢]. أي في زمرة أوليائك، وعلى مثل أعمالهم.
وقال تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾[٣].
والمراد بهم الملائكة المطيعون المطهرون من الذنوب والمآثم، وخص الملائكة بالبررة؛ لأنها أبلغ من الأبرار؛ فإن البررة جمع البر، والأبرار جمع البار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل[٤].
من وصفه(ع) للحالة النفسية لآدم(ع) اتجاه إغواء إبليس له: «فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ وَ مُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ وَ الْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً»[٥].
قابل(ع) حالة الثبات والرسوخ -وهي حالة اليقين والعزيمة والفرح - بحالة الشك والتردد، وعدم الاستقرار، والوهن والوجل.
ومن حديثه(ع) عما سيكون بعد فقده: «وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ»[٦].
أي حتى يأذن الله تعالى بالفرج، فيفتح لمن بقي من الأبرار منكم بالنصر، وتنجلي الفتنة، ويرتفع غبارها وأثرها[٧]. ولا يبعد أن تكون الإشارة للمهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف -، كما ورد في قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[٨].
ومن حديثه(ع) عن عظمة الرسول الأكرم(ص) وعلو شأنه: «قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ»[٩].
أي أن قلوبهم مصروفة نحوه(ص) لاكتساب العلم والعمل منه، و«الأزمة»: جمع زمام؛ وهو ما يشد به، أو المقود، وألقى في يده زمام الأمر: جعل له الرأي فيه يقضي بما يشاء، و«انثناء الأزمة» كناية عن تحول الأبصار إليه(ص).
ومن دعائه(ع): «جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ»[١٠].
«مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ»: مكانتهم ومرتبتهم.
وقال(ع) في بيان نزاهته وصدقه وعمق إيمانه: «وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ وَ كَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ»[١١].
«كَلَامُ الْأَبْرَارِ»: الذين لا يكذبون ولا يغتابون، ولا يبهتون، ولا يستهزؤون؛ أي إني من أولئك القوم، واللومة: ما يلام عليه، ومرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام، وهذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[١٢].[١٣]
وفي بيانه(ع) لآثار ظلم الرعية للوالي أو العكس: «وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَ عُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ»[١٤].
«الْأَبْرَارُ»: المحسنون. والمقابلة بين «الحق» و«الباطل» وبين «عطل» و«فعل» وبين «العز» و«الذل» وبين «الْأَبْرَارُ» و«الْأَشْرَارُ» لبيان انتهاك الحقوق، وانتشار الفساد، فالاحتفاظ بعدالة الحياة وحياة العدل، هى التقابل بين الحق والباطل، والتبادل بينهما؛ فلا يؤخذ حق إلا بإعطاء حق، ولا يعطى حق إلا بأخذ حق، ويكون التساوي بين الحقوق والواجبات نبض الحياة الدائم، وإيقافه هو موت المجتمع، وانتشار الجور والظلم[١٥].
ومن تحذيره(ع) من بعض جواسيس معاوية: «وَ يَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ»[١٦].
إن ازدواج الجملتين المنتهيتين بفاصلتين مسجوعتين، جاء لاستخلاص الحقائق، واستحضار العبر؛ وذلك في تحقيق السجع المتوازي بين «الدِّينِ» و«الْمُتَّقِينَ» لبيان من يلتمس الحق بالباطل وفضحه، ويطلب طاعة المخلوق في معصية الخالق.
كما دلت الاستعارتان في لفظ «الدر» و«الاحتلاب» الجمال في الاختيار والقوة في الدلالة في تشبيه الدنيا بالبقرة الحلوب في قوله(ع): «يَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ» أي يجعلون التمسك بظاهر الدين، ذريعة ووسيلة لما ينالون من حطامها. كما دلت الاستعارة في «الاشتراء» على السحر البياني الذي تفتقده لو كانت لوحدها، كما أنها متعانقة مع الطباق المتوازي بين «الآجل» و«العاجل» مما أثار شعورا وإحساسا متجددا بأن بائعي الضمائر هؤلاء، يتعجلون الانتفاع بهذه الدنيا عوضا عن الآخرة.[١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مجمع البيان، ج١، ص٤٧٣؛ غريب القرآن، الطريحی، ص٢٢٦.
- ↑ سورة آل عمران: ١٩٣.
- ↑ سورة عبس: ١٦.
- ↑ بصائر ذوي التمييز، ج٢، ص٢١٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٣.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص١٢٤.
- ↑ سورة هود: ٨٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ سورة المائدة: ٥٤.
- ↑ انظر: الكشاف، ج١، ص٦٣٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦.
- ↑ ينظر: نهج البلاغة، نبراس السياسة، ص١٦٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٣؛ ينظر مادة: «آجل» في هذا المعجم (شرح مفردات نهج البلاغة) ج١، ص١١١.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٥٠.