الإسلام في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة دعوى اقتباس الإسلام من الأديان الأخرى ومختلف الثقافات في العالم

لقد سعي أعداء الإسلام إلى إظهاره بوصفه متأثراً بالأديان والثقافات السابقة، وأرادوا بذلك إنكار أن يكون للإسلام من خلفية سماوية أو أنه نتاج الارتباط بالوحى وعالم الغيب. وفي هذا الإطار جاء في كتاب «الإسلام والإسلاموية» لمؤلفه ابن وراق[١] قوله: «لا يحتوي القرآن على عقيدة إلا وهناك إشارة إليها من قبل الأديان والحضارات السابقة، وإن جميع الأصول الأخلاقية الواردة في القرآن تُعدّ من بديهيات القواعد العامة في حياة الإنسان، وإن القصص الواردة في القرآن مأخوذة من تعاليم اليهود والمسيحيين.

فقد حاور النبي محمد في أسفاره التي قام به إلى الشام حاخامات اليهود والرهبان في صوامعهم والمنحدرين من أقوام عاد وثمود، وتعلم منهم القصص القرآني»[٢].

مناقشة وتحليل

في معرض نقدنا لهذه الشبهة تجدر الإشارة إلى الأمور الآتية:

  1. أميّة النبي: إنّ الكلام القائل بأن النبي الأكرم (ص)بوصفه نبي الإسلام ومؤسس شريعته، إنما استنسخ الإسلام من الأديان أو الثقافات والحضارات الأخرى، يخالف جميع الحقائق والوقائع التاريخية؛ إذ شهد التاريخ أن النبي لم يدرس عند أي عالم من علماء الأديان الأخرى، كما أنه لم يدرس في أي مركز أو مؤسسة من المؤسسات والمراكز العلمية العالمية في ذلك العصر. بعبارة أخرى إن اتصاف النبي بالأمية يعني أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، ولم يكن باستطاعته أن يقرأ أو يكتب. في حين أن لازم الادعاء المتقدم وجود الحد الأدنى من المعرفة التى تمكنه من قراءة الكتب المقدسة للأديان الأخرى أو الثقافات والحضارات التي كانت معروفة في حينها، لكي يتمكن من الاقتباس منها لبناء دينه الجديد.
  2. عدم الارتباط التفصيلي والدائم بين النبي (ص)وأتباع الأديان الأخرى: يشهد التاريخ أن النبي الأكرم (ص)لم يرتبط بعلماء النصارى إلا في موردين عندما سافر إلى الشام، وكان أحدهما عندما كان يافعاً، والمورد الثاني عندما كان شاباً، وكان كلا اللقائين على مستوى اللقاء العابر الذي لا يمكن أن يكون كافياً لفهم التعاليم الواردة في شريعة عيسى وموسى (عليهما السلام)، فضلاً عن التأسيس عليه لبناء شريعة متكاملة الحلقات، وذلك في مدّة لا تتجاوز العشرين سنة، ومن دون أن يكون قد كتب شيئاً عن تلك الأديان.
  3. عدم ذكر دعوى أخذ الإسلام من الأديان الأخرى من قبل الأعداء في صدر الإسلام: الأمر الآخر أننا نلاحظ أن أعداء الإسلام الألداء الذين لم يتركوا وسيلة لدحر الإسلام في باكورة أمره إلا واستخدموها، لم يتهموا النبي بهذه التهمة أبداً، في حين أنهم اتهموه بمختلف الاتهامات من قبيل الاتصال بالجن وممارسة الكهانة وقول الشعر، بل ونسبوه حتى إلى الجنون أيضاً، ولكن حيث أنهم يعلمون أنه لم يسبق له أن التقى عالماً مسيحياً أو يهودياً لم يخطر ببالهم أن يتهموه بمثل هذه التهمة، لأنها ستكون بعيدة عن الواقع جداً، ولن تقنع أحداً. ثم إن أحبار اليهود ورهبان النصارى قد جدّوا بعد ذلك في مواجهة الإسلام من أجل الحيلولة دون اعتناق أبنائهم للإسلام، فلو كان النبي الأكرم مجرد ناسخ لتعاليمهم لاتخذوا ذلك سلاحاً ضدّه، كما كان اليهود يغتنمون أبسط الجزئيات لغمز قناة النبي منها، ومن ذلك ما كان من أمر القبلة وتوجه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس، معتبرين ذلك نقطة ضعف في الإسلام، وكان النبي لذلك يقلب طرفه إلى السماء متوقعاً تغيير القبلة في كل لحظة، حتى انتهى الأمر إلى إذن السماء بتغيير القبلة إلى الكعبة المشرفة.
  4. اشتراك الإسلام مع سائر الأديان يعود إلى اتحاد المصدر (وحي السماء): وفيما يتعلق بشبهة التشابه القائم بين القرآن الكريم ومضامين الشريعة الإسلامية وبين الكتب السماوية الأخرى - التى يتخذها بعض المستشرقين مستمسكاً للطعن في الإسلام - يجب القول لا يمكن إنكار وجود هذا التشابه، إلا أنه لا يعود إلى اقتباس القرآن من الكتب السماوية الأخرى، وإنما سببه هو أن جميع الأديان التوحيدية ذات منشأ واحد وهو الوحي، وإن جميع الأنبياء والأديان السماوية تستند إلى إله واحد. ويمكن القول إن جميع الأديان عبارة عن دين واحد قد تكامل عبر العصور، وإن دين النبى الخاتم هو أكمل الأديان وناسخها. وعليه حيث تشترك هذه الأديان في الخطوط العامة، فمن الطبيعي أن تتشابه في كثير من الموارد التفصيلية.

أما وجود عناصر الحضارات الأخرى في الإسلام ومن بينها بعض المسائل الفلسفية، فهو أمر يعود إلى طبيعة الحضارة الإسلامية، حيث تسرّبت هذه العناصر إليها بعد النبي الأكرم (ص)، ولا شأن للنبي بها، رغم أن هذه العناصر قد تمّ اجتذابها طبقاً للمباني الإسلامية وتعاليم النبي الأكرم (ص).[٣]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. ابن وراق اسم مستعار لكاتب باكستاني، ولد في الهند عام ١٩٤٦ للميلاد، والتحق هناك بإحدى مدارس تعليم القرآن. درس بعد ذلك في جامعة ادينبرا وتخلى عن اعتناق الإسلام. وهو يعيش اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعمل في معهد علمنة المجتمع الإسلامي. وقد نشرت له عدة مؤلفات تحت اسمه المستعار (ابن ورّاق)، مثل كتابه الرائج جداً الصادر عام ١٩٩٤م، بعنوان "لماذا لم أعد مسلما"، وكتابه الجديد "الدفاع عن الغرب" وهو نقد لكتاب إدوارد سعيد "حول الاستشراق".
  2. ابن وراق، إسلام ومسلماني (الإسلام والإسلاموية)، ترجمه إلى الفارسية مسعود انصاري (روشنگر)، ص ٣٥، كما قال هذا الكاتب نفسه في موضع آخر (إن النظرة المقارنة لدين الإسلام واليهودية والنصرانية تثبت أن الدين الإسلامي يعود بجذوره إلى اليهودية والنصرانية، وإن نصوص القرآن وأحكامه إن هي إلا استنساخ للتعاليم الواردة في الأديان السابقة، بل إنها في كثير من الموارد عبارة عن استنساخ مشوّه وناقص وغير مفهوم عنها)، أُنظر: مسعود انصاري (روشنگر)، ص ١٢٣؛ علي مير فطروس، إسلام شناسي، ج ١، ص ٢١.
  3. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٧٢.