الأكل في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

الأَكْل: الاقتيات، أو تناول الطعام، أو المضغ والابتلاع؛ أي وصول ما يحتاج من المضغ إلى المعدة، يقال: أكَلَ الطعام يأكُلُ أكْلاً ومأكلاً: اقتاته، أو مضغه، أو بَلَعَهُ، وعلى طريق التشبيه قيل: أكلت النار الحطب: التهمته، وأكلت السنين المال: أفنته، وأكل فلان لحم فلان: اغتابه، وإنّه لذو أُكْلَةٍ للناس وإكْلَةٍ وأَكْلَةٍ: أي عيبة لهم، وإنّه لذو أُكْل: ذو عقل وحصافة، وثوب ذو أُكْل: صفيق له نَفَس وقوّة، واستوفى أُكْلَهُ: بلغ غاية العمر وانقلب إلى احتضار، وانقطع أُكْلُهُ: قضى نحبه، وأكل الدهر عليه وشرب: زاد في الهرم وبلي من القدم، وأكل ماله أو حقّه: استباحه واستولى عليه أو حازه ظلماً، وأَكلَ بينهم وأَكّل: حمل بعضهم على بعض.

والاُكْل أو الأُكُل: اسم لما يؤكل، أو الشيء المأكول، أو الثمر الذي يُؤْكل ويستطاب، كالفاكهة وسواها، أو الرزق الواسع، أو الطعم والمذاق.

ومن الأمثال: «رُبّ أكلةٍ منعت أكلاتٍ» يضرب في التحذير، و«إنّي لآكل الرأس وأنا أعلم بما فيه» يضرب للأمر تأتيه وأنت تعلم ما فيه ممّا تكره، و«يعلم من أين تؤكل الكتف» أي كيف يعالج الأمر، أو يحقّق هدفه.

ورَجُلٌ أكَلَة وأكولٌ وأكيلٌ وأكّال: كثير الأكل نَهِم. والمأكل: الأكْل، أو الموضع الذي يُؤكَل منه. والأكلة: المرّة من أكَلَ، أو الطُعْمَة، أو الغيبة. قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا[١]. أي لمّا ذاقا ثمر الشجرة - وقد نُهيا عن الأكل منها - خلع عنهما ثوب الطاعة، وبدت منهما سوأة المعصية.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ[٢]. أي لا تسوُّوا بينهما في التصرّف الانتفاع؛ لأنّ هذا حلال، وذاك حرام، والمراد تحريم التصرّف فيها بسائر التصرّفات الضارّة باليتامى. وخُصّ الأكل بالذكر لأنّه معظم ما يقع لأجله التصرّف.

وقال تعالى: ﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ[٣]. إسناد الأكل إليها مجاز عن إفنائها الأشياء بالأكل.

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا[٤]. أطْلقَ المُسَبَّب وأراد السبب مجازاً؛ لكونه يُفضي إليه ويستلزمه، أو هو حقيقة؛ بأن يخلق الله لهم ناراً يأكلونها في بطونهم.

وقال تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ[٥]. أي كانا محتاجين إلى القوت وإلى القُوَى التي لابدّ منها في هضمه وإحالته إلى ما به قِوام الجسم والحياة، وفي نفض ما لابُدّ من نفضه من الموادّ، وليس شيء من ذلك في قدرتهما، وإنّما هو بقدرة الله تعالى وتدبيره، فهما كسائر البشر. وفيه كناية عن قضاء الحاجة؛ لأنّ الطعام احتاج إلى النفض، فهو منافٍ لإلهيتهم.

وقال تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ[٦]. أي ثمر؛ وهو ثمر الأراك، أو هو نبت مُرّ لا يمكن أكلُهُ.

وقال تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[٧]. أي وُسِّعَ عليهم الرِّزْقُ[٨]. فهو كناية عن ذلك.

وقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ[٩]. أي أعطت ثمرها ضعفي ثمر غيرهامن الأرض.

من حثّه(ع) على بعض مكارم الأخلاق: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَ أَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ»[١٠]. أي لا يطلب أكثر من حقّه.

ومن حثّه(ع) على الزهد في الدنيا: «وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ، وَيَبْنِي مَا لَايَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَامَالاً حَمَلَ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ»[١١].

أي لا يستثمره، ولا يستفيد منه. وبين «حَمَلَ» و«نَقَلَ» سجع يؤكّد الدلالة على ما قصده(ع) من موعظته. ومن وصفه(ع) لزهد رسول الله(ص) وتواضعه: «وَلَقَدْ كَانَ(ص) يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ»[١٢]. أي يتناول طعامه على الأرض.

وقال(ع) في علوّ شأنه وهمّته: «فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ»[١٣]. أي التنعّم بها.

ومن وصفه(ع) للمتّقي: «مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ»[١٤]. أي قليلاً أكْلُهُ. وفي نسخة: «أُكُلُهُ» فيكون المعنى: قليلاً حظّه من الدنيا، فالأوّل مصدر، والثاني اسم.

ومن حديثه عن آدم(ع): «وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ»[١٥]. أي ثمارها الدائمة، أو رزقها الواسع الدائم.

ومن وصفه(ع) للعرب أيّام الجاهلية: «وَ تَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، وَالْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ»[١٦]. أي تتناولون الطعام الرديء الغليظ الخشن، البشع الطعم.

ومن وصفه(ع) لعظمة الله تعالى: «وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ، وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ، وَآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الِّثمَارُ الْيَانِعَةُ»[١٧]. أي أعطت رزقها الواسع.

ومن جوابه(ع) لمعاوية: «وَأَمَّا قَوْلُكَ: إنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إلّاَ حُشَاشَاتِ أنْفُسٍ بَقِيَت، ألَاوَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ»[١٨].

أكلتهم الحرب: أفنتهم، كقول المُمَزَّق العَبْدِيّ: فإنْ كُنْتُ مأكولاً فكُنْ خيرَ آكِلٍ وإلّا فأدْرِكْني وَلمَّا أُمَزَّقِ الأوّل من قتل في سبيل الله، والثاني في سبيل الباطل والضلال.

ومن مواعظه(ع): «أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ»[١٩]. أي أذهبت ما فيه من لحوم السواعد. وفي «أكَلَتْ» استعارة مكنيّة.

ومن وعظه(ع) بأحوال الاُمم الماضية: «وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَ أَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى»[٢٠].

استعار لفظ «الطحن» لإفساد البلى لأجسادهم، ورشّح بلفظ «الكلكل»، وفي «أكَلَتْهُم الجَنَادِلُ» مجاز عقلي علاقته السببية، أو استعارة للفظ «الاُكل» لإفنائها.

ومن نهيه(ع) عن الحسد: «وَلَا تَحَاسَدُوا؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ»[٢١]. أي ينقصه، أو يضيعه. من تشبيه المعقول بالمحسوس.

ومن إخباره(ع) بتسلّط الحجّاج على المسلمين: «أَمَا وَاللهِ، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ؛ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ»[٢٢].

أي سيقضي على ما هم فيه من القوّة والاُبهّة والعظمة؛ وما يتمتّعون به من ثراء ونعيم. ولفظ «الأكل» مستعار، أو كناية عن تبديل أحوالهم الحسنة إلى سيّئة.

ومن أمثاله(ع) السائرة: «كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ!»[٢٣].

ضربه(ع) مثلاً لمن يفعل فعلاً يكون سبباً لحرمانه ما كان يناله من خير سابق.

ومن ذمّه(ع) لأهل البصرة بعد وقعة الجمل: «فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ، وَ أُكْلَةٌ لِآكِلٍ، وَفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ»[٢٤].

أي طعمة لكلّ ماكول؛ أي لا حصانة لكم. وهذه كلمات تجري مجرى الأمثال فيمن هو سَلِسُ الانقياد في الشرّ، عسر الانقياد في الخير، فيكون عرضة لكلّ طامع. وفيه مجاز عقلي علاقته المفعولية، وسجع متوازٍ في: «نَابِلٍ» و«آكِلٍ» و«صَائِلٍ» يوحي بالفكرة، ويساعد على إبراز المعنى.

ومن إخباره(ع) بإقصاء الأئمّة(ع) وبانتقام الله تعالى: «أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ؛ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ، وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ»[٢٥].

أي يبدّل نعمتهم بالنقمة، ومطاعمهم اللذيذة الشهية بالمريرة؛ أي سينتقم الله تعالى ممّن ظلم أحداً في أكل أو شرب بأكل من مطاعم العلقم، وبشرب من مشارب الصبر[٢٦].

ومن وصفه(ع) لعصر بني اُميّة: «وَكَانَ أَهْلُ ذلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً، وَسَلَاطِينُهُ سِبَاعاً، وَأَوْسَاطُهُ أُكَّالاً»[٢٧].

أي تكون أئمّة الجور مغتصِبة، كسباع ضارية مفترسة. والمراد بالأوساط: الطبقة الوسطى من المجتمع، ولقربهم من الدولة وأربابها أكلوا حقوق الفقراء واستغلّوهم؛ حتّى أماتوهم جوعاً[٢٨]. وروي «أُكالاً» - بدون تشديد الكاف - أي صار أوساط الناس طعمة للولاة وأصحاب السلاطين، كالفريسة للأسد[٢٩].

ومن تحذيره(ع) من الدنيا: «غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ»[٣٠]. أي كثيرة الغرور، كثيرة الضرر، متغيّرة من حال إلى حال زائلة لا بقاء لها، فانية لا خلود لها ولا دوام، مهلكة لا تُبْقي على أحد، كثيرة الأكل والاغتيال للناس.

ومن جوابه(ع) حين خاطبه العبّاس وأبو سفيان في أن يبايعا له بالخلافة: «هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، ولُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُها...»[٣١]. شبّه(ع) الوضع آنذاك المتصفة بالماء الآجن وباللقمة التي يغصّ بها آكلها، فيموت بها، وجعل «يَغَصُّ» صفة «للقمة» ليدلّ على الاستمرار؛ لكونها جملة فعلية.[٣٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۱

الهوامش

  1. سورة طه، الآية ١٢١.
  2. سورة النساء، الآية ٢.
  3. سورة آل عمران، الآية ١٨٣.
  4. سورة النساء، الآية ١٠.
  5. سورة المائدة، الآية ٧٥.
  6. سورة سبأ، الآية ١٦.
  7. سورة المائدة، الآية ٦٦.
  8. تاج العروس، مادّة: (أكل)؛ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٤٢؛ مجمع البحرين، ج١، ص٥٥.
  9. سورة البقرة، الآية ٢٦٥.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ١٧٦.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
  12. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
  13. نهج البلاغة، الكتاب ٤٥.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ٢٦.
  17. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٣.
  18. نهج البلاغة، الكتاب ١٧.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
  20. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٦.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ٨٦.
  22. نهج البلاغة، الخطبة ١١٦.
  23. نهج البلاغة، قصار الحكم ١٧١.
  24. نهج البلاغة، الخطبة ١٤.
  25. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٨.
  26. منهاج البراعة، ج٩، ص٢٨٤.
  27. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.
  28. شرح النهج، دخيل، ص٨٣؛ الدرة النجفية، ص١٥٩؛ والمرجّح هذا الرأي: لأنّ الامام(ع) ذكر الطرفين في سياق واحد وبلا فاصل.
  29. شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج٧، ص١٩٢؛ وروي: «آكالاً» بمدّ الهمزة على «أفعال» جمع أُكْل؛ وهو ما أُكل، كقُفْل، وأقفال.
  30. نهج البلاغة، الخطبة ١١١.
  31. نهج البلاغة، الخطبة ٥.
  32. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢١٥-٢٢١.